الصحافة الإنسانية

الأزمة الناجمة عن السلطات الألمانية لإشارتها أن خيار ألمرية هو مصدر وباء (بكتيريا الكولون) Coli.E  أطلق العنان لموجة من السخط و الوطنية في المجتمع الإسباني, وخاصة في بعض وسائل الإعلام.

إن معظم هذه الخضروات تزرع في هذه المحافظة من قبل المهاجرين الذين يعملون في كثير من الحالات, تحت ظروف من العبودية الحديثة.

المحررة: باتريثيا سيمون (Patricia Simón)

صور: خابير باولوث (Javier Bauluz)

ترجمة: ليلى محرم (Laila Muharram)

كوخ في وسط البيوت المحمية في المرية ( Javier Bauluz/Piravan )

أكواخ في وسط البيوت المحمية في المرية ( Javier Bauluz/Piravan ) صور مأخوذة من Hipstamatic for iPhone, Lens:John S Flash: Off film: Claunch 72 Monochrome

آلاف الكيلومترات من طرق ترابية محاطون بجدران من البلاستيك التي تسمح بدخول النور الكافي من أجل زراعة تجارية تدر 2000 مليون يورو سنويا و بنفس الوقت, تخفي استغلال لآلاف من الأشخاص وهم الذين يجعلونه ممكنا. الأربعين درجة حرارية تحت شمس حارقة حيث تصل أحيانا إلى خمسين درجة داخل هذا البحر من الخيام البلاستكية التي تغطي معظم مقاطعة المرية, أكثر من 350 كيلومتر مربعا والذي حول هذه الحدود الجنوبية لأوروبا إلى مخبر صناعي,إقتصادي و إجتماعي.

لقطة شاشة لمقاطعة المرية مغطاة ببيوت محمية في Google Maps.

الغبار الذي سببه السيارة الذي زاد على طبقات عديدة منه فوق البلاستيك بالإضافة لتأثيير  المضرر لأشعة الشمس, يجبر تغييره سنويا من طرف هؤلاء الرجال الذين نشاهدهم متسلقين على سلالم و دعائم, ونستطيع العثور على بعض الإسبان الذين مازالوا يعملون هناك. اللائحات الوحيدة التي نجدها منشورة على حافة الطريق معلنين: “باذنجان شقيرة: فعال, جهدعالي ومتناسق.” أو “فليفله كاليفورنيا نضوج أحمر من أجل زرع متأخر”, هذه بعض الأنواع الجديدة لهذا الموسم. في هذه الخلية الشوراع ليست لها أسماء ولا حتى إشارات تدل عليها في أعين الزائرين, لكنها مليئة بها بالنسبة لسكانها مثلا وعلى منعطف الزاوية واحد من أكوام الزبالة يخترقه درب أخضر, آت من كوخ من الخشب معلنا. أننا وصلنا إلى احدى المراكز المتشرة لاكثر من 100 مركز لهذه الأكواخ في هذه المحافظة والذي يعيش بها هؤلاء العمال في وضع بائس.

حكيم واحد منهم, خرج لإستقبالنا يرافقة بعض الرجال المغاربة ففي خلال الثلاث سنوات الفائته التي بدأو فيها تعمير هذه الملاجئ من بقايا خشبية وبلاستيكية الموجوده ناتجة عن مليونان ونصف طن من النفايات في السنة الواحدة. ومن هذا المرتفع فإن النظر يضيع في الأفق لكن مع العلم أن في أحد النقاط يلتقي مع البحر الأبيض المتوسط, والذي يفصل بينهم وبين بلدهم ما يقارب 200 كيلومتر, يغوصون تحت مياه محيط آخر باذلين كل ما في وسعهم من أجل لقمة العيش.

هيئة الشورى للزراعة وصيد الأسماك في مجلس الأندلس

يحيون بشكل ودي لكن جديين, الساعة الآن الحادية عشرة صباحا وهم لا يعملون وليس بالشيء الغريب, إن الازمة في آخر شهر مايو عند إتهام السلطات الألمانية بأن مصدر الوباء لبكتريا الأمعاء هو المرية, وأكثر من ثلاثين شخصا فقدوا الحياة, وحوالي 3000 مصاب حسب المركز الأوروبي لمراقبة الأمراض. أنهارت صادرات ألمرية بالإضافة إلى إنتهاء موسم الطماطم والبطيخ الأحمر وهم من أهم المنتجات في المنطقة. سافر حكيم من طنجة حتى برشلونة مختبئا تحت سيارة شاحنة عندما كان في التاسعة عشرة من عمره, إستغرقت الرحلة يومان تقريبا, متغلبا على وزنه وعلى حرارة المحرك والخوف من الوقوع والموت مندهسا, وهذا عن بعض الذكريات الذي تعلقت بذاكرته, هو من مئات الشباب الذين وصلوا بهذه الطريقة إلى شبه الجزيرة, لكن بعضهم لاقى حتفه في هذه الرحلة.

حكيم في الكوخ مع ابن عمه وصديق له.(Javier Bauluz/ Piraván)

حكيم عمره 20 سنة, ابتسامة على وجهه تخفي واقع مرير: “والدي نصحني في البقاء لكنني كنت أرى كثير من الأصدقاء يعودون إلى المغرب في سيارتهم الخاصة, مع مال وبيت, وأنا كنت أريد ذلك. نحن نسمع أن الأحوال ليست على مايرام ولكننا نريد فقط إسبانيا.”

نحن في كوخ حكيم المزري والذي يشاركه فيه ابن عمه وصديق آخر. هي نفس التربة التي لا تلمسها المزروعات إلى قليلا في هذه البيوت المحمية في ألمرية. الجدران من الأخشاب و البلاستيك الفائض. وأزيز الذباب الذي لا يتحرك حتى ولو طالته الأيدي, يضفي جوا مشحونا: “وعندما يحتاجون إلى عمال يأتي المسؤول ويختار خمسة أو ستة عمال, نذهب إلى البيوت المحمية وعمل عمل عمل, نجني بطيخ وطماطم, نقتلع الحشائش وهكذ خلال ثمانية ساعات وعند الإنتهاء يدفعوا لنا 20,25 يورو, بدون عقد ولا أي شيء”.

عند حلول العصر تمتلئ طرقات ألمرية بالدراجات, وهي الوسيلة الأكثر استعمالا للتنقل من قبل العمال. وما نراه في قاع الغرفة هو مطبخ كوخ حكيم. (Javier Bauluz/Piraván)

وهنا تبدأ واحدة من تلك الشوارع بدون مخرج التي تحتوي على آلاف الأشخاص في الخفاء, خارج القانون. ليس عند حكيم عقد عمل ولهذا السبب, لا يستطيع أن يطلب بطاقة الإقامة على الرغم أنه مؤهلا لها لحوزه المدة القانونية وهي ثلاث سنوات منذ أن جاء إلى إسبانيا وهي المدة التي يحددها القانون. لكن لعدم حصوله على الإقامة, لا يستطيع سوى البقاء في الخفاء. والخوف المشل الدائم لتعرضه إلى الطرد بعد عناء سنوات طويلة. وهذا ما يعرضه أيضا إلى الاستغلال الذي يمارسه بعض رجال العمال والمزارعين. وحسب الإتفاقية الاخيرة الموقعة بين هؤلاء وبين النقابات تعين 44 يورو الحد الأدنى لأجور عمل ثماني ساعات لكن بين العمال الذين إستطعنا التكلم معهم قالوا أن العامل الروماني هو أفضل العمال أجرا, والأجور المتوسطة تصل إلى 35 يورو وحسب حكيم ومصادر أخرى فإن اسوأ الأجور تدفع لعمال جنوب الصحراء الكبرى وهم الذين يشكلون المنافسة الغير شرعية: “العمال السود يعملون بعشرة أو خمسة عشر يورو. ولكن عندما الطماطم تساوي كثيرا حيث يدفع من 70 أو 80 سنتيم لكل كيلوغرام. المزارع يربح ما يعادل 5000 أو 7000 يورو لكل شاحنة, ونحن نجني ما يعادل شاحنة واحدة كل ساعتين أو ثلاث ساعات ويدفعون لنا تسعة يورو”. أرقام تأخذ بالصعود للأرباح تدريجيا حتى تصل إلى طاولة المستهلك حيث يصل سعر الكيلو من الطماطم في سوبرماركت أكثر من1,50 يورو.

YouTube Preview Image

بينما السلطات العامة ومنظمات رجال الأعمال الزراعية يؤكدون أن نسبة البطالة في ألمرية هي نفسها الموجودة في بقية المناطق. لكن أزمة الخيار كشفت التناقضات بين الأرقام الرسمية وما يزعم, إن مقارنة المعطيات الرسمية تكشف عن واقع غير حقيقي. أسبانيا هو ثاني بلد مصدر للفواكه والخضروات والبقوليات في العالم وألمرية هي ثالث مقاطعة في الأهمية لهذه المنتوجات بعد مورثيا وفالنسيا: بالنسبة18,3 % من المجموع العام للبلد. في عام 2010, بلغت الصادرات 3,7 مليون طن حسب معطيات التعاونيات وبقيمة 3.640 مليون يورو. في الحالة الخاصة للخيار والخيار الصغير الناتج في هذه المقاطعة ما يعادل 87%, يساوي 450.000 طن صدروا إلى الأسواق الأوروبية في عام 2010, معظمهم إلى ألمانيا, وحسب تقارير من الجمارك في نفس العام وهو قطاع مهم في الإقتصاد الإسباني, وحسب الإتحاد الإسباني للجمعيات والمنتجين لصادرات الفواكه والخضروات, عانت خسارة أسبوعية 200 مليون يورو خلال أزمة الخيار.

المنتجات الزراعية مصدر: مجلس المستشارين للزراعة وصيد الأسماك في مجلس الأندلس.

ونتيجة لكل هذا فإن نقابة إتحاد العمال العامة “UGT” واتحاد العمال الزراعي “FITG” تأسف لأن 50.000 عامل إسباني تضرروا من هذه الأزمة, لكن المؤشرات الرسمية لوزارتي العمل والداخلية الذين أعلنوا أن البطالة في شهر تموز (يونيو) من عام 2011 ارتفعت 390 شخصا فقط بالنسبة للشهر الفائت, وإذا شملنا أيضا قسم الخدمات والذي يضم المعالجة اليدوية أو النقل لهذه الأغذية يرتفع إلى 1162 عاملا عاطل عن العمل.

بيوت خشبية في منطقة صناعية مهجورة (Javier Bauluz/Piravan)

وكلا الرقمين لا يصل إلى ما وصل إليه شهر تموز (يونيو) لعام 2010, شهر تنتهي فيه مواسم مهمة ولهذا ترتفع فيه البطالة, لكن نزيد على ذلك أن هذه السنة ارتفع الانتساب بحوالي 1000 شخص إلى الضمان الجماعي في فرعها الخاص بالزراعة, وقد تحول من 40.800 إلى 41.900 عاملا في هذا المجال. وهذه الأرقام من الصعب حصرها في هذه النكسة الإقتصادية بحيث أن طنان من الخضروات كانت تنتهي يوميا في صناديق القمامة, هذا بالإضافة إلى المعلومات الواقعية ومجموع الشكاوي التي كان ترتفع خلال سنوات من طرف منظمات غير حكومية ونقابات مثل “عامل الحقل”, يحملنا على التأكد بأن آلاف من الأشخاص يعملون بدون عقد عمل في هذه المقاطعة.

الخلاصة أن آخر الإحصائيات البلدية لعام 2010 يوضح أن عدد الأجانب المسجلين في سجلات البلدية في مقاطعة ألمرية ارتفع إلى تسعة مرات في السنوات العشرة الأخيرة. من 15.000 مقيم في عام 1999 إلى 170.000 مقيم جديد في عام 2010, منهم 128.000 أجنبي من هؤلاء 65.000 من بلاد الإتحاد الأوروبي (28.000 من رومانيا) والنصف الآخر 38.000 من المغرب, 19.000 من أمريكا اللاتينية, 13.000 من جنوب الصحراء ومن بلاد أوروبية من خارج الاتحاد 5.200 و بهذا الترتيب, يعني أن ألمرية ازداد عدد سكانها ما يعادل 90.000 أجنبي قادمين من بلاد فقيرة ونسبة الرجال 65% إلى 75% . لكن عدد الإنتساب إلى النظام الخاص الزراعي هو 41.000 شخصا فقط وهذا يشمل الإسبان طبعا.

من أجل مقارنة هذه المعلومات اتصلنا مع ثلاثة من الجمعيات الرئسية للتجارة والزراعة في ألمرية. هم جمعية الشباب المزارعين في ألمرية(ASAJA) اتحاد صغار المزارعين (UPA) جمعية المؤسسات لجني المحاصيل وتصدير المنتجات للبقول والفواكه في ألمرية (CEOXPHAL) فقط الأولى ردت على أسئلتنا عبر فرعها الصحافي وعلى السؤال كم عدد الأشخاص الذين يعملون بدون عقد عمل في ألمرية الجواب الحاسم: “جوابي يجب أن يكون صفر”, حول الكمية التي تدفعوا كأجر يومي. الجواب من طرف  (ASAJA) لايزال يؤكد أن المبلغ المدفوع فوق 44 يورو وهو الذي يرد في الاتفاقيات, لأنه في بعض الاحيان يوفر للعامل سكن وطعام وشراب وهذه الخدمات لا تحسب.

Spitou Mendy في أحد مراكز SOC

سبيتو ميندي, شاب من السنيغال يحمل شهادة في علم اللغة الإسبانية وأستاذ في نفس اللغة في بلده, هاجر إلى أوروبا ” مثل الجميع لأننا لاجئين للحاجة المادية”, تحول إلى وجه معروف في السنوات الأخيرة وهو المتحدث بإسم نقابة عمال الحقل (SOC), حيث وضع نفسه وصوته لخدمة النقابة التي كافحت ضد الإستغلال ونقص الحقوق الرئسية لهؤلاء العمال, بعد أن رأى وأحس رائحة الفقر المقفع وكأنهم يعيشون في العالم الثالث, كأنهم أشخاص غير عاديين, يعيشون منعزلين لا يراهم أحد, وفي نفس الوقت متجاهلون من قبل السلطات, لكن أيضا الوجه الغني والمتطور الذي من حولهم أن الخطاب الكفاحي وبدون احتشام الذي يضعه وهو الوحيد الذي يظهر هذا الفقر الخانق لهؤلاء العمال. “إن قول المندوب الزراعي في مجلس الأندلس بأنه لا يوجد أشخاص بدون وثائق يعملون بها أو بدون عقد عمل مثلها مثل كل أوروبا… والذي يحدث أن هذه الأيدي العاملة ليست لها تكلفة مضافة, وهذا ما يسمى احتيال. إن الإدارة تساعد على إغراق هذا البلد. وأنا مواطن أجنبي يعرف كيف أشرحه وقوله للناس, يبدو لهم شيء غير معقول. ومن المستحيل أن يكون شخص مهاجر له القدرة والعمل على تحليل الوضع الإجتماعي.”

معلومات أساسية من الأندلس 2010 مصدر: هيئة الشورى للزراعة و صيد الأسماك في مجلس الأندلس.

ومن طرف أصحاب الاعمال من المزارعين, يجب أن نعتبر المخصوصيات للزراعة المكثفة. خوان مراجس رئيس ألمرية ترعى تحتوي على الصعوبات التي يجدونها عند التعاقد مع هؤلاء العمال: إن الاتفاقية المبرمة تحدد مدة التعاقد على أن يكون سنة لكن الزراعة هنا فصلية مع ارتفاع العمل في مدة زمنية محددة, بالإضافة إلى حدوث أشياء غير متوقعة مثل انتشار وباء أو الذي حدث مع باكتيريا الأمعاء (E Coli) مما سبب وقف العمل, وصاحب العمل يتعرض للمخالفات لأنه تعاقد مع عمال وبدون أجور. والمزارعين ليس من صالحهم الحوز على عمال وبدون عقد لأنهم يتعرضون لمخالفات قانونية تبلغوا 60.000 يورو ولهذا الحدود القانونية لا تتأقلم مع حقيقة هذه المزروعات.

هذا ما يحدثنا به أيضا أحد المزارعين عندما كان ينتظر مجموعة من الرجال والنساء الرومان من أجل جني محصول الباذنجان ما يعادل سيارة شاحنة من الباذنجان الجيد المتشابه, هو شاب يتمتع بعضلات رياضية, هو ابن مزارعين يحمل ليسانس في الكمبيوتر, وانتهى به الأمر على حمل مسؤولية التجارة العائلية (لأن هذا يجذبك في النهاية). الأرض مخططة ومقسمة إلى أقسام متساوية تحتوي على رتائل من المزروعات المتشابة وبنفس الحجم, متراصة بلون رصاصي, موضحا أنه لا يستعمل السماد الطبيعي في الزراعة, الزراعة المكثفة تعقدت كثيرا وبشكل ملحوظ في السنوات العشر الأواخر. هذه المقاطعة لم تلحق بالركب, حسب هذا المزارع “يبدو من غير المعقول عدم وجود شركات تمويل محلي للحصول على البذور والأسمدة, ولا حتى مصنع للمعلبات من أجل الطماطم المرضرض والذي يذهب إلى مورثيا أو فالنسيا من أجل تحويله إلى طماطم مقلي. ميكيل أنخيل يرى واضحا أن الخسائر الناتجة عن الاتهامات من طرف السلطات الألمانية سوف لن تعوض, ويزيد أن هذه ليست المشكلة الوحيدة, أحيانا يصل سعر المنتوجات إلى مستوى منخفظ لا يجدي عندها عرضها للبيع, مثلا سعر الباذنجان يصل إلى 10, 15 أو20 سنتيم عندها أتركها على حافة الطريق ولكن ليس لمدة كبيرة لكي لا نتعرض للمخالفة, ربما يلتقطها أحد.

في أحد المقالات المنشورة لعضو المجلس العلمي ATTAC غوستابو دوش حول وباء باكتيريا الأمعاء قال: “الموضوع هو تصميم وإنتاج شيء شبيه بالغذاء بأسعار منخفضة جدا من الناحية الإقتصادية و الإجتماعية مع نظام حفظ البيئة, لكن يجب عن تعطي أرباح عالية لأصحاب هذه التجارة. هذه الأغذية التي لا تعتبر ضرورية ولازمة, بل تفهم كأنها بضاعة وبدون أي تعليق. من أجل الحصول على هذه الأرباح يجب أن يكون نسبتها عالية. في حالة الخيار مثلا ففي حسابات دوش أن مجهود الزراعة والسقاية وجني المحصول يتطلب من المزارعين أو المزارعات, 0,17 يورو لكل كيلوغرام مباع بينما يصل إلى المستهلك بسعر 1,63 يورو لكل كيلو, هذا يعني ربح يزيد عن 800%.

شابة رومانية تجني الباذنجان في المزارع المحمية التابعة لميغيل أنخيل ( Piraván /Javier Bauluz).

يوجد ثلاثة صيغ للتجارة بالمحاصيل: بيعها إلى الموزعين مثل كاريفور أو ألدي حيث أنهم يسيطرون على 60% من هذه التجارة في الاتحاد الأوروبي, أو مباشرة إلى المحلات أو الجمعيات. ميغيل أنخيل سوف يبيع محصوله إلى شركة توزيع كان قد اتفق معها على السعر قبل الزرع. وهو أقل فيما إذا باعه إلى جمعية كعضو فيها, لكن هذه الطريقة تعطيه استقرار وأمن مسبقا: 30 سنتيم لكل كيلوغرام, في الأسواق سيباع بقيمة ما يعادل يورو واحد على حد وسط لكل كيلو. ثلاثة نساء ورجل رومان يجنون المحاصيل مع المزارع من أجل املاء سيارة شاحنة من الباذنجان “يدفع لهم 35 يورو مقابل 8 ساعات عمل, هنا تعمل اليوم وتقبض في نفس اليوم”.

من مجموع 210 ميليون يورو المساعدة التي قررها الاتحاد الأوروبي بعد الأزمة التي سببتها جرثومة الأمعاء. 37 منهم تذهب إلى رجال الأعمال المتضررين, مع أن الحكومة الإسبانية طلبت 71 على شرط عدم استلامهم أي مساعدة سابقة في مجال سياسة الزراعية المشتركة PAC  . حوالي 6500 مزارع استلموا 7 مليون يورو هذه السنة, حسب تقارير “ASAJA”, التجار المزارعين بدأوا باستلام القرار النهائي لكل واحد منهم, وعلى السؤال هل سيدفع للعمال قسم من هذه المساعدات, الجواب: “لا, العمال لهم وسائل أخرى لاستلام مساعدات لكن بدون شك فإن العمال الذين لا يحملون أوراق ثبوتية وبدون عقد عمل أي لم يعملون في تلك الأيام ولهذا لم يستلموا أي أجر وفي معظم الأحيان كانوا يأكلون برعاية الصليب الأحمر ومنظمات إنسانية أخرى, سوف لن ينالوا أي تعويض من هذه الكمبيات الطائلة من الأموال بل على العكس سوف تذهب تلك الأموال إلى أيدي التجار الذين يستعملون أيدي عاملة أشبه بالعبودية كما صنفت من طرف المنظمة المشهورة العالمية ضد العبودية. بما أن هؤلاء الصحافيين لمسوا هذا الوضع وبدون أي صعوبة, فبالأحرى أن يقوم بهذا الأمر وزارة العمل مثلا.

سطوح البيوت الخشبية المبنية في منطقة صناعية متداعية.(J.B./Piravan)

وهذا هو حال مجموعة من الرجال من الصحراء الجنوبية حيث يعيشون بجانب هذه القرية المعمولة من البيوت المؤقتة المتداعية لحكيم. يتشاركون في بيت بينما يقوم أحدهم بالطبخ ينتظر البقية جالسين على أريكة مهترئة وأخرين جالسين قرب الباب. مازلنا محاطين ببيوت بلاستيكية مع وجود بحيرة قريبة, يدعهم صاحبها استعمالها للشرب أو الاغتسال لكن هذا الماء غير صالح للشرب, ولهذا تراهم ينفقون كمية مهمة من دخلهم لشراء دوارق من الماء المعلب.

لا يريدون الكلام. منذ مدة لم يحصلوا على عمل وهم لا يرون ضوء في آخر النفق, ولا يعلمون بأحد استطاع الحصول على أوراق ثبوتية, طعامهم عادة يكون من الخضروات التي يجدونها على قارعة الطريق, أو يعطيها لهم أحد أرباب العمل, مثل هذا الوعاء الذي يحتوي مقليات من فلفل أخضر, بصل وطماطم, لا يستطعون إرسال نقود إلى عائلاتهم, الحر شديد في هذا الصالون المظلم, إنهم متعبون لعدم وجود عمل ومن العنصرية وهم آخر طبقات المجتمع.

النقابي سبيتو يستقبلنا في طابق أرضي محول إلى مركز SOC, في حي من الأحياء المحيطة لإخيدو, حيث أن هذه المنطقة عانت من تفشي الكراهية للأجانب في عام 2000 حيث جلبت اهتمام وسائل الإعلام الوطنية والعالمية عندما حصل قتل شاب على أيدي مهاجر مغربي يعاني اضطرابات عقلية ولطالما طلب معارفه أن يعالج أو ادخاله مستشفى مختص لكن هذا لم يحدث. الأمر الذي حمل بعض السكان المحلية الإسبانية للتربص للمهاجرين الأجانب, عشرات من محلاتهم وبيوتهم صارت عرضة للحرائق ولمدة أيام أغلبهم لم يخرجوا إلى الشارع خوفا من أن يتعرضوا للمهاجمة.

إجتماع لمهاجرين مختبئين بين البيوت البلاستكية في إخيدو عام 2000 (J.B./Piravan)

محافظ المدينة من الحزب الشعبي حينها خوان إنثيسو, لعب دورا أساسيا ليس فقط من خلال تهربه من واجباته لتأمين السلامة للمواطنين بل عبر تصريخاته لوسائل الإعلام وأقواله المبررة لهذه الحملة العرقية, والسبب هو الجو الغير أمني الذي تسببه عملية الهجرة. وإن الرئيس في ذلك الحين خوسي ماريا أثنار الذي أيده عندما صرخ أن” من السهل إنتقاده عندما لا تكون موجود هناك”, لكن وزير العمل والشؤون الإجتماعية مانويل بيمنتيل, طلب العمل على الانخراط في المجتمع, ونقد جلب يد عاملة من المهاجرين وعدم اعطائهم كل حقوقهم الإنسانية.

ومن جراء هذه التصريحات سببت استقالة الوزير بيمنتيل واستمرار إنثيسو كمحافظ مع أنه طرد من الحزب وشكل حزب خاص به سماه PAL ,والمحافظة على مقعده في محافظة إلخيدو وخلال ثمانية أشهر قضاها في السجن لخمسة قضايا خطيرة لازالت عالقة به حتى الآن, مرتبطة بقضية هامة في الفساد. هذا المحافظ الذي يرد على من يسأله وبدون أي حياء “في الساعة الثامنة صباحا كل المهاجرين قليلون ولكن في الثامنة مساء هم جميعهم فائضون” حكم إخيدو 20 سنة ضلع ومثال للتطور الفاشل الذي لا يمكن الدفاع عنه مسببا هدم ألمرية.

الشرطة تعتقل مهاجر لأنه تظاهر ضد الهجمات العنصرية في ألخيدو عام 2000 (Javier Bauluz/Piravan)

سبيتو عاش هذا العقد الأخير التاريخي في النمو الإقتصادي دون شبيه, كعامل ونقابي ولم يرى أي تطور.”عشرة أعوام قضيتها في ألمرية دائما كنت اقبض نفس المبلغ. عندما وصلت كان للمهاجر قيمه وصاحب العمل كان يخرج للبحث عن الايدي العاملة. اليوم عدم الثبوتية يجعل من اليد العاملة الغير شرعية منبع الانتاج الرخيص ومن هنا رجعنا قرون إلى الوراء بدلا من التقدم. هؤلاء الأشخاص الذين يأتون ليكون ممكنا النظام الوحيد الذي ينقذنا من الأزمة, لأن الناس مازالوا  يأكلون والزراعة لا تزال وكل الناس تشتري من ألمرية, لكن الذين استطاعوا الحصول على بطاقة إقامة أو جنسية غادروا يبحثون عن حياة أفضل في سويسرا أو فرنسا, العمل هو نفسه لكن الأجور تتضاعف. “ألمرية لا تدع مكان للاندماج, لا تؤهل, لاتربي, ألمرية فقط تستغل.”

“فقط يفكرون أننا قوة للعمل, ليس لدينا تاريخ ولا حقوق كبشر لهم كرامتهم. لكن أنا أتيت من بلد مثقف, عندي مؤهلات مثلي مثل كثير من المهاجرين, عندنا مؤهلات جامعية, لكن نحن لاجئين حاجة مادية. كثير من الرفاق يئسوا بعد كثير من العقبات التي واجهتهم وانتهوا معتقدين أنهم لا يساون شيئا لكن يجب مساعدتهم على رد احترام الذات. إلا اذا أردنا الموت أحياء وهم يفعلون ذلك. الاستغلال إلى أبعد الحدود والرسالة واضحة. أنت يجب أن لا تعلم شيئا, فقط الإستسلام. ومن منا يرفع صوته ليقول شيئا فنحن لسنا أصدقاء ويجب مكافحتنا.

YouTube Preview Image

سبيتو يظهر عليه التعب بعد أن رافقنا خلال يومين ليبين لنا التخلف الذي يقطن في ألمرية لمجموعة من الصحفيين من شمال أوروبا كانوا قد أتوا لتحضير وثائقي. لكن ليس التعب الجسمي الذي يرهق سبيتو بل دفاعه عن الحقوق الإنسانية, والقليلون الذين يتجرؤون رفع أصواتهم يقابلون في الحال بالملاحقة أو العزل. وعلى كل هذا تعرض له عندما رافقة وشارك في إعداد تقرير للصحيفة المرموقة البريطانية (The Guardian) تحت عنوان “إن من يزرع خضار السلطات في إسبانية هم عبيد حدثين حسب ONG”. الصحافة والسلطات المحلية اندفعوا لتكذيب محتوى هذا الخبر. واتهام سبيتو و SOC بتشويه مظهر المحافظة. “وهذا من الحياء أن يوجد في هذا المجتمع الحديث من يتصرف على هذا النحو. وإذا وجدت جماعة تطالب أن تكون الأجور التي تدفع لهؤلاء العمال الذين يعملون من الثامنة صباحا وحتى التاسعة مساء أقل من 37 يورو مع العلم أن الاتفاقيات تحددها بـ44 يورو على أقل تعديل… لكن لا أحد يريد دفع هذا للمهاجريين. طبعا هناك إسبان بقبضون نفس المبلغ كما أن هناك إسبان يقبضون تعويض بطالة آمين للعمل الذي يقوم به المهاجرون وبدون عقد. نحن نفكر أننا عبيد لأنهم يجبروننا. وهذه هي قاعدة الخدمة ويجب قبولها على هذا النحو للحصول على لقمة العيش.


ASAJA تدافع, بأن تعريف هذه الظروف العمالية بالعبودية “شيء خارج عن الاطار. هو عمل قاسي, حتى أنه في بعض الأحيان رفض الإسبان العمل به لأنه شاق ومتعب.”

لكن العبودية كما أطلق عليها سبيتو “استغلال عمالي” يطلقون عليه بعض المنظمات والنقابات “عبودية حديثة”, كما يطلق عليها ONG العالمية ضد العبودية, وليس فقط تضم عمال البيوت البلاستيكية. هذا النمو الإقتصادي الغير معقول في ألمرية تبين ليس فقط بعدد السيارات المسجلة سنويا –20.000 بين عام 2004 و2007 مقابل انخفاض إلى 12.000 في عام 2008 مع وصول الأزمة أو البراعم الخضراء في حدائق تجلب الأنظار في شوارع وتقاطعات ألخيدو أو الأنوار التي تنبعث من النوادي الليلية التي تتضاعف في الطرقات الرئسية وفي الزوايا المنعزلة منها, بيوت بلاستيكية, أكواخ وأيضا دراجات تستريح أمام غرف مهترئة وهو بيت العبيدات لهؤلاء العبيد.

سيتابع

أكواخ (Javier Bauluz /Piraván)


التحليل بعد مرور عشرة سنوات و الرد على هجوم 11 سبتمبر الذين أطلق عليه الحرب ضد الإرهاب النتيجة لا يمكن أن تكون أكثر ضررا.

ومن حينها فإن شهر أغسطس هو الأكثر دموية في أفغانستان, في العراق بقي أكثر من 42.000 خبير عسكري أمريكي, وفي باكستان تدور حرب ضد الشعب وباسم  واشنطن.

بينما الربيع العربي كشف العلاقة الودية بين هؤلاء الطغاة الظالمين ودول الغرب.

المحرر: بوستخان فيديمسيك (Bostjan Videmsek)

صور: خوري إرثين (Jure Erzen)

ترجمة إلى اللغة الإسبانية: بلانكا بيتولاثا  (Blanca Betolaza)

ترجمة إلى اللغة العربية: ليلى محرم (Laila Muharram)

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

في عام 2010 تحولت حرب أفغانستان إلى أطول حرب رسمية خاضتها الولايات المتحدة على مدى تاريخها وفي شهر نوفمر من نفس العام تجاوزوا الاتحاد السوفبتي المدة اللتي بقوا فيها في أفغانستان. في مؤتمر الحلف الأطلسي في لشبونة في شهر نوفمبر الماضي قرروا تمديد الحرب وبشكل رسمي إلى عام 2014 على الأقل. وفي هذا الوقت تبين أن نوايا الحلف لم تكن الحرب في أفغانستان والنصر بل الذي يهمها أكثر هو التواجد العسكري في المنطقة من أجل الحصول على الموارد الطبيعية, مثلما حصل في العراق من المحتمل أن تكون القاعدة مهزومة وربما أسامة بن لادن يكون ميتا لكن المشكلة الرئيسية الأفغانية توجد فعليا في باكستان هذا البلد الذي دفع ثمنا باهظا في الحرب الشاملة ضد الإرهاب, لكن ومع كل هذا فإن التحالف الدولي لم يظهر أي نية في سحب قواته.

خلال السنوات الثلاث التي تلت هروب الطالبان من كابول حصلت هدنة على مستوى عام لوقف العنف, لكن الحلف وعلى رأسه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فشلوا من الاستفادة منها. وبدل من أن يعمروا هذه الأراضي المسلوبة تركوا هذا الأمر في أيدي جماعات عديمة الرحمة مشكلة من أسياد الحرب القدماء, شركات تأمين خاصة. والرئيس حميد كارزاي. وفي الأعوام الخمسة الفائتة. فإن الدائرة المقربة من كارزاي. وصلت أعلى مكان من الفساد, حتى انهم وصلوا إلى التحكم في الانتحابات الرئاسية والبرلمانية. والنتيجة ما هو متوقع. حروب ونزاعات طائفية, تنشيط تجارة الأفيون, الضعف الجيوستراتيجي للحلف الأطلسي, الإنهيار المطلق للنظام الصحي والتعليمي في أفغانستان, زيادة عالية في الفساد لم يسبق لها مثيل, وتشكيل دويلات صغيرة يتحكمون بها سادة الحرب المحلية, وهم في الواقع من يحكم البلد المحتل.

في السنتين الأخيرتين, من مجموع 140.000 للقوات المنتشرة هناك, حوالي 100.000 منهم من الولايات المتحدة. حسب بوب ودورد,إن الرئيس باراك أوباما وجد نفسه مثل ريشارد نيكسون. أنتخبوا لوقف الحرب لكنهم فشلوا في الوقوف أمام الجهاز العسكري الصناعي, الذي كان همه الوحيد خلق حالة حرب دائمة. منذ دخول أوباما إلى البيت الأبيض, فإن عدد الجنود الأمريكيون في أفغانستان إزداد ثلاثة مرات. الحرب الأفغانية تحولت إلى حرب أمريكية.

ونفس الشيء نقوله عن طالبان فان وجودهم مرتبط دائما في حالة حرب مستمرة ولكن هؤلاء المقاتلين يختلفون تماما عن أولائك الذين كانوا يفجرون تماثيل بوذا ويرجمون النساء. وطالبان اليوم ليسوا متحدين. فإن الحركة تحتوي على أكثر من 12 مجموعة متمردة على الأقل. أغلبية الرجال عندهم القليل من العلم في الايديولوجية والدين هم فقط رجالا وشبابا يجاهدون ضد الاحتلال الخارجي. بعضهم يقومون به من أجل المال, آخرين للفخر, وكثيرين منهم لعدم وجود أي خيار آخر لهم.

التفاوض بين طالبان والمجتمع الدولي مكثفة. لكن حاشية الرئيس كارزاي والذين خسروا في المدة الأخيرة كثيرا من الموالين الذين تعرضوا لهجومات من قبل طالبان وبالتالي فهم أكثر ضعفا يوما عن يوم.

مهمة ISAF كانت محاولة من الحلف الأطلسي للعثور على مبرر لوجودهم بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وحسب جميع المعايير فإن هذه المحاولة بائت بالفشل المطلق. فموضع الحلف غير مواتية بعد عشرة سنوات من الهجوم على أفغانستان وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. أفغانستان بلد مدمر بحرب قاسية وبدون رحمة وعلى ما يبدو ليس لها نهاية, إن الطائرات الحربية للحلف الأطلسي ما زالت تقتل عدد كبير من المدنيين, بنيان إقتصادي أقل من القليل, تجارة الأفيون في إزدهار, المدارس خالية, مساعدات خارجية بقيمة بلايين البلايين تختفي عن الأنظار, وبدون رجعة. وكان شهر أغسطس أكثر الأشهر دموية في السنوات العشرة الأخيرة, وبالأخص للقوات الدولية.

الحرب تبلغ ذروتها القسوى في الأماكن القبلية الباكستانية في منطقة وازيرستان شمالا وجنوبا. وفي خريف عام 2001 أطلق الجيش الباكستاني حملة عسكرية في هذه المناطق الحدودية مع أفغانستان. وفي الواقع هذه كانت حرب أهلية ضد نفس المواطنين (معظمهم من الباستون) وفي الأوساط الرسمية لم تذكر إلا قليلا هذه الحرب التي يقوم بها باكستان بإسم واشنطن. إن أعداد الجنود الباكستانين الذين لاقوا حتفهم في هذه الإشتباكات أكثر بكثير من كل الجنود الأجانب الذين قتلوا في أفغانستان. ونفس الشيء حصل للأهالي المدنيين. ونتيجة مختلف الهجمات الحكومية هو الثمن الذي دفعته باكستان,كيف بضعة ملايين من السكان طردوا من بيوتهم, في عام 2010 البنتاغون والبيت الأبيض قرروا توسيع المواجهة إلى ما بعد خط دوراند حتى باكستان مركز جميع الإهتزازات الأفغانية, وهذا السيناريو للحرب الشاملة أصبح يعرف ب AFPaK بينما إزداد عدد الهجمات للطائرات التي تعمل بالتحكم عن بعد. و إزدادت أيضا هجمات القوات البرية للولايات المتحدة. وإن السلطات في إسلام أباد ومنذ وقت طويل يلعبون على أوتار واشنطن. خلال الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها الرئيس آصف علي زرداري إلى الولايات المتحدة منذ سنتين والتي شجع بها على الاستمرار في الهجوم الجوي على نفس شعبه, وهذا ما أعطى الطالبان تأييد أكثر من قبل الشعب, نحن نتحدث عن عدم الاستقرار لبلد يضم 170 مليون نسمة وقدرة نووية. بلد على طول تاريخه كان يعتمد على نظام عسكري مستعد لاحتمال المواجهة بحرب كاملة ضد الهند. الجيش وشبكات المخابرات والأمن كانوا يدارون من قبل أشخاص ذو تفكير “هندي” وليس “أفغاني”. واحد منهم كان أسفاك كاخاني, القائد الأعلى للقوات المسلحة الباكستانية, الذي صرح وبشكل متكرر أن نظامه العسكري هو “هندي مركزي”. وهذا كان مفتاح السر الذي أعطى كل التأييد اللازم من طرف جهاز الاستخبارات ورجال الأمن الباكستانيين إلى طالبان وإلى الميليشيات الإسلامية المتطرفة.

وخير دليل على تلك المساعدة العسكرية الباكستانية إلى الإرهابيين هو هجوم Navy Seals في اليوم الأول من أيار في أبو تلباد, على بعد مئة كيلومترات من إسلام أباد. عندما انتهى, تبين أن أسامة بن لادن مؤسس وروح القاعدة كان مختبئا في قصر مرموق بالقرب من المدرسة العسكرية الباكستانية.

منذ 22 سنة وعندما كان جدار برلين يتحطم كانت قافلات من الدبابات والقاطرات الشاحنة السوفيتية ترحل من Hindukush نحو الحدود لإمبراطورية سوفيتية في انهيار واضح. الجنود السوفيت الناجين من الموت يهللون بوضوح إستطاعتهم الهروب من المجزرة الأفغانية. إن الاتحاد السوفيتي كان يمر في اللحظة الأكثر ألما في كل تاريخه, العملاق الشيوعي خسر في آن واحد الحرب الباردة وحرب أفغانستان, بينما في واشنطن وفي مركز الحلف الأطلسي كانوا يحتفلون بهذا الإنهيار بأنهار من الشامبان: الخصم الوحيد والهام والذي كان السبب في تشكيل الخلف الأطلسي إنهزم في النهاية.

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

ولاية هلمند, أفغانستان 2009

ولاية هلمند, أفغانستان 2009

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

بغداد, العراق 2003

هجوم الولايات المتحدة على العراق في ربيع عام 2003 كان نقطة تحول في التاريخ المعاصر, معتمدة على كذبة سافرة, الولايات المتحدة سببت حرب أهلية والتدمير الكامل لدولة كانت تفتخر بأنها أفضل دولة مستقرة في الشرق الأوسط.

إن حرب العراق كلفت مالا يقل عن 400.000 حياة. وحوالي أربعة ملايين من الأشخاص فقدوا بيوتهم, الحرب الأهلية التي سببتها أخطاء عديدة من قبل الولايات المتحدة بعد سقوط صدام حسين, غيرت تماما الخارطة الجغرافية للعراق كما سببت عدم الاستقرار لكل المنطقة وأيضا كانت سبب الحرب الباردة للشرق الأوسط وعلى الأغلب هو أخطر نزاع في وقتنا الراهن والتي كانت الدولة الأكثر علمانية في المنطقة أصبحت الآن مسرحا للأصولية الإسلامية.

مع حيرة بعض الجنود, الولايات المتحدة فقدت نفوذها ومكانتها الجيوستراتيجية وبعد إنسحابها المخزي تركت ورائها ارض مدمرة وبدون أي أمل أو ركيزة تعتمد عليها, والبيت الأبيض يتأهب للإنسحاب بحجة “نهاية الحرب” وليست سوى نظرية أباما لنفس ما قاله بوش “أنجزت المهمة” لكن حرب العراق بعيدة عن الانتهاء.

وبعد فترة قليلة من إنسحاب القوات الأمريكية (لا يزال موجودون 42.000 خبير عسكري في العراق شيئ متجاهل من طرف وسائل الإعلام التقليدية) خلايا نائمة لعدة مجموعات معارضة شيعية و سنية بدأوا بالتحرك. وغنيمة البترول ما زالت محل الصراع. التوترات الطائفية أصبحت أشد, جزء كبير من البنية الأساسية قد دمر بشكل كامل, وجيرانها الطامعين من البلاد المجاورة يحضرون أنفسهم ليكونوا البديل للمحتل الأمريكي وقد دفعت بليارات من الدولارات على تجهيز قوات الأمن العراقية ومع ذلك مازالوا عاجزين عن مراقبة المنطقة بشكل فعال.

في عام 2011 عدد الهجمات بدأ بالتزايد وبشكل سريع على الرغم من التواجد المهم للقوى الحكومية. إن الجماعات الإرهابية الشيعية والسنية عادوا إلى شوارع المدن العراقية تحت ظلام الليل. كان عامل مهم الإنتخابات البرلمانية والتي فاز بها رئيس الوزراء السابق إياد علوي “من حزب العراقية” على رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي (دولة القانون) . السلطات الشعية في بغداد والتي تحظى بالتأييد وبدون حدود من طهران. رفضوا الإعتراف بالنتائج الإنتخابية, والمالكي عمل كل ما في وسعه للمحافظة على السلطة, وهذه الجهود لاقت النجاح, فبعد ثمانية أشهر من الانتخابات نصب رئيسا للحكومة العراقية, على الرغم من نتائج صناديق الإقتراع. وهذا كان العمل الأخير الذي منح السيطرة الكاملة للشيعة في البلد وتهميش السنة الآني. كله كان جاهزا إلى خوض الحرب الثانية الأهلية الشرسة.

ومن الأخطاء الضارة التي إرتكبتها الدول الغربية كان إعتقادهم بأن تصدير الديموقراطية على الطريقة الغربية إلى العراق وأفغانستان سوف يكون المسبب للتغيرات الإجتماعية الإيجابية وبمرور الوقت التحول إلى دولة حرة. لكن الحقيقة كانت غير ذلك, لقد كان تصدير الديموقراطية مصدر إنتهاكات للإتفاقيات السياسية الإجتماعية التقليدية.

النهضة العربية في هذا العام أثبتت أن التغير الديموقراطي يجب أن يكون من الداخل وليس بواسطة القنابل تحت عنوان “عملية الحرية العراقية”.

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بلد, العراق 2006

بلد, العراق 2006

بلد, العراق 2006

بعقوبة, العراق 2007

العراق, 2006

إستيراد, لا تصدير

“الحرب ضد الإرهاب” دمر العراق وأفغانستان, لكن أيضا غير الخارطة الجيوستراتيجية. إن سياسة الإدارة الأمريكية إستطاعت إشعال التطرف في القسم الأعظم من الشعب العربي, من موريتانيا إلى أندونيسيا, والثمن الباهظ الذي دفع في حرب العراق وأفغانستان أصبح العامل الحاسم في انفجار الأزمة الإقتصادية الشاملة, هذه الحروب الظالمة كلفت الغرب قسم كبير من قدراتها للدخول إلى بلاد العالم الثالث وكثير منهم لجأوا إلى السيد المطلق, الصين, بين أشياء أخرى, الحرب ضد الإرهاب أشعل الحرب الباردة في الشرق الأوسط, ومن طرف أخر, واحد من أهدافه الأساسيين, إن جلب الديموقراطية إلى الشرق الأوسط حاز بالفشل الذريع, وعلى كل الأحوال فإن الولايات المتحدة و أوروبا وطدوا روابطهم مع معظم ديكتاتوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في شهر آزار من عام 2003, تحولت بغداد إلى نقطة الهدف لموجة من الصواريخ مزينة بالعبارة التالية “عملية تحرير العراق” والبيت الأبيض مازال يطلق الأقاويل حول محور السوء, وتصدير للديموقراطية, لكن بدلا من الحرية واجه العراق إحتلال خارجي ومن ثم حرب أهلية قاسية, ونفس الحكاية تنطبق على أفغانستان ومحاولة نشر الديموقراطية الغربية. والذين حملوا شعار الحرب على الإرهاب من أجل تحرير الشعوب المقهورة, لكن النتيجة كانت القضاء على الحريات القليلة الموجودة. إن الأعداد الهائلة من الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع في تونس والقاهرة ومنامة وصنعاء ودمشق وبنغازي من أجل مواجهة الطغاة الحاكمين وبصدور عارية مبرهنين أن تغيير المجتمع السياسي لا يحصل إلا من الداخل. و من الحيوي الفهم أن هؤلاء الطغاة يشعلون أكثر غضب الجماهير المضطهدة وبالأخص أولائك الذين كانت علاقتهم مع الدول الغربية حميمة بشكل واضح.

المتظاهرون الذين ملؤوا الشوارع في مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هم في الحقيقة دعاة للحرية والديموقراطية والسلام. هم الذين أحبطوا النظرية التطرفية للإسلام للمفقود أسامة بن لادن وهم الذين سببوا التحول الجزري للتاريخ.

هذه هي أكبر كارثة التي جلبها مصدري الديموقراطية, لم يكونوا يتخيلونها وخاصة بعد أحداث الأشهر الأخيرة, ليس من الواجب التفكير في تصدير الديموقراطية لكن في إستيرادها.


إن قتل 52 شخصا في كازينو رويال مونتيري هو أكثر الهجمات دموية في تاريخ المكسيك الحديث

الحكومة تصف الجريمة “بالارهاب” وتبرر التوسع في الاستراتيجية العسكرية برعاية من الولايات المتحدة الأمريكية

الجريمة حصلت على بعد قليل من الكيلومترات من مركز المخابرات الأمريكية الذي أنشأ في المكسيك من أجل مكافحة تجارة المخدرات

المحررون: ماخو سيسكار, هانس موسيليك و مع معلومات من أنخيل غالان (مكسيك)

ترجمة: ليلى محرم

زهور في ذكرى 52 قتيل في كازينو رويال منتيري المهاجم (AP Photo/Hans- Maximo Musielik)

المكسيك في حالة ذعر العنف ينفجر حتى في المناطق الغير مرتقبة وتزداد قساوة يوما عن يوم. يوم السبت 20 آب عرض التلفيزيون نقل مباشر لتبادل إطلاق النار في كل البلد, ومن بين القناتان الرسميتان واحدة منها كانت تبث مباراة في كرة القدم للدوري الأول عندما هاجم المجرمون الملعب و الرصاص انتصر في اللعبة. وهذا الخميس كانت جولة الروليت ضد أكثر من مئة شخص كانوا يراهنون في كازينو رويال منتيري. دخلت مجموعة من القتلة المحترفين بعد الظهر إلى المحل وفي خلال دقيقتين أضرموا فيه النار, ولاذو فرارا, حيث تحول بيت الرهان إلى جحيم, بعدها خرج الزبائن جافلين لكن 52 شخصا بينهم 39 نساء لم يستطيعوا الفرار فماتوا حرقا أو إختناقا. كان الهجوم الأكثر دموية في تاريخ البلد الحديث, حيث يتم تصفية حوالي 30 شخصا يوميا على أيدي الإجرام المنظم, دخل القتلة في ساعة الغداء لأنهم كانوا يعلمون أن المحل سوف يكون ممتلئا, معظم الناس يذهبون على هذه الساعة ليلهون بعض الوقت, كان مكانا للهو. في منتيري لم نعد نستطيع الذهاب إلى أي مكان. لا للمطاعم ولا حتى التمشي في الساحة, ولا الخروج في اليل, كانت تقص علينا ذلك إحدى الزبائن المداومة لكنها لم تذهب ذلك اليوم إلى الكازينو, قالت للجريدة المكسيكية “La Jornada“.

52 شخصا فارقو الحياة في كازينو رويال عندما أشعل النيران به ستة قتلة محترفين. وقع الهجوم عندما كان المكان مزدحما بالناس وهي ساعة الغداء, أي عندما يكون ممتلئ بربات بيوت وأشخاص مسنيين. AP Photo/Hans Maximo Musielik

إن دائرة العنف بدأت تضيق. وفي صباح اليوم التالي وجدوا جثة رجل مقطوع الرأس أمام مرافق تيليبيسا, أهم القنوات الرسمية للتلفزيون الوطني في المنطقة العليا لمدينة مكسيك, عاصمة البلد التي كانت حتى هذه الساعة المدينة الأكثر أمانا, حيث أن تجار المخدرات لم يزاولوا سياسة القتل.

في المقابل مونتيري تعيش محاصرة بدوامة من العنف منذ عدة أشهر. وبدون شك إن 52 قتيلا تتجاوز كل الحدود السابقة وتعمم الحزن والعجز “حتى هذه الساعة كان العنف ينال أفرادا من اختطافات, وجرائم إختفاء, شي يومي, لكن يبقى ضمن أسرار العائلة. أما الآن نتحدث عن هجوم عام ضد “سيدات مرفهة” كانوا في أحد مراكز التسلية وهذا ما صدم الطبقة المتوسطة من المجتمع. نفس ما حدث في مدينة خواريث, رينوسا في توريون… ونحن قد نفد صبرنا “شرح لنا بابلو بيريث من أهالي منتيري الذي يعيش في مدينة المكسيك.

بابلو قرر الخروج إلى الشارع مشاركا في تجمعاة إحتجاجية في العاصمة مكسيك في نهاية هذا الأسبوع. وأيضا حصلت نفس الاحتجاجات في مدينته ومناطق أخرى في البلد. والطلب كان نفسه في كل الأماكن “سلام” ومقابل هذه المأساة: حان الوقت لوضع خطة  استراتجية وإعادة التفكير في الأمن الفردي” يشير خيسوس روبليس معلوف مدافع عن حقوق الإنسان فيContingente MX المنظمة التي دعت إلى الاحتجاجات في المحافظة الفيديرالية. إن نظرته وإن لم تكن شاملة لاحتواء جميع مشاعر الأغلبية العظمى للمواطتببن تتناقض مع سياسة الحكومة التي لا تزال تطبق القوة, والرئيس فليبي كالديرون صنف في الحال الجريمة “الإرهاب” وأمر بنشر 3000 من الشرطة والجنود زيادة في المدينة الشمالية.

خرج المواطنون إلى الشوارع في مختلف المدن من البلد من أجل شجب الهجوم على منتيري. والعنف الذي يحصل في كل الأراضي الوطنية. Parika Benítez

وهذا ليس صدفة في هذه اللحظة بحيث أن الحكومة تنوي إصدار قانون جديد قانون الأمن الوطني الذي يهاجم مباشرة الحريات الفردية, ويمنح سلطات أكثر إلى قواة الأمن وإلى مجلس الحكومة. ولو كانت هذه سارية المفعول لكان باستطاعة الجيش الأخذ بذمام الأمور في منتيري, دخول إلى المنازل الخاصة وبدون أمر من القاضي, اعتقال أي مواطن في عرض الشارع وبشكل عشوائي وعزله خلال 24 ساعات والحصول على معلومات منه وبالطريقة الذي يجدونها مناسبة. ةبدون التقيد في الحقوق الإنسانية وفتح باب قانوني لممارسة التعذيب كما يحتصر لنا روبليس معلوف, قانون الأمن الوطني “يعطي أكثر صلاحيات إلى هؤلاء الذين برهنوا عدم جدارتهم في مكافحة تجارة المخدرات”, وفي نفس السياق تصرح الحركة من أجل السلام مع عدالة وكرامة, موجهة صوت المواطنين الناقدين للاستراتيجية العسكرية لحكومة كالديرون. ومن أجل مواجهة هذه الأعمال, المسؤولون لا يحتاجون تجاوز الحدود التي تسمح لهم وظيفتهم, فهم يملكون كل الاطار القانوني اللازم للبحث والرد بشكل رسمي على هذه الأعمال الوحشية وبدون استعمال العنف, كما يمكن الحد من العنف من دون مخالفة القانون. المكسيك يجب أن يتحول إلى دولة ديموقراطية ضمن القانون مع سياسة عامة مصممة ومطبقة بشكل جيد لتساعد على تحفيض العنف وبدون أن تتجمع في عمليات بليدة وعمياء أو في عمليات مسلحة لاعتقالات غير قانونية عند نقاط التفتش. وفي انتهاكات لحقوق الإنسان التي تزيد من العنف وعدم الأمان”. بدون شك فإن الحكومة المكسيكية تتقدم في غير اتجاه. إن تصنيف تجارة المخدرات بالارهاب هو محاذات مباشرة لنظرية الولايات المتحدة الأمريكية. وعن تصريحات لسكريتيرة الدولة للشؤون الخارجية هيلاري كلينتون التي صرحت في شهر أيلول الماضي بأن دائرة العنف المكسيكية هي “تمرد تجار المخدرات”. وهذا التصنيف يزيد من الخطورة وخاصة في الأسابيع الأخيرة بعد أن عرفنا أن الولايات المتحدة تعمل جنبا إلى جنب مع حكومة كالديرون من أجل مكافحة الجنوح المنظم.

تدخل الولايات المتحدة

الولايات المتحدة الأمريكية لها جواسيس في المكسيك, وهذا ما اعترف به المجلس الأمني في المكسيك, بعدما نشرت صحيفة نيو يورك تايمز في الولايات المتحدة الأمريكية عن وجود مركز للمخابرات داخل القاعدة العسكرية المكسيكية, ومن الصدفة أن هذا المركز يقع بجانب مطار منتيري وعلى بضع كيلومترات من مجزرة كازينو رويال. وهناك أعضاء من المخابرات الأمريكيةCIA لوكالة ضد المخدرات DEA ومجموعة من المدنيين الأمريكيين المدربين عسكريا الذين يجمعون معلومات حول الجنوح المنظم يحططون لعمليات المواجهة ويدربون الجنود والشرطة الفيديرالية وحتى أنهم يستجويون المشتبهين.

سكرتيرة دولة الولايات المتحدة الأمريكية "هيلاري كلينتون" في إحدى زياراتها إلى مونتيري عام 2009 في إطار مبادرة ميريدا. AP Photo /Eduardo Verdugo

هذه خطوة أبعد من المقررة في مبادرة ميريدا. فهي معاهدة أمن بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك موقعة عام 2008. والتي تمنح المكسيك ما يقارب 1400 مليون دولار في معدات عسكرية, تكنولوجيا واستشارات تكتيكية في الصراع ضد الإرهاب, وحسب الصحيفة اليومية “لا جورنال” فإن عملاء الولايات المتحدة يخضعون لإختبارات ثقة لكبار موظفي الحكومة المكسيكية وهذا هو الحال فإن تزايد العنف يأتي ليبرر التدخل الأجنبي وزيادة التنظيم العسكري. ينبغي أن يكون هناك تدهور في الظروف حتى فرض التعليمات الأمنية الأمريكية. لكن جنود وكلاء الولايات المتحدة يراعون السلام والأمن في بلدهم وليس للرعايا المكسيكيين. لأجل هذا نختاج إلى جنود وموظفين منهم وبهذا نستطيع طلب مسؤلبات وخلعهم إدا لم يفلحوا, يشير روبليس معلوف ويجب الأخذ بالاعتبار أن المصير الأساسي للمخدرات هو الجار الشمالي. وإن تجارة المخدرات لا تحظى في الداخل ما يرمون منها من غسل الأموال, تجارة الأسلحة. لكن كل يوم يدخل وبشكل غير شرعي ما يقارب 2000 قطعة سلاح إلى المكسيك.

هذا هو الحال –فإن وجود الأمريكيون وحده لا يكفي فقط لمكافحة الجنوح المنظم ومن أجل فهمها يجب علينا قلبها لنرى تدخلات أخرى في المنطقة, وإن مبادرة ميريدا تقترب كثيرا من خطة كولومبيا التي وضعت منذ عام 1999 القواعد الإستراتيجية لأجل القضاء على تجارة المخدرات والعصابات في البلد الكاريبي. هناك الولايات المتحدة أنفقت أكثر من6 ألاف ميليون دولار. من أجل تشكيل قواعد والدفع للمستشارين العسكريين إمدادات عسكرية, وطائرات حربية, حاملات قنابل, طائرات مروحية ومواقع للتجسس الالكتروني بنتائج سلبية , من أجل خفض قوة المافيا بينما حصلوا على تغيير المجموعات التي تضبطها. وكما ذكرت الكاتبة الكولومبية التي تعيش في المكسيك لاورا ريستريبو في مقابلة صحفية حديثة, مرت كولومبيا في ثلاثة مراحل اساسية.” الأولى لبابلو اسكوبار, مافيا عامية قوية جدا لكن هامشية تأتي من الطبقات الاجتماعية الدونيا, مع أنهم أصبحوا يملكون البلد بكاملة كانوا دائما منبوذين من الطبقات العليا. القسم الثاني, هم أصحاب الياقات البيضاء, متجسدين في كارتيل كالي, مافيا أقل وحشية على الأقل في الظاهر وهي مرتبطة أكثر مع رؤوس الأموال الممولة العالمية, أما القسم الثالث فهو تجارة المخدرات من خلال أكبر كارتيل عسكري وهي التي أطاحت اليوم بالأخرين”, إن تجارة المخدرات هي اليوم  بيد ما نسميهم كارتيليس عسكريين (مجموعات عسكرية) في شبكة اجتماعية تأسيسية وحلفاء للمجموعات المسيطرة, وكل هذا يحصل تحت نظر أكثر من800 مستشار عسكري من الولايات المتحدة منتشرون في الأراضي ومن خلال سبعة قواعد عسكرية مؤسسة في حطة كولومبيا.

وعلى مرور الأحداث فإن المقارنة بين المكسيك وكولومبيا شئ لا مفر منه بياتريث توريس من المركز الأكاديمي لذاكرة أميريكا, تقول إن الصراع مع تجار المجدرات في أمريكا اللاتينية, هي أكبر الخطوات العسكرية والسياسية من أجل تثبيت حرب دائمة والسيطرة على الحكومات والموارد في المنطقة. هذه الخبيرة تذكرنا أن الاقتصاد الجنائي الذي يجمع بين التجارة بالمخدرات وبالأشخاص والاسلحة. هو ثاني تجارة عالمية بعد تجارة البترول وفي هذا الاتجاة تشير أن الولايات المتحدة تطبق سياسة تجارة المخدرات منذ الثمانينات عندما بررت تدخلها في باناما من أجل هذه التجارة وهذه المعركة كانت تشكل الدرع الكبير الامبيريالي للتحكم في الاقتصاد والمجتمع وسياسة العسكرية في أميريكا اللاتينية منذ أن انتهت الحرب الباردة.

الإتفاقية بين الولايات المتحدة المكسيك تذهب إلى أبعد من هذا الذي أعلنوا عنه وقد سهل دخول رجال المخابرات الأميريكية إلى البلد بحجة مكافحة تجارة المخدرات. AP. Photo/ Daniel Aguilar

الوكالة الأمريكية ضد المخدرات في ويكيليكس

ونفس الولايات المتحدة تعترف في مكالمات حصل عليها عن طريق ويكيليكس. الوكالة الأمريكية ضد المخدرات DEA عندها 87 فرع في 63 بلد في أنحاء العالم, وقد تحولوا إلى وكالات للمخابرات العامة تشبه كثيرا جهاز المخابرات الأمريكية   CIA ليس فحسب مكافحة المخدرات, وهذا ما كشفت عنه التسريبات التي ذكرناها فمثلا رئيس باناما يتصل مع DEA يطلب مساعدتهم للتنصت على هواتف المعارضة. وفي ميانمار أعلم المخبرون الوكالة عن النشاطات السياسية للمعارضين ضد المجلس العسكري بينما هذه تريح االأموال الناتجة من تجارة المخدرات وهكذا أمثال كثيرة. تملك المكسيك الآن مركز للمخابرات: ويقول الحقوقي المختص في العلاقات بين المكسيك و الولايات المتحدة جون أكيرمان, أن المشكلة العظمى هي تبعية المكسيك للإستراتيجية واشنطن. وفي هذا المضمار تشترط من الحكومة المكسيكية إلغاء وبشكل فوري مبادرة ميريدا وأن تتبع النموذج المشابه الذي يطبق في الولايات المتحدة من ملاحقة قضائية في الداخل وإعطاء الأفضلية للأبحاث الجنائية الخطيرة الذي يعاني منها الشعب المكسيكي وعدم الإهتمام كثيرا بنقل المخدرات إلى الشمال.

إن الهجوم على منتيري برهن عن عجز المجتمع أمام العنف. Parika Benítez

وبدون شك فإن المسؤولين يتبعون الإستراتيجية العسكرية وإن الحكومة المكسيكية أعلنت أن المرحلة القادمة لمبادرة ميريدا سوف تجهز شرطة محلية حيث أن الولايات المتحدة دربوا حوالي 4500 من رجال الشرطة الوطنية ومن الجنود, إن القوات الفيديرالية يلقون القبض على المجرمين. أتركونا نقوم بعملنا, دعوا جانبا الخساسة السياسية والمنافع التي ترمي إلى وقف عمل القوات الفيديرالية : كرر ذلك الرئيس كالديرون بعد الهجوم على منتيري, ومع ذلك فأن هذه القوات لا تستطيع وقف زيادة العنف, وفي السنوات الأخيرة وصل عدد الضحايا إلى 40000 قتيل حسب مصادر رسمية. وإن أخر الضحايا, لا يزالوا في التوابيت في منطقة منتيري بينما عائلاتهم يخرجون إلى الشوارع ليقول “هذا يكفي”.

كازينو رويال

صور من Hans Musielik

لويس كاراسكو, "El Chihuas" من كارتيل "لوس ثيتاس" الذي قبض عليه بسبب الهجوم على كازينو رويال.

احد عضاء الكارتيل لوس ثيتاس الذي قبض عليه مع أربعة متواطئين في الهجوم على الكازينو رويال


Video streaming by Ustream


مئات الألوف من العراقيين اللاجئين في سورية يرقبون عاجزين العمليات العسكرية ضد المدنيين

شهود استثنائيين للأحداث, يشكون بين الدعم للشعب أو الخوف من الطرد إلى بغداد, حيث يخافون من الانتقام

كثير منهم يفضلون الفرار ولكن لا يوجد مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو العراقيين التي تتطلب تأشيرة دخول في كل الشرق الأوسط

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

المغتربون السوريون يومئون برفع العلم الوطني السوري خلال المظاهرة التي نظمتها القبائل الأردنية تضامنا مع الشعب السوري في مدينة المفرق,بالقرب من الحدود الأردنية السورية, الجمعة 19, آب, 2011.AP Photo/Nader Daoud

لا أحد يعرف من الفاعل ولكن في حي القدسية, الملقب بالعراق الصغير في دمشق بسبب العدد الكبير من الالجئين الذين يعيشون في شوارعه منذ عام 2005, اللافتة القديمة التي تحمل الجملة “العراقيون معك, يا بشار الأسد” قد مزقت قبل بضعة أيام. الآن بقي منها قصاصات قماش معلنة عن نواياهم,خرقات متدلية ترمز إلى التدهور في العلاقة الجيدة التي بنيت منذ ستوات بين النظام والمجتمع العراقي, الذي استقبل من طرف سوريا بأذرع مفتوحة, على عكس بقية العالم.

الناس لا يتكلمون عنها بصوت عالي ولكن العلاقة تمر بأزمة على رغم أن العراقيين يشكرون النظام على المساعدة المقدمة لهم لإنقاذهم من الحرب الأهلية. الضحايا العشوائية من المدنيين السوريين لا تترك مجالا لأحد أن يتجاهلها. ولا حتى في القدسية, حيث أن سكانها يعرفون جيدا ما معنى الديكتاتورية الشنيعة وسقوط القنابل فوق رؤوسهم.

في مساجدهم, الجملة المشهورة التي كانوا يقولنها خلال الصلاة “الله يحفظ الرئيس بشار”لم يعد ينطق بها الأئمة اليوم وكثيرون منهم غير لهجة الخطاب. ” يوم الجمعة الماضي, نقد الإمام النظام بشكل واضح عندما قال:” نحن في رمضان ورمضان هو شهر الرحمة. ولكن النظام ليس عنده أي رحمة في مدينة حماة”. عندها صرخ شاب “الله أكبر”. الإمام رجاه عدم التحريض داخل المسجد و أن ينتظر الخروج منه”, شرح أبو محمد, لاجئ عراقي مقيم في القدسية.

الكبح الموجود في داخل الجامع ليس معناه الضبط في خارجه. ففي اليوم الأول من رمضان, 1 من آب, عاش الجامع العمري في حي القدسية احتجاجات, بسبب الشهر الفضيل, أصبح حدثا يوميا. قبل ذلك,كان الذين يتواعدون في يوم الجمعة لا يصلون إلى خمسين شخص,لكن اليوم 1 من آب بلغوا 150 شاب بين 17 و24 عاما, كلهم سوريون, تجمعوا, و بدلا من الذهاب كالعادة إلى البازار –منطقة يصعب على رجال الأمن دخولها- توجهوا نحو أقرب مقر للبلدية , معرضين انفسهم للمراقبة من قبل الأمن .

كان مزيج من الشجاعة بين التحدي والانتحار. ” كان يوجد سيارات شرطة عليها صور لبشار, ولكن الشرطة كان يظهر عليهم الاضطراب, ومن الواضح أنهم كانوا يفضلون لو لم يكونوا هناك”. ذهبت الشرطة أخيرا وتركت المتظاهرين وحدهم و كانوا يصرخون “حرية”. وكم كان عاليا الصوت. “الله, حرية وبس– صرخوا. أيضا “بالروح, بالدم, نفديك يا حماة”. كان أهالي الحي ينظرون إليهم متهامسين. احد العراقيين قال: “إنهم حقا شجعان ويتستحقون النصر”. كانت امرأتان تشتريان خضروات في أحد المحلات وتشيران إليهم بقلق. ” ماذا يريدون؟ أن يحصل لنا ما حدث في العراق؟”. ولكن منذ ذلك اليوم كنا ننتظر كانوا المتظاهرين, كل يوم, في نفس الوقت. بعض العائلات باركتهم بقذفهم بالمياه من الشرفات عندما يصرخون “مافي ناموس إللي ما بشارك”.

لا يسمح النظام الدخول إلى سورية لأي صحفي أجنبي عندما يصرح عن هويته. الدكتاتورية لا تمنح تأشيرات دخول وهي دقيقة جدا لمنع دخول صحفيين عن طريق غير قانوني. ولكن أي مواطن عراقي بإمكانه الدخول إلى البلد الجار وبشكل قانوني وعادي, ولقد إحتضنت سورية حوالي مليونان من اللاجئين خلال الأحداث الأخيرة وتتابع ايواء وحماية مئات الألوف. كثير منهم يقيمون في سورية, وآخرون يزرونها كل صيف حتى يلتقون بعائلاتهم هناك.

أبو محمد واحد منهم, ولكن هو ليس أي عراقي. فهو كان مترجمي, وحاميني, مساعدي وموضع ثقتي خلال السنوات الصعبة في بعداد, وخلال الأشهر الأخيرة من نظام صدام حسين, الغزو, الحرب ضد الاحتلال وجانب من الصراع المدني, حتى الاختطافات, التعذيب والتهديد بالقتل جعلوه ينتقل مع عائلته إلى دمشق. هناك تابعنا العمل معا خلال سنوات, عندما كان النظام يسمح بدخول الصحافة و بدون خوف, حتى أبو محمد –الذي يحفي هويته الحقيقية لتجنب الاعمال الانتقامية, مثل كل الذين يعملون في هذا التقرير- هذا وقد قبل طلبه للجوء إلى إحدى الدول الأوروبية حيث, بعد تعلم اللغة, انتهى به المطاف للعمل كصحفي في جريدة يومية محلية.

رجع أبو محمد إلى سوريا هذا الصيف مثل كل سنة, فوجد بلدا مختلفا عن ما يعرفه, في حالة من التوتر, يكافح ضد كميات كبيرة من الدعاية وقمع لم يسبق له مثيل في بلد كان دائما مميزا بوجود أجهزة المخابرات. وخلال أسابيع حصل على معلومات و أجرى مقابلات مع اللاجئين كان قد كلف بها من قبل الصحافة الإنسانية لمساعدتنا تفهم دور العراقيين, ولكنه حضر أيضا بعض الاحتجاجات و عانى القيود في الاتصالات و الحملة الإعلامية المكثفة للنظام. النتيجة هي حكاية غير عادية عن الوضع في بلد بشار الأسد, محاصر من قبل نفس شعبه.

“إن العراقيون يشعرون بالخوف. كثير منهم يفكرون جدييا في الخروج من البلد وكثيرون منهم لم يأتوا هذه السنة من العراق, على رغم أنه مقصد طبيعي لقضاء الصيف فيه, عندما ترتفع درجة الحرارة في بغداد نأتي لزيارة الأهل و الأصدقاء في سوريا. إن أسعار الايجارات  للبيوت منخفضة الآن, و يوجد بيوت كثيرة حالية” يشرح لنا, موضحا إنه منذ بضع سنوات كان من المفروض دفع 1000 دولار أجرة غرفة واحدة في القدسية: لأن الطلب كان عاليا. ولأن كثير من العراقيين ليس لديهم مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو اللاجئين –الذين يحتاجون تأشيرات دخول في كل المنطقة- بينهم أعضاء كثيرة من المقاومة مطلوبون في العراق.

وهذا هو حال سالم من الميليشيا العراقية منذ عام 2008 يعيش في دمشق . وصل مع زوجته لقضاء عطلتهم الصيفية عندما أخبروه أن الجيش الأمريكي يسأل عنه في بغداد. لم يرجع إلى البلد أبدا. “الحكومة السورية ضغطت علينا لمعرفة موقفنا تجاه ما يجري من الأحداث, ولا نعرف ماذا نقول. ومن الصعب معرفة  إذا كان هذا النظام سيتحمل أو سيسقط, و في الحقيقة نحن الذين نعيش هنا كلنا فارين من العراق. يجب علينا أن نتجنب أي تدخل في نشطات ضد النظام, لأنه من المحتمل أن يسلمونا إلى بلدنا انتقاما منا, و هذا يعني الموت.

و هذا نفس ما يفكر به عبد الله, صحفي عراقي  يعيش منذ خمسة سنوات في دمشق. قد سجن في العراق وهو مهدد بالقتل في وطنه الذي ولد فيه. “كل شيء ممكن. إذا النظام (العلوي الشيعي, المقرب من طهران) يفقد السيطرة ويحتاج إلى قوات أكثر, يمكن أن يطلب مساعدة المليشيات العراقية مرطبتة مع إيران كقوات بدر, جيش المهدي أو أهل عصب الحق. احتمال آحر أن النظام يسلم العراقيين الموجودين هنا. نسمع الأخبار بقلق عن المساعدة التي تمنحها إيران إلى سورية, 6.000 مليون دولار (في الحقيقة, هو عقد الغاز قيمته 10.000 مليون, وقع بين العراق, سوريا و إيران) و المساعدة التي تقدمها بغداد إلى دمشق, لأن الثمن الذي سيدفع ليس فقط الدعم السياسي إنما تسليم العراقيين المطلوبين (كعسكريين سابقيين أو أعضاء لاجئين من حزب البعث). احتمال آخر هو ضغط النظام على أفراد الجيش العراقي السابق لرد المعروف بالمساعدة في خبرتهم, تحت التهديد بترحيلهم”.

و الخوف الذي يرتاب منهم العراقيين ليس فقط فقدان الوضع الراهن الذي هم يستمتعون به الآن. لديهم خوف أن يصبحوا أداة تستعمل لصالح أو ضد النظام, و أن يكونوا غارقين في حرب أهلية أخرى كما عانوا منها في بلدهم مع مئات الألوف من الضحايا, حتى تغيير في النظام و تسليم السلطة إلى زعماء متعاطفين مع الأمريكيين منهين بهذه الطريقة الحملة ضد المقاومة التي أفشلتها سوريا باستضافتها للمتشددين.لكن حسب الأدلة التي تم جمعها إن أغلب العراقيين وبشكل خاص الذين يعيشون في المناطق, الأكثر تضررا من القمع, لا يتعاطفون مع النظام.

أبو محمد يتحدث مع ثلاثة إخوة عراقيين يعيشون في حمص, وصلوا إلي دمشق لزيارة عائلاتهم. لجأوا في عام 2006, بعد سنة من قتل الميليشيات والده من أصل سوري في النزاع الأهلي. “في حمص المظاهرات قوية جدا. المتظاهرون يتحكمون غالبا على الشوارع. وضد ما يقولون, لا يوجد سلفيين ولا أجانب. كلهم سوريون, ومن حمص. “نحن العراقيون لا نشارك معهم لأننا لسنا سوريين, و لأن النظام سلم خمسة عراقيين كانوا قد انضموا إلى المظاهرة. الآن نحن نبقى في البيت كل الوقت,  نخرج فقط لشراء الطعام. وإن التجربة التي حصلو عليها من الغزو والحرب الأهلية نفعتهم بحمايتهم من الاستغلال. “نحن نتخذ احتياطاتنا لتخبئة أموالنا والأشياء الثمينة حتى لا تسرقها منا الشرطة عندما يدخلون إلى البيت للتفتيش”.

سالم, المقاتل الذي ذكرناه سابقا, يفعل نفس الشيء للاحتياط. “منذ أيام, كان يوجد احتجاجات في الحي. وبما أن شقتي تقع أمام الجامع, استطعنا أن نشاهد كل ما يحدث من شرفتنا. الشرطة و الشبيحة (ميليشيات النظام)كانوا يدخلون إلى البيوت ويخرجون ومعهم أشياء مثل هواتف محمولة ونقود. ومنذ فترة سرقت الشرطة نقودا كثيرة من أحد أصدقائنا العراقيين بعد مداهمة منزله.

ودورهم كشهود استثنائيين حول الاضطرابات الاجتماعية التي تمتد في كل سوريا. عمر عراقي يقيم في حماة منذ عام 2006, عندما هرب من العراق. متوجها إلى دمشق منذ عدة أسابيع وعندما أراد الرجوع كان الوقت متأخرا, حيث كانت المداخل مقطوعة من قبل قوات الأمن. “في حماة الناس لا تشعر بالخوف من الحكومة. المدينة توجد تحت سيطرة اتحاد التنسيقيات المحلية. إن المتظاهرين يشعرون بالفخر لأنهم  أبناء و أحفاد شهداء حماة (من القمع عام 1982 عندما قتلوا بين 10.000 و20.000 شخص, حسب التقديرات) و من هنا تنبع قوتهم عند وقت التظاهر”. ويقال أن أول مظاهرة عظيمة جمعت حوالي 400.000 شخص في الشوارع والنظام قابلها بمظاهرة كبيرة لصالح النظام معظمهم من الشبيحة, موظفون حزب البعث وأفراد الأمن. “هم حرقوا سيارات و أبنية. مسببين أضرار, وبعدها التقطوا صورا لعرضها على شاشة التلفاز ليتهمون المتظاهرين الذين يطالبون بالحرية. ولكن مظاهراتهم كلها سلمية.

حسب عمر, إن النظام الدكتاتوري ارتكب مجازر في حماة. “وأنا بنفسي حملت جرحى إلى المستشفيات. وقد شاهدت كثير من الضحايا, عشرات القتلى… المتظاهرين لا يحملون السلاح, فقط يحملون بعض السكاكين, للدفاع عن أنفسهم.  وليسوا بسلفيين, و في الحقيقة يوجد بينهم إخوان مسلمون وقول النظام أنهم سلفيون دعاية كاذبة.” حسب فهم هذا الشاهد, في حماة لايوجد الآن صور أو تماثيل لعائلة الأسد. ولا حتى الشرطة و لا الجيش, متجمعين خارج المدينة في انتظار الغزو الذي حصل أخيرا منذ أيام بسبب بداية رمضان.

والشيء الجديد والهام الذي حصل في سوريا الثورة والقمع هو فقدان الخوف الذي كان مهيمنا على الشعب السوري بالنسبةإلى أبو محمد. “إن جدار الخوف قد وقع. عندما وصلنا إلى سورية, منذ خمسة سنوات, لا أحد كان ينتقد النظام. الأن حتى سائقي التكسي صاروا يتكلمون عن الثورة وينتقدون الدكتاتورية. أحد الأيام,كنت مع سائق تاكسي يبلغ 60 عام قال إنه كان يعيش في داريا, على مشارف دمشق. حسب ما قاله, أن المظاهرات في الحي الذي يعيش فيه شارك حوالي 10.000 شخص.ويتابع: لم يبقى صور ولا تماثيل للأسد, ويعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون انشقاق الجيش ضد النظام, بدعم من علماء السنة. ” بشار أحمق, هو ليس ذكي كوالده. في الثمانينات, عندما كان رفعت الأسد (شقيق الرئيس) يبدأ حملة ضد الحجاب و كان رجاله ينزعون الحجاب في الشوارع, حافظ اوقفه و خلال بضعة ساعات كان يطلب المعذرة من الشعب. لكن بشار,ليس فقط يرتكب الجرائم ولا يشعر بالندم بعده ويتابع التهديد بالمزيد.

ساعد على ذلك حقيقة النظام والمحاصرة المطبقة عليه, وتكون ردة فعله مثل حيوان جريح على وشك الموت, يقوم بالعض مسببا في كل مرة أكثر معارضة. “أمس, في منتصف الليل, عند عودة أمي وأختي إلى البيت بعد تناول الإفطار, وجدوا مجموعة من الشباب, لا يتجاوزون العشرة, متجمعين مقابل بناية سيرياتيل (شركة هاتف في القدسية) وفي الحال ظهرت مجموعة من قوات الأمن في اللباس المدني, وهاجموا الشباب بمسدسات كهربائية وأدخلوهم إلى الحافلات, يتابع أبو محمد.

مثله مثل كل العراقيين فهو يتابع الثورة بايدي مربوطة لا نستطيع المشاركة ولا اعطاء أية معلومات لأنه يجازف بالطرد أو شيئا اسوأ من ذلك, ومن أجل الحصول على معلومات أو الاتصال مع العالم الخارجي يتصرف مثل السوريون. حيث يلجأ إلى مقهى الانترنت الذي تربطه بصاحبها صداقة –حيث يقوم بفتح له الصفحات المقفلة من جانب النظام- ويتركه يبحر في الشبكات الاجتماعية من أجل تعليق صور أو فيديو مأخوذة خلسة.” فقط يأتون مستعملين موثوق منهم, يسألون عن فيسبوك والمالك يقوم بتعيين حاسوب لهم, يقومون بعدها بإرسال رابط من المكتب يسمح بالدخول إلى الشبكة الاجتماعية”. ويذهب إلى بيوت يوجد فيها أطباق للأقمار الصناعية لمشاهدة قنوات عالمية مثل الجزيرة, العربية ويستعمل الهاتف للاتصال بأصدقائه المنتشرين في أماكن مختلفة في كل سوريا و لجمع المعلومات. وهذا ما يفعله السوريون أيضا, بواسطة الأقمار الصناعية ومعلومات مباشرة تسهلها لهم عائلاتهم وأصدقائهم في مدن أخرى”, خلال الليل الاتصالات معقدة جدا. وفي ساعة المظاهرات الشبكات التلفونية تتوقف عن العمل”, يشرح.

العراقيون يتقاسمون الخوف وعدم الاستقرار السياسي وأيضا حرب أهلية في سوريا التي تقترب يوما بعد يوم. لكن سائق التاكسي المذكور عبر عن تفاؤله “سوريا لن تكون مثل العراق, السنيون هنا أغلبية ونحن نعلم جيدا ما حصل في العراق ولن نسمح أن يجري ما حصل هناك”. ولكن الحقيقة أن بشار الأسد ليس فقط يحرك الصراع الطائفي ليحتفظ بالسلطة, بل يهدد بحرب اقليمية تحرق كل الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن كابوس العراقيين والسوريين وبقية العرب ما هو إلا في أول البداية.


بعد خطاب الأسد الذي مدح فيه الجيش السوري الإلكتروني, أنونيموس دخل في (صراع عبر انترنيت) من أجل الديموقراطية.


“حتى الآن هم بعيدون عن الجدية يكتفون بالشتائم والتهديدات” يؤكد لنا الناشط السوري رامي نكهلي في إشارة إلى EES

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

مسيرة لصالح النظام في قنيطرة في جنوب دمشق(AP/SANA)

رامي نكهلي 28 عاما, يعرف جيدا الجيش السوري الإلكتروني, لأنه كان واحدا من أهدافهم, هذا السوري القادم من قرية درزية في السويداء, طالب في العلوم السياسية حتى الشهر الماضي (كانون الثاني) عندما غادر بلاده لاجئا إلى لبنان, كان خلال ثلاث سنوات ملاذ عمران الإسم المستعار والذي كان يملك 6.600 شخص متابع في فيسبوك و4000 في تويتر وما زال يستعمل هذا الإسم المستعار مع أن النظام إكتشف حديثا هويته الحقيقية, وهو عضو مؤسس وناطق رسمي للجان التنسيق المحلي التي تقف وراء الإختجاجات على الواقع, وفي نظر أتباع بشار الأسد فان رامي يمثل جميع المتظاهرين الذين يحاولون إسقاط النظام.

“وفي إحدى المرات علقوا في صفحتي فيسبوك هذا التهديد: إذا تابعت الكلام “سوف تعتقل هذه الليلة شقيقتك”يشرح لنا اليوم من مخبأه في لبنان. وهذا ما أوقفه خلال عدة أيام, وعندما وجد أنه لم يحصل شيء من هذا تابع نشاطه في وقت لاحق.” هم بعيدون عن الجدية, يكتفون بالشتائم, والتهديدات, نخشى أن ينظموا أفعالهم على أرض الواقع, لأن زعيمهم يهدد بالموت عائلات الناشطين”.

وتاريخ نكحلي حافل بالضغوط التي مارستها ضده المخابرات السرية السورية. وبعد جريمة قتل تعرضت لها صديقة له وهي (جريمة شرف) وقلة العدالة حيث حكم على القاتل ستة أشهر سجن فقط. عندها تحول رامي إلى ناشط في المرصد السوري لحقوق النساء وهي منظمة خيرية لا حكومية مثلها مثل أية منظمة أخرى في هذه الديكتاتورية العربية ومن خلال دراسته في جامعة العلوم السياسية إكتسب رامي خبرة في مجال النشاطات وعبر شخصيته ملاذ أومران, وهذا الأخير هو اسم أخيه, لكنه أيضا جلب اهتمام المخابرات.

و قد استجوب حوالي 40 مرة في عام 2010 و في تلك اللقاءات الكريهة لاحظ عدم وجود خبرة في الانترنت من قبل المخبيرين, وكانوا يسألونني عن كيفية دخولي إلى فيسبوك وكنت أجيبهم بواسطة Google Proxi, فجاوبوني “إذا يجب علينا منع Google” وهي أول مرة يسمعون بـGoogle على ما أظن. وانتهى به المطاف إلى اللجوء إلى لبنان بعد دفع 500 دولار للخروج من سورية بشكل غير قانوني.

حسب رامي, إن الدورات المكثفة للكمبيوتر التي يتلقاها أفراد المخابرات بقيت عاجزة عن الوصول إلى مستوى الثورة الحالية. “عندما يعتقلون متظاهرين يطلبون منهم كتابة بريدهم الالكتروني في ورقة وعندما يفعله هؤلاء يغضبون منهم. “اكتبه باللغة العربية وليس بالانكليزية” يشرح لنا رامي ضاحكا. إن الصفحات المحرفة من قبل الجيش السوري الالكتروني EES عادة تكون غير تابعة لمجموعات سياسية, لكن غالبا لشركات خاصة أو مؤسسات رسمية وبدون أي دور فعال في الأحداث السورية. لكن وبدون شك إن المبادرة التي قام بها  EES والحديث الفحري الذي تحدث عنه الرئيس جلب ردة فعل عدو مخيف وهو أنونيموس.

لقطة من الرسالة التي وجهها أنونيموس إلى الرئيس السوري.

“تهانينا, سيد أسد لقد حصلت أخيرا على انتباه أنونيموس”. هذا ما نقرأه في أخر تعليق على صفحته ويب.

نكهلي أكد أن مجتمع الانترنت إتصل مع الناشطين السوريون الالكترونيون من أجل مقاطعة النظام على طريقتهم الخاصة وكانت نتيجة هذا التعاون بين الطرفين تحريف 92 صفحة متعلقة بالنظام “وهذا لم يساعد كثيرا”, يقول الناشط. “في احدى المرات استطاعوا الدخول على صفحة ويب لوكالة الأخبار الرسمية سانا وغيروا المحتويات بأخبار توافق وجهة نظر المعارضة”, يتذكر. ومنذ عشرة أيام استولت احدى التنظيمات “اتحاد قراصنة السوريين الأحرار” على خدمات البريد السوري معلنة فيها  عن سقوط بشار الأسد الوشيك.

“فيسبوك تحول إلى المنصة الوحيدة القادرة على جمع عشرات الألوف من الأشخاص في كل البلد, يقول نكهلي وبدون هذه الشبكة الاجتماعية لا يمكن التفاهم بين لجان التنسيق المحلية, جوهر الاحتجاجات, وقناة للمعلومات التي تعلق فيديو وصور لهذه الاحتجاجات في You Tube و Flirk حتى تعوض غياب الصحافة الحرة الممنوعة من قبل النظام.”بدأنا بعشرة من الأصدقاء المعروفين, كنا نتشارك بالخوف وإرادة التغيير ونحن نعمل منذ 5 سنوات في مجال النشاط. كنا نفكر أن هذا سيحصل خلال 20 عاما وليس الآن, عندما بدأت الاحتجاجات أول ما فكرنا به هو حاجتنا إلى صحافة حرة حتى لا يقتلوننا ويفلتون من العقاب, لأن سورية تمنع دخول كل وسائل الاتصال الحرة. فتحولنا إلى صحفيين.”

YouTube Preview Image

من تلك المجموعة الصغيرة أصبحنا مئات من المجموعات الصغيرة منشورة في أنحاء البلد. لا يعرفون بعضهم, يلتقون في مواقع الدردشة على انترنت ويتواصلون كل 24 ساعة لتبادل المعلومات. يسجلون كل ما يجري بالهاتف المحمول غير مبالين بأنهم هدف الجنود (القناصة).”كل واحد مسؤول عن المعلومات المحلية. يتصلون بجيرانهم ومعارفهم حتى يتأكدوا  من الذي يجري. ومصادرنا هي من نشطاء, محامون, صحفيون, أساتذة, إنسانيون… والمصادر الأولية الموثوق منها, وهذه الشبكة للاتصال انتشرت حتى وصلت إلى وسائل الإعلام”. في شهر آذار كان يوجد فقط لجان تنظيم في أربعة مدن سورية وفي شهر نيسان وصل إلى 40 مكان في البلد. مما أدى إلى وضع لجنة وطنية في اليوم الثاني من شهر مايو (أيار) لتنسيق ووضع صوت واحد يعبر عن الجميع.]

انترنيت عالمه وفيسبوك وطنه. البعض يخاف أن يستطيع النظام فتح هذه الشبكة الاجتماعية وتحري هويات الناشطين والوصول إليهم لتمارس القمع ضدهم ولكن بدون هذه الشبكة الإجتماعية الذي يحصل في سورية لا يمكن تصوره. فهو ليس سهل عليهم, حسب صحفيون بدون حدود, سورية هي واحدة من العشرة الاساسيين المعادية لانترنت. كثير من الصفحات محاصرة أو ممنوعة و الاعتقالات في مقاهي الانترنت شيء عادي, لكن ولا أي ناشط يجازف باستعمال هذه الأماكن لنشر فيديو أو رأي. وكثيرون لا يستعملون حتى حاسوبهم الخاص, سهل المراقبة. “ومنذ استطاعة استعمال وتنزيل فيسبوك على جهاز الهاتف المحمول, لا أحد يستعمل الحاسوب”, يشرح لنا نكهلي. “أي كان عنده هاتف محمول يستطيع بواسطته تسجيل ونشر كل ما يجري”.


وسائل التواصل الاجتماعي تتحول إلى ساحة معركة بين مؤيدو النظام السوري ومؤيدو الديموقراطية


الجيش السوري الالكتروني مؤيد قوي للنظام ويعتمد على عشرات الألاف من الأعضاء الفعالة

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

مشاهد فيديو لمواطن سوري خلال المذبحة التي قام بها جيش بشار الأسد في مدينة حماة السورية حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان والذي أكد مقتل أكثر من 90 شهيدا وعشرات الجرحى.

كان الوضع المعتاد في اوقات الثورة والخوف: نقطة تفتيش عسكرية, بعض الجنود يتعرضون للحافلات من أجل تفتيشها بحثا عن أسلحة أو ناشطون ,وهنا حافلة أخرى فيها شابان سوريان يمتلكهم الرعب من احتمال اعتقالهما.

– ماذا تحملون في السيارة؟

– لا شيء, لا شيء.

– أكيد؟ لا تحملون فيز بوك في حقيبة السيارة؟

عندها تحولت وجوه الشابان من الخوف والريبة إلى الذهول الكامل, يقص علينا رامي نقلي وهو يلتوي من الضحك.”لا يعرفون ولا حتى ما هو فيزبوك لكنهم سمعوا أنه شيئ سيئ جدا و يجب عليهم السؤال”, يشرح لنا هذا بين قهقهات من منزله في بيروت, شقة متواضعة حيث تجد منفضة السجائر مليئة, وترمس القهوة جاهز في أي وقت.

جنود سوريون يراقبون الطريق, هذه الصورة التقطها مواطن في منتصف شهر أيار (مايو)(AP)

هذه هي واحدة من اللحظات النادرة من الاسترخاء في المحادثة مع من يعتبر الناطق العام للناشطين الإلكترونيون السوريون المؤسسون للثورة ضد بشار الأسد. واحد من الأسباب الموضحة للتناقض الذي يعاني منه النظام وحربه ضد إنترنت, و هو السلاح الوحيد في أيدي الشعب الأعزل.

وعلى الرغم من القمع الالكتروني الذي بدأه النظام –مع أنه يعاني بعض النقص نظرا “للنقص التقني”, كما يصفه رامي, من دكتاتورية منعزلة خلال خمسة عقود- فيزبوك تحول إلى ساحة معركة في الثورة السورية, 30 مجموعة يدافعون عن الرئيس, وحوالي 20 مجموعة أخرى يدعون إلى الثورة ضد بشار الأسد: منها مجموعات مهمة مثل “الثورة السورية 2011” منبع المعلومات التي تنظم الإحتجاجات, أو لجان التنسيق المحلية, المحرك الفعلي للإحتجاجات.

في بداية السنة وقبل اندلاع الثورة,فتح النظام مفاجأة الدخول إلى فيزبوك الذي منع حتى ذلك الحين, السوريون دخلوا على هذه الوسيلة الاجتماعية. وبعد شهرين, عندما كان القمع للمظاهرات المترددة و اعتقال مجموعة من الشباب من درعا بسبب كتابتهم على الجدران ضد الديكتاتورية سببت المظاهرات الأولى,حينها تحول فيزبوك إلى أداة أساسية لتنظيم الاحتجاجات.

المعارض السوري رامي نقلي, في شقته في بيروت. (Mónica G. Prieto)

لم يكن هناك أي وسيلة أخرى آمنة للقيام بذلك في بلد نظم تنظيما عسكريا: قال هذا الكاتب والصحفي ألان جورج في كتابه ” سورية بدون خبز ولا حرية”, وقد أحصى عدد أفراد المخابرات الذي يصل إلى 65.000 موظف هذا بالإضافة إلى مئات الألوف من المساعدين بدوام جزئي ومخبرين مؤقتين. “في بلد من16.7 مليون نسمة (احصائيات 2001) يوجد شرطي سري متفرغ تماما لهذا العمل لكل 257 سوري. وإذا أحصينا فقط البالغين من العمر, يوجد شرطي لكل 153 بالغ”.

أن الميزة الوحيدة التي يتمتع بها المتظاهرون هو جهل المخابرات العمل في إنترنيت أو وسائل التواصل الإجتماعية, على الأقل في الوقت الخاضر. ولما وجد النظام الخطر من هذه الوسائل الجديدة, بدأ في حرب هذه الوسائل وبواسطة نفس السلاح المستعمل وجند الميليشيات, الجيش الإلكتروني السوري(EES) أنها ميليشيا الكترونية فوضها النظام لشن المعركة التي تحصل في وسائل التواصل الاجتماعية وهي مسؤولة عن” الهجوم على مواقع ويب التابعة للمتظاهرين وفيزبوك”  كما شرح لنا أهيد الهندي, منسق الاحتجاجات في Cyberdissidents.org تصريحاته  لـAFP , “إن كثير من هذه التعليقات هي تهديد بالموت واتهامات بالخيانة”.

وهم يحاولون نزع الشرعية عن الناشطين وتقديم وجهة نظر أخرى للأحداث في سورية وبأن النظام هو ضحية مؤامرة خارجية, هدفه قتل الجنود من طرف مدنين مسلحين ممولين من الخارج وقد تم التلاعب بالمحتجين من قبل قوى أجنبية ترمي إلى سقوط دمشق, كما حدث في بعداد.

صورة يستعملها الجيش السوري الالكتروني في فيزبوك

في صفحته, الجيش السوري الالكتروني يصف نفسه بالبطولية: “إذا من نحن؟ وما هي قضيتنا؟ نحن مجموعة من الشباب السوريون المتحمسون الذين لا يستطيعون الوقوف مكتوفي الأيادي أمام هذا التشويه الضخم للحقائق حول الأحداث في سورية, وهذا التشويه ينجزونه عبر صفحات كثيرة في فيز بوك, ويعملون متعمدين على نشر الكراهية والتعصب الطائفي بين أفراد الشعب السوري وبهذا يحرضون على الثورة”.

“إن المسؤولين عن (جماعة) الثورة السورية اعتمدوا على فيزبوك كوسيلة إتصال لنشر أفكارهم المخربة (…) ومن هنا الحاجة إلى الجيش السوري الالكتروني لوقف هذه الخطط القاتمة ضد بلدنا الحبيب. سنخاربهم بنفس أسلحتهم. هذه هي الفكرة التي اعطت حياة لهذا الجيش”.

محمد مرعي “هو عضو فخور في هذا الجيش”, حسب ما اعترف لنا في محادثة الكترونية مع الصحافة الإنسانية. هذا السوري الذي يقيم في اللاذقية يشرح, هي “مجموعة من السوريون الذين يعشقون بلدهم, لقد رأينا الحملات الإعلامية المضللة, لذلك قررنا نشر حقائق ما يجري في سورية, نحن لسنا “هاكيرز”, فقط نروي في مواقع الاتصال فيزبوك شارحين حقيقة ما يجري من الأحداث. عندما نقرأ أقوال خاطئة في أي صفحة فيزبوك, نرد عليهم بالحقائق مبرهنين بهذا حبنا إلى سورية وحبنا العظيم لبشار الأسد”.

وكثيرون على ما يبدو يشاركونه وجهة نظره, بعد قليل من الأيام من تشكيل هذه المجموعة في فيزبوك بلغ عدد أتباعه 60.000, حسب قولهم. “مختلف الشكاوي التي وصلت من المستخدمين سببت اغلاق هذا الموقع, لكنهم يتابعون فتح مواقع مرة بعد أخرى”, يتابع نقلي, وهو في نفس الوقت يشك بحسن نيات هذه المجموعة التابعة للنظام. “هؤلاء القتلة يضربون المتظاهرون في النهار وهم نفسهم من يجندوهم من أجل مضايقة الناشطين الالكترونيون في الليل”.

في صفحته على انترنيت, الحيش السوري الالكتروني يؤكد أن فيزبوك أغلق صفحته في 22 مرة, لكن هذا لا بمنع تعميم الطبعة الألف منها, مفتوحة في 21 حزيران. مرعي مع صورة للرئيس السوري كصورة جانبية, هو أحد أعضاء هذه المجموعة فيزبوك مؤيدة للأسد. ويوجد الكثيرون مثل بشار الأسد يضم 196.000 متابع, وأخرين أقل عددا مثل “إخرس أباما, نحن نحب بشار (12.000)” وأنواع أخرى مثل” إخرس ساركوسي, نحن نحب بشار” أو الدراماتيكي “نحن نموت فداء الرئيس”. لكن مؤيدي المتظاهرين ليسوا أقل منهم. الثورة السورية 2011 تشمل234.000  متابع: وهذا ما يعكس الانقسام الاجتماعي الموجود في البلد مما يبعث الخوف من حرب أهلية.

مشاهد من صفحة أسرائيلية محرفة من قبل الجيش السوري الالكتروني. (InfoWar Monitor)

رامي نقلي ومحمد مرعي آرائهم متناقضة تماما حول ما يحدث في سورية. الأول يقول أن الشعب السوري يُقتل فقط لأنه يطالب باصلاحات ديموقراطية, بينما يقول الثاني أنها مؤامرة عالمية سلحت المجرمين بقناع الاحتجاجات وهو في الحقيقة محاولة لتغير النظام. “عندما بدأت الأحداث كثير من الناس انضموا إلى الاحتجاجات بمطالب شرعية”, يعبر مرعي. “في درعا كانوا يريدون تغيير المحافظ, وممثل الشعب الذي هو الرئيس وافق على هذه المطالب الشرعية. لكن المعارضة الموجودة خارج سورية يريدون إستغلال هذه المطالب لمصالحهم الشخصية, يريدون الحصول على الحكم بأي ثمن. لهذا يؤيدون المظاهرات, يسمحون بدخول السلاح ويجلبون المجرمين لأجل مهاجمة المتظاهرين ليقولوا بعدها أن قوات الأمن هي التي قتلت الناس”, يشرح لنا هذا الشاب الجامعي.

محمد في إضطراب واضح لهذه التغطية المتحيزة للصحافة الغربية.”الآن الأزمة عالمية, فرنسا, الولايات المتحدة الامريكية وتركيا وضعوا ايديهم في سورية لأجل الحصول على منفعة من هذه الأزمة. إن الرجال المسلحين المعتقلين اعترفوا بالتأييد من قبل (السياسي اللبناني المناوئ للنظام السوري) سعد الحريري. وفي جسر الشغور  اعترفوا حصولهم على دعم من جهاز الأمن التركي. الجيش السوري اعتقل جنود أتراك كانوا يدربون رجال مسلحين”.

وجهات نظر متعارضة في هذه المواجهة المريرة بين الكتلتين, سواء في الميدان أو في شبكات التواصل. وفي دراسة أجراها  InfoWar Monitor, يوجد حملة ضخمة تفصيلية على صفحات الفيزبوك, حيث يوجد 140 هجوم من قبل الجيش السوري الالكتروني على صفحات غربية واسرائيلية: وهذه الصفحات تبقى محظورة مع صورة تحمل الرسالة الآتية مع بعض التعديلات: “نحن الشعب السوري, نحب رئيسنا بشار الأسد وسنسترجع الجولان. إن صواريخنا سوف تقع فوق كل من تسول له نفسه مهاجمة أرضنا الحبيبة.”

إن سيل التعليقات لصالح النظام في شبكات التواصل الأجتماعية, هدفه أي موقع يعتبره الجش السوري الالكتروني  ملائم لخلق رأي مواتية للأسد: من مجموعة فيزبوك لعرض أبرا حتى البرلمان الأوروبي.

هذه الميليشيات الالكترونية المخلصة للديكتاتورية الدمشقية لا يمكن ربطهم بالنظام لأنه لا يوجد دلائل, وما وراء ما يمليه المنطق و خاصة في بلد مسيطر عليه مثل سوريا, ومن غير المحتمل إذا أن يكون هؤلاء المستعملين يعملون من وراء النظام- و الفخر الذي شعروا به عندما ذكرهم الرئيس بشار الأسد في خطابه في 20 حزيران, عندما وصفهم “أنهم جيش حقيقي في عالم خيالي”.


على موقع الانترنت المسلسل “حرية وبس” هو نقد مدمر نحو النظام السوري ونحو القمع الذي يمارسه. وهذا المسلسل على شكل فكاهي

ابتكر من قبل الفنانين في المنفى, ويسعى إلى تحدي الدعاية الرسمية

وفي الشهر الأول من حياة المسلسل, حاز على اهتمام 200.000 مشاهد

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

YouTube Preview Image

هذان الشابان يشربان الشاي وهما جالسان شاردا الذهن في داخل مرآب عتيق. “بتعرف شو؟” “شو” “جاي على بالي اطلع برا” “تطلع لوين بدك تطلع” “اطلع متل العالم واهتف اي بدي أهتف”, يجاوبه رفيقه. “أنت مجنون, انت طالع قبل هذه المرة, هاتف شي؟” “لالا” “شو مفكر شي شوربة, هاي العالم عما تطلع لأنها تشرب شي” “شي متل شو؟” وفي هذه اللحظة يخرج بائع جوال ينادي على بضاعته. “حبوب هلوسه, عندي جميع الحبوب! العربية, الجزيرة, فرانس 24,BBC… حبوب هلوسه!”. “شوفت إنه مش معقول”, يقول له الثاني وهو يتابع البائع بنظره.

لا يوجد ضحك معلب, لكن الجمهور مندمج جدا فالضحك يخرج تلقائيا. وهذا الحوار ينتمي إلى “حرية وبس”, ولعله أول المسلسلات من هذه القصة يجرء على السخرية من النظام السوري وحول حقيقية الثورة. وعلى الرغم من أنها قضية حساسة –1.800 شهيد وحوالي 10.000 معتقل حتى هذا التاريخ حسب الناشطين, ليست موضوع للهزل, إن روح الفكاهة عند السوريون وشوقهم إلى الحرية بكل أنواعها -وخاصة التعبيرية – وبعد 40 عاما من الحكم البعثي الديكتاتوري, مما يوضح لنا سبب نجاح هذا المسلسل الغير منتظر والذي يقدم حلقتان في الأسبوع يدوم دقيقتان أو ثلاثة دقائق وفي شهره الأول حاز على 200.000 مشاهد على قناة You tube.

“حرية وبس” تم تعريفه بسلاح السخرية الشامل, وهو طريق مفتوح موجه إلى السوريون خارج وداخل الوطن من إخراج فنانون في المنفى –مجموعة من 10 إلى 15 شخصا- تحركوا لأنهم شعروا بعجز الفنانون السوريون عن دعم الثورة, حيث أن معظمهم يؤيدون النظام“,شرح لنا هذا فرقة “حرية وبس” من خلال مقابلة اجريت معهم بواسطة البريد الإلكتروني. “كثير من الممثلين يدعون أن المتظاهرين يتعاونون مع عدو خارجي أو هم سلفيون”, يشكون.

حديثا وجوه سورية مشهورة مثل الممثل محمد الراشي أو فرس الحلو, شاركوا في حفلات تأبين ودفن بعض المتظاهرين متقربين بهذا لطرف المتمردين, لكن الأسماء المعروفة أكثر في الجانب الفني السوري متعودون على تبعيتهم إلي النظام, وما زالوا يؤيدونه, باستثناء مسيرة 30 حزيران التي قام بها فنانون ومفكرون: 200 منهم اعتقلوا فيما اطلق سراحهم في وقت لاحق.

وسائل الإعلام والدعاية في دمشق (وهي الوحيدة في البلد), يقدمون المعارضة “كأشحاص يحاولون القيام بإنقلاب إسلامي” ممول من الخارج وهذا من اهداف جماعة “حرية وبس” ليبثون الوعي بين الناس موضحين لهم عدم مصداقية وسائل الإعلام الرسمية وبأن النظام يعطي لهم أخبار لا تتوافق مع الحقيقة في الشارع.”ونحاول وضع الأحداث تحت تصرف السوريون الذين يترددون أو لم يخرجوا إلى الشارع بسبب الفوضى أو المعلومات المضللة.”

ويقومون بذلك عن طريق الهزل, إن لم يكن سخرية وهذا ما يفكر فيه هذان البطلان في مرآبهما. عندما يسأل أحدهم الآخر:ما معنى مندس؟” وذلك في إشارة واضحة إلى كيف أن النظام السوري ينعت المتظاهرين,”معناها أن نخرج إلى الشارع برأس مرفوعة ومطالبك بتكون كلها مشروعة, انت بتكون أكيد مندس”, “لا أفهم”. “يرد عليه الأول محركا رأسه, “سأشرح لك”, “تخرج للشارع رأسك مرفوع وقبضة يدك عالية وتصرخ “حرية وبس” “حرية وبس”. يقول له هذا عندما ينتصب واقفا, شارحا له مسرحيا كيف يتم تنظيم الإحتجاجات, عندها تسمع طلقة نارية ترديه قتيلا أمام أعين صاحبه الذي يقول “آآآآآه ه ه هذا أكيد مندس”.

“حرية وبس” هل هي شكل من أشكال النشاطات؟ نحن لا نريد مقاومة النظام,نريد فقط  أن تتحقق مطالب الشعب. إن الفن الدراماتيكي السوري وخاصة في التلفزيون والسينما, كان له أهمية كبيرة في العالم العربي ودائما كان يرافق الحياة اليومية للناس, ولهذا كان مفاجأة تخليهم عن هذه الثورة.

إن النجاح العظيم الذي لاقاه هذا المسلسل طفح عليهم.”حيث وصلت الأرقام على ما يزيد عن 200.000 مشاهد في شهر واحد في قناتنا الرسمية لكن هذا لا يشير إلي شيء نهائي لأن قنوات أخرى في  You Tube وفضائيات تعرض هذه الحلقات يشرح لنا المسؤولين لا يفصحون عن هويتهم ولا أين يعملون لأسباب أمنية.

ومن المستبعد جدا “حرية وبس” لا تجري متابعته في البلد المسيطر عليه من قبل ديكتاتورية بشار الأسد, (كما شرحوا) وسبب عدم انتشارها في سورية هي القيود التي تضعها الحكومة السورية على الإنترنت وهذا ما يحزننا أن عامة الشعب السوري لا يستطيع مشاهدة أعمالنا الفنية.


تل أبيب وبيروت متواجهين من أجل رسم الحدود البحرية بعد العثور على حقول كبيرة من الغاز الطبيعي تحت البحر الأبيض المتوسط


الحكومة الإسرائيلية تعلن من طرفها عن مسار حط الحدود وهذا ما اعتبره بلد الأرز بحركات تويسعية في منطقته لاستغلالها


البعض يخشى أن يستعمل هذا النزاع لاشعال فتنة الحرب القادمة


المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

المترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

أحد الاسرائيليين يصطاد قرب روش هانيقرا, في الشمال, مقابل سفينة حربية إسرائيلية. AP/ Emilio Morenatti

من المفترض أن يكون أفضل خبر تتلقياه إسرائيل ولبنان على الاطلاق لأن كلاهما سوف يتغير مستقبلهما. إن اكتشاف أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم في السنوات العشر الأخيرة والذي  كان موجودا في سواحلهم و ذلك يتعين به تغييرا جذريا في اقتصاد بلدين يعتمدان حتى هذه اللحظة على استيراد موارد الطاقة لتموين رعاياهم.

هذا سيسمح لهم بالإكتفاء الذاتي, وهذا شيئ مهم وبشكل خاص لإسرائيل لأنها محاطة ببيئة غير صديقة حيث أنها لا تحظى بأية علاقات ودية مع أغلبية جيرانها. ويفترض لإسرائيل وضع حد نهائي لحالة عدم الاستقرار في تبعيتها باستيراد هذه المواد من مصر, حيث أن رئيس الوزراء الانتقالي صرح أنه سوف يعيد النظر في الاتفاقيات بخصوص تصدير  الطاقة –بامتيازات لتل أبيب- حيث أن عمليات التخريب للمنشآت تتكرر كما يبدو للحول دون تدفق الطاقة إلى إسرائيل, والذي تقدم القاهرة الـ 40% من احتياجاتها الكهربائية: وقد حصل أربعة هجمات منذ اندلاع الثورة المصرية. وفي حالة لبنان فإنه سوف يضع نهاية لعجزها عن توليد الطاقة الكهربائية والتي هي سبب احتجاجات شعبية كثيرة. وحتى سوف يمكنهما من تصدير الغاز مما يجعلهما يحصلان على عائدات اقتصادية مهمة, هذا إن لم تكن هاتان الدولتان في حالة حرب ولبنان ليس لديها حتى مسار لخطها الحدودي البحري ليسمح لها الحصول وبشكل قانوني على هذه الموارد الطبيعية للطاقة, ولا حتى اتفاقيات للاستغلال أو البحث عن هذه الحقول في مناطقها الحدودية.

بعد خمسة سنوات من آخر حرب بين إسرائيل ولبنان, حرب أخرى جديدة تحصل تحت البحر. وبشكل مفصل ما بين 1.500 و2.500 مترا تحت الماء, هذه هي المسافة الموجودة للوصول إلى احتياطيات “القوس السوري”, وهي أراضي تبدأ من مصر إلى سورية عبر غزة واسرائيل ولبنان وتتضمن أيضا مياه قبرصية. حسب توقعات المؤسسة الأمريكية US  Geological Survey, أربع وثلاثين مليار متر مكعب من الغاز محتوى هذا الحوض, وأيضا يحتوي على 1.700 مليون برميل من البترول. لكن كل هذا من محض التوقعات: فقط الحفريات تستطيع التأكيد هذه الأرقام. فالأعمال التي أجريت مؤخرا من الجانب الإسرائيلي –والتي تستغلها منذ عام 2004- شركة أميريكية شمالية Noble Energy, تبرهن أن أحد هذه الحقول والمسمى “ليبياتن”يحتوي 450 ألف مليون مترا مكعبا من الغاز, والذي يجعل منه أكبر اكتشاف في عقد واحد: وهو دليل جيد لما تحتوي عليه سواحل البحر الأبيض المتوسط في الشرق الأوسط.

عوامة في مياه متنازع عليها تشاهد من موقع لبناني ناقورة.AP/ Mohammed Zaatari

إن وجود احتياطي الغاز معروف منذ زمن –وليس عبثا ترجع إلى 60 مليون سنة- لكن الآن فقط, حيث أن التكنولوجيا تسمح الحفريات على عمق يتراوح بين 1.500-2.000 متر وبدون تكاليف باهظة, والدول يولون اهتماماتهم في معركة الموارد الطبيعية التي تحتويها سواحلهم. ومن هنا يأتي النزاع: حيث أن الحدود البحرية اللبنانية ليست واضحة في مسارها عبر البحر الأبيض المتوسط وهذا ما يجعله عرضة للاغتصاب.

يوم الأحد الماضي الحكومة الإسرائيلية صادقت على مسار لهذه الحدود البحرية من جانبها فقط, وبعثت به إلى الأمم المتحدة على “أسس قانونية واتفاقات دولية ومنافع استغلالية اقتصادية”, وحسب رئيس الوزراء نيتانياهو “هذه الحدود هي التي تحدد المساحة التي سوف تستثمرها الدولة بموجب حقوق اقتصادية حصرية, متضمنة حقها في استغلال هذه الموارد الطبيعية البحرية”, أكد نيتانياهو ذلك أمام الصحافة الإسرائيلية, وهذا أمر مفروغ منه لأن إسرائيل تعتبر هذه الحدود البحرية لها في الواقع.

وهذا ما أغاظ اللبنانبيون فقد أرسلوا في شهر تموز من سنة 2010 للأمم المتحدة خريطة تحدد مسار المنطقة الإقتصادية التابعة لها حصريا, والتي لاقت في يومها الدعم من الولايات المتحدة وهي تتعارض مع المسار الذي وضعته إسرائيل. والفرق يتألف من 15 كم مربعا. وحسب بيروت, هذه الـ15 كم التي ضمتها إسرائيل إلى منطقة استغلالها الحصري فإنه ما يعتبر من جديد احتلالا غير مشروع.

جنود إسرائيليون خلال القصف على لبنان في حرب 2006. AP /Oded Balilty

الجواب اللبناني جاء مغتاظا. ووزير الطاقة جبران باسيل, صنفه “بالعدواني”, أما من طرف إسرائيل يخشون أن يكون هذا النزاع حول موارد الطاقة سببا يستعمله حزب الله لتبرير حرب جديدة بين البلدين. وليس عبثا أن يكون باسل-الوزير عضو من مجموعة سياسية مسيحية حليف لحزب الله وله ثقله في الحكومة اللبنانيةفي تصريح له في قناة المنار “تلفزيون حزب الله”, قال “لن نتهجم على أحد ولكن بالمقابل لن نسمح بأن يهاجمنا أحدا ولو حتى بسنتمتر واحد”. وحسب باسل,”إن لبنان قد رسمت حدودها (البحرية) حسب اتفاقية مع الأمم المتحدة حول قانون البحر” و يحذر بأن “أي لبناني لن يفرط ولن يتخلى عن موارد الطاقة هذه ولا عن حقوقهم البحرية”.

أما رئيس بلد الأرز ,ميتشيل سليمان, حذر أن “أية قرارات تتخذها إسرائيل بشكل فردي حول الحدود البحرية سوف يشكل انتهاكا للقوانين العالمية وهذا ما تعودت عليه إسرائيل“, أما وزير الخارجية عدنان منصور, أعلن أن لبنان سوف ترفض “أي تأكيد عالمي ومن طرف واحد لرسم الحدود البحرية الإسرائيلية حتى ولو صدر عن الأمم المتحدة”.”لا تستطيع أية شركة أن تتعهد أعمال تنقيب على الغاز أو البترول في مناطق بحرية وهم موضوع لإجراءات قانونية, سياسية أو أمنية”, أشار منصور, حيث أعلن أن الحكومة اللبنانية في حيز التأسيس لخريطة دقيقة لتأكيد حقوقها في المنطقة الإقتصادية الحصرية في البحر الأبيض المتوسط, وعلى خط من 17 كيلومتر في المنطقة المدعوة 23″. والوزير يعتبر أن العرض الإسرائيلي “هو تهديدا للأمن القومي”.

ضواحي شيعية في بيروت, بعد تعرضها للقصف بالقنابل الإسرائيلية في عام 2006. Issam Kobeisi/AP

تعيين الحدود المقترحة من الجانب اللبناني حسب إسرائيل يتعارض مع الإتفاقية الموجودة في عام 2007 للسواحل بين لبنان وقبرص وأيضا مع الإتفاقية المبرمة بين إسرائيل وقبرص حول الحدود البحرية: وكلاهما يعينون الحدود البحرية اللبنانية وفي غياب التحطيط الرسمي. وبرهن أن الإقتراح اللبناني الذي لم يوافق عليه البرلمان بشكل رسمي –يدخل في أراضي اسرائيلية, وهذا نفس الإتهام الذي تلقيه بيروت ضد تل أبيب.”والمفهوم الإسرائيلي للحدود هو أقل مرونة”, في بيان لسركيس حلايس لتصريحات أدلى بها إلى النشرة الإقتصادية اللبنانية Le Commerce du Levant , المسؤول عن الموارد النفطية في وزارة الطاقة اللبنانية.

يعتمد توزيع الأرباح على طريقة رسم الحدود في حالة وِجود مخزونات عبر الحدود والذي وفي هذه اللحظة يجعل من المستحيل التفكير في إستغلال هذه الحقول لأنها موجودة في أراضي من الصعب تحديدها. ولو حدث هذا في أراض أخرى واضحة الملكية فإنها ستكون موضع جدل: “بعض المواقع المتاخمة لحدودنا قد حصلت على وثيقة المنح منها Noble Energy وهي (شركة تعمل على إستغلال الإحتياطيات المعروفة في الساحل الإسرائيلي). لا أملك الدراسات الزلزالية الإسرائيلية, لكن في حالة أن يكون الهيكل موجودا في هذه المناطق يوجد 90% من الإحتمالات بأن يكون هيكلا أساسيا مشتركا”.

ونظريا, إذا لم يتوصل إلى اتفاق ثنائي لاستغلال هذه المناطق سوف يكون من المستحيل أنجازه لذا فإن احتمالات الأرباح تبقى في الهواء. هذا هو الشأن بين إسرائيل ولبنان حيث أن الحوار المباشر مستحيل. وحسب الصحافة الإسرائيلية, رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو بدأ اتصالاته مع السلطة الفلسطينية من أجل استغلال السطحين الموجودين في سواحل غزة وهذا ما يتضمن عقود تقديرية من 800 مليون دولار. وما وراء السواحل الإسرائيلية,فقد كانت سورية تحاول هذا العام تحصيص عقود من أجل استغلال الاحتياطي الموجود في مياهه الإقلمية: ليس لدينا معلومات عن إذا كانت الخطة تحذو قدما نظرا إلى الحراك الداخلي.

شاب يقفز فوق البحر المتوسط في منطقة أكري, شمال إسرائيل. Zemlianichenko/AP

نجد أن الإستغلال معقد أيضا في وضع قبرص حيث أنه يوجد منازعات مع لبنان منذ سنوات حول تعيين الحدود البحرية, حيث تعثرت بالحظر التركي. أنقرة لا تعترف بالحقوق اليونانية في النصف الجنوبي من الجزيرة المقسمة في البحر المتوسط و تفشل أية إتفاقية -حتى التي أبرمت بين قبرص و إسرائيل في عام2010 – بحيث لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح التركية, ما لم تحصل وحدة شاملة في هذه الجزيرة.

وبالنسبة إلى الإتفاق المبرم بين قبرص ومصر في شهر كانون الأول الماضي لتعيين حدودهم البحرية, ما دفع تركيا إلى الاحتجاج الرسمي. ومرادهم عدم التخلي عن هذا الموضوع حتى وصلوا إلى إرسال سفن حربية على شكل تحذير عندما أقدمت سفن لبنانية لاجراء دراسات والتنقيب عن حقول موجودة في مناطق مشتركة.

لكن لبنان لن تتخلى عن أحلامها في استقلالها في مجال الطاقة وحيازتها على إحتياطي النفط . باسيل صرح شبه متأكد بالعثور على غاز “بكميات تجارية” في تصريحات له في Le Commerce du Levant. “أن الحقول اللبنانية أهم بكثير من الإسرائيلية”, مؤكدا هذا المدير العام للمنشآت النفطية سركيس هاليس. “وسوف يكون من أهم الحقول في كل حوض بلاد الشام.”


الكاتبة: كارمِن رٍنغِل / Carmen Rengel

المترجمة: ليلى محرم ري / Laila Muharram Rey

القدس

رندة عاهرة خلال 21 عاما تخفي وجهها بهذا النقاب المستعار والتي تعمل الآن في متجر.

تحقيق للأمم المتحدة يكشف عن استغلال لألف امرأة: فقر وسلطة أبوية وعنف يدفعهن إلى ممارسة الدعارة.

معظمهن مباعات من قبل عائلتهن, وهم أول من يعتدي جنسيا عليهن. النصف تقريبا كن متزوجات عند بلوغ الـ 14 عاما والـ 60% عانوا الاغتصاب في مرتهن الأولى.

غياب التشريع في هذه الأراضي يقود إلى حصانة تامة من القوادين والمافيات.

يقول الإنجيل أن يسوع شفى مريم الخاطئة من الشياطين السبعة الذين كانوا يعذبونها. كانت في قرية المجدل قرب بحيرة طبريا, منذ أكثر من 2000 سنة. رندة تسكن على بعد ساعة طويلة من هذه القرية (الآن تقول الخرائط أن اسمها “Migdal” “مجدل” وهي تابعة لإسرائيل). عمرها 38 عاما,ولها طفلان وهي فلسطينية ومسلمة وعاهرة. وما زالت تعيش بداخلها الشياطين السبعة: فقر, أمية, عنف منزلي, اعتداء جنسي, إتجار بشري, رفض الأسرة, أمراض جنسية… نقول سبعة فقط, لكن هي تروي أنهم أكثر بكثير من هذه الشياطين من يراودونها. وحالتها إحدى الحالات التي استُخدمت كقاعدة من قبل “UN Women” (هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة), وقد كتب الخبراء أول تحقيق عن الدعارة و”الإيدز” (داء نقص المناعة المكتسبة) في الضفة الغربية والقدس الشرقية, بحوالي 250 شهادة من عاملات الجنس, قوادين, زبائن وموظفي الصحة. هذه صورة نكبة مزدوجة: من جهة, استغلال المرأة تحت غطاء السلطة الأبوية وهيمنة وجوع, ومن جهة أخرى, هذا المرض المجهول,الصامت, يتجاهلها الطفاة الذين يضعون متعتهم الجنسية فوق سلامة المرأة وكرامتها.

حسب إحصائيات لأهم المنظمات الفلسطينية الغير الحكومية لمساعدة المرأة, حوالي ألف امرأة تمارس الدعارة بشكل دائم في الضفة الغربية و غزة والقدس الشرقية. كما يقولون في منظمة SAWA (كل النساء معا اليوم وغدا), “الضرورة هي أفضل المنشطات الجنسية وفلسطين والتي وصل مستوى الفقر فيها إلى 20% في أفضل الحالات, ليست حالة استثنائية”. لا يوجد عمل لهن: بالكاد تعمل 15,5% من اللواتي تسمح لهم أعمارهن بالعمل يشتغلون مقابل الـ 67% من الرجال (وهي أرقام وسطية, في غزة مثلا البطالة تتجاوز الـ45%). وهذا الرقم يؤكده الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS),والذي ما يزال في ركود منذ عقد من الزمن ولهذا تصبح الحاجة أفضل أرض خصبة للإستغلال: عائلات من سبعة أفراد وسطيا, راتب منخفض (حوالي 180 يورو في الشهر), لاجئين وحركات محدودة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية… “وهذا ما يجعل في معظم الأحوال أن تكون العائلة نفسها هي من تعرض بناتها مع علمهم بأن أي شخص غريب سيدمرها”, لكنهم بحاجة إلى حفنة الأوراق النقدية, يقول التقرير.

وهذا ما حدث لرندة (إسم مستعار), حيث اضطرت للخروج من بيتها مباشرة إلى بيت دعارة عن عمر يناهز الـ 15 عاما. كان أبوها هو الذي قرر بيعها. لا تعرف بكم باعها. فعله “بحكم الضرورة”, ستة أبناء وزوجة يجب عليه أن يقدم لهم ما يحتاجون وبراتبه الضئيل كعامل في البناء و لكن لم يتألم لقراره.إن 36,5% من الآباء هم من يدفعون ببناتهم إلى الدعارة, أو نفس أزواجهن (38,1%). ومن السخرية مايدعي الزبائن وذلك في استطلاع يقول أكثر من نصفهم أن النساء يمارسن هذه المهنة عن طوع نفس وهن اللواتي يتنظمن ويدبرن أنفسهن, وهن من قرروا المزاولة, وحتى نفس الرجال الذين يقومون في المرحلة الأولى من تجارة البشر حتى مع من هم من نفس دمهم. رندة تعمل الآن كفتاة متجر في محل في الضفة الغربية, بعد تركها مزاولة الدعارة منذ ثلاثة سنوات. كانت محظوظة: استطاعت الهروب لأنها كانت تعمل في الآونة الأخرة لحساب قواد خاص, و ليس في بيت دعارة عام, وهذا القواد توفي بداء السرطان. لم تكن تدين شيئا لأحد. لم يطالبها أحد بأي حساب تابع لرئيسها. حملت حقيبتها وغادرت إلى مدينة أخرى, وأخرى ثم أخرى. الآن تشعر بالأمان. أطفالها مبعث نورها اليومي. لا أحد منهما ولد من الحب. بل ولدوا بالإغتصاب عن طريق الزبائن. التعرف على أبائهم شىء مستحيل. وهي لا ترى فيهما بلاء, تعتمد عليهما. أبناء غير شرعيين يتبرأ المجتمع منهم كما هو حالها. اليوم هما شابان بصحبة صديقيتهما واللذين يرعيانهما ويحترمانهما. “الناس تظن أنني أرملة غزّاوي, لديّ عملي وأولادي يدرسون. ولكن هناك من يطرح أسئلة كثيرة…”, تقول رندة, وهي مساندة من موظفي المنظمة الغير حكومية الذين ساعدوها على بدء حياة جديدة.

مداهمة الشرطة في القدس الشرقية, في شهر كانون الثاني الماضي. معظم المعتقلين كانو نساء عرب ومن أوروبا الشرقية. / شرطة محلية من القدس.

قضيتها وقصتها مثل واقعي كالذي ورد في تقرير الأمم المتحدة: عانت الإعتداء في بيتها مثلها مثل الـ96,3% من العاهرات الفلسطينيات وخاصة من قبل آبائهن, حاول عمها الأكبر الإعتداء عليها مرارا ولكن في آخر لحظة تفشل خطته لوصول أحدهم ويكتفي بملامستها. أحد المساوئ السائدة نعني الأعتداء الجنسي من أفراد العائلة,وهو التي عانته ثمانية من عشرة عاهرة كالـ74% منهن, رندة لم تكمل تعليمها الابتدائي, وتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة على 11 عاما لمساعدة والدتها في الخياطة داخل البيت, دخولها في عالم الدعارة كان قسري بشكل واضح (كما في الـ64% من الحالات) و “في الحقيقة النسبة المئوية الباقية هن نساء يختارون الدعارة للضرورة الواضحة. ولذلك هن في الحقيقة لسن طوعيات على الرغم من إتخاذهن الخطوة الأولى”, يقول التحقيق.

عاهرات فلسطين هن محليات على الغالب, يتاجرون بهن داخليا بين قلقيلية, الخليل, طولكرم, بيت لحم, رام الله و القدس خاصة قبل الحصار كانوا يصلون من غزة، هناك استثناءات كمئة قليلة من نساء قدموا من أوروبا الشرقية واللواتي وصلن إلى إسرائيل وبعدها إلى فلسطين المحتلة. مع أن الضغوط الإجتماعية والدينية تجعل هذا الموضوع يخيم عليه السكوت المطبق. الأمم المتحدة وجدت أدلة واضحة على وجود خدمات جنسية, بيوت خاصة, بيوت دعارة, وشقق يفترض أنها عائلية والأغلبية منهن يمارسون الدعارة في شقق تديرها (مدام) “وهي قاسية طاغية, حيث كانت تطعمنا خبزا بحليب مرة في اليوم”, تشتكي رندة, متذكرة أول من استغلتها, والمدام التي كانت متواطئة مع أبيها. وللإختفاء عن أعين المتطفلين بعض المافيات يشترون بيوتا في مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وهي الأقل رقابة وهناك يخططون اللقاءات. وإذا كان هناك حاجة ملحة يستخدمون مباني مهجورة أو ورشات.

معظم النساء عازبات أو مطلقات, ملتقطات من أقرب الناس إليهم(عائلة أوجيران). إن الـ43% من العاهرات المتزوجات عقدوا زواجهن عندما بلغوا أقل من 14 عاما و 58,3% منهن, أول مرة مارسوا الجنس فيها لم يكن برضاهم.“لقد تعودن هؤلاء النساء على الزواج من رجل لم يعرفونه مسبقا ومن هنا تصبح العلاقة الجنسية مكرهة و هذه الطريقة مقبولة في المجتمع, إن حداثة أعمارهم و جهلهم بأجسامهم وكرامتهم وواجباتهم, وخطر العبودية…”, يشير الخبراء. كثيرات منهن مراهقات, ترعرعوا تحت الذل, كانوا رفيقات لرندة في بعض بيوت الدعارة في الضفة الشرقية. “معظمهم كان يزاول الدعارة لأن الزوج كان يجبرهم عليها حتى يستطيع دفع ديونه المتراكمة من المقامرة والمخدرات”, تقول. وهي حلقة مغلقة من الفساد:”أولا, يعتدي عليك زوجك, بعدها يقدمك إلى اصدقائه مقابل المال, بعدها يقدمك إلى الذي يدين له مالا أو إلى تاجر المخدرات للحصول عليها. وأحيانا ينتهي بك المطاف في بيت للدعارة (مدام) وأحيانا تصبحين رهينة للمخدرات حينها وعندها فلو أن زوجك لم يكن موجودا ولم يطلب منك تتابعين أنت في ممارسة الجنس من أجل دفع ادمانك على المخدرات” تضيف . UN Women لقد وجدت نساء أرامل, مدمنات على المخدرات بسبب أزواجهن, وحتى بعد بقائهم وحيدات يتابعن تقديم أجسامهن في مخيمات اللاجئين مثل الشوفات. أحيانا يقبلن 20 شيكيلا (4 يورو تقريبا). نقود, طعام, ملابس, نقود للجوال… أي شيء يساعد على العيش أو حمل نقود إلى البيت. لقد وجدنا نساء بين 15 إلى 20 عاما يحملن عبئ البيت و يرعين الصغار. وأخريات يعشن في مناطق مثل الخليل, حيث أن المصانع قد دمرت, وهن الوحيدات القادرات على الحصول على راتب. وبعضهن أزواجهن في السجون لأسباب سياسية و لهذا يرفض أحد التعاقد معه خوفا من الجنود الإسرائيلين وملاحقتهم لهن وتسبيب المشاكل. إحداهن لجأت أيضا إلى بيع الجنس حتى تدفع الرسوم الجامعية, و هي طريقة للهروب والحصول على أمكانية أخرى في هذا العالم”, يشرح التقرير. في أغلب الأحيان هن لا يقبضن مالا بل بواسطة القوادين, ولهذا لايستطعن دائما دفع ما عليهن. وفي حالات أسوء يجبروهن على البحث عن زبائن في بارات أو في مطاعم, لأنهن يجب عليهن أن يدفعن ما يستهلكن. ومن المقدر أن ما تحصل عليه هذه النساء هو ثلث المبلغ الذي تسلمته من الزبائن. وتقول الأحصائيات أن إحدى الشابات كانت تقدم خدماتها مقابل سندويش. واللواتي يشتكون يكون جزائهن الضرب والتهديد لأولادهن. “هن رهائن” يلخص الخبراء. ولا يقدمون شكوى لخوفهم على فقد صغارهم, وتحملهم مساوئ أكثر قسوة وحتى فقدانهن الحياة.

إن آليات الخداع تعمل أيضا في هذه الأرض: 15% من البنات ينتهون بممارسة الدعارة بعد حصولهن على وثائق مزورة من أجل العبور إلى رام الله أو القدس الشرقية, على افتراض عمل لهن كمنظفات. وأن المافيا ينشرون إعلانات للعمل برواتب من 2500 إلى 3500 شيكيل (بين 500 و 700 يورو, وإنه راتب ممتاز), وعندما تتقدم إليه شابة يسألونها عن نقود في حوزة عائلتها, أو كونها متزوجة, أو تعاني بعض الأمراض… “وإذا لم تكن جميلة أو بعض الشيء سمينة يرفضونها مباشرة. وبشكل واضح هم لم يكونوا يبحثوا عن عاملات للبيوت ولا سكرتيرات ولا عاملات متاجر”, كما يقولون في إعلانهم.

امرأة تستريح في مكان مخصص للقمامة في غزة. "إن الفقر هو المنشط الجنسي الأساسي", يؤكد الخبراء.

خضوع هذه العبيدات –يتابع التقرير- هنا هو أشد منه في أماكن أخرى على الكرة الأرضية حيث تأتي من مجتمع صوت المرأة لا يهم أحد مطلقا. السلطة الأبوية يحمل هذه الفلسطينيات على حمل أوراق ثانوية, و إلى تبعية مجبرة, على الضعف و الاستغلال و في الوقع إن معظم الشكايات تأتي من نساء أوروبيات, تخبر بهذا الشرطة المحلية في القدس. إلى هذا نضيف المحنة الشديدة التي عانوا منها خلال أعوام من ضرب و إساءة معاملة: حسبPCBS, 61,9% من المتزوجات يعانون سوء معاملة سيكولوجية في فلسطين الحالية, ثلثهن معاملة جسدية, و 11% جنسية. إن العنف المنزلي هو موضوع خاص, لا ينشر ولا تقدم فيه شكوى بسبب الحياء أو ضرر للشرف, وهذا ما حصد في السنة الأخيرة حياة 9 شابات، في مرتين على الأقل كنّ حاملات من إخوتهن أو آبائهن.

إن الطلاق ليس هو الحل لأن العائلات لا تفتح أبوابها لهذه النساء العائدات وعندما لا تمتلك زوج أو بيت يصلن فورا إلى الدعارة في وقت وجيز محاط باليأس. هذا بالإضافة إلى التحول والخضوع لهذه النساء. بسبب عدم ثقافتهن وجهلهن فإنهن يفهمن الجنس أنه خضوع مطلق للرجل وأنه” لن يكون رجلا اذا لم يضرب أو يخضع”. “أضف إلى ذلك مشاكل الاحتلال الإسرائلي الذي ينعكس في البيوت و منازل الدعارة. الرجال الذين يشعرون بضعف يلجؤون إلى العنف ضد عائلاتهم من أجل استرداد نفوذهم. عندما يهينوك في مراكز التفتيش من المحتمل بعدها أن تذهب إلى البيت وتضرب زوجتك وأكثر إذا كانت عاهرة والتي يعاملونها بشكل سيء ودون مسائلة من أحد”, تشير الدراسة.

فلسطين, مستقلة ذاتيا نسبيا, وعلى الأقل, وبعد بضعة أشهر ستكون مستقلة, وليس عندها قوانين تعاقب هذه السلوكيات, مع أنها لا تصحح هذا السلوك الشاذ . هناك بعض القواعد الباقية من مصر والأردن,وهي القوى التي كانت تشرف على بعض الأراضي قبل حرب 1967, وفي القدس الشرقية تطبق القوانين الإسرائيلية لكن الشك في أيهما أصح يجعل في النهاية أن يكونوا حبرا على ورق. عدة قوانين تصحيحية (معاملة سيئة, جرائم شرف,طلاق…) ولكن العقوبات ما زالت. مثلا في حالات الاعتداء الجنسي يفرقون بين ضحية عذراء و غير عذراء, وإذا كان الجرم يقع في الحالة الثانية, فإن العقاب أقل بكثير (من شهرين إلى سنتين سجن), لا يوجد عقاب ولاغرامة مالية اذا تعهد المعتدي الزواج من ضحيته ولا توجد إشارة قانونية حول الاعتداء داخل الزواج, كما يأتي في القوانين الأردنية من 1960. إذا كنت تمتلك بيت للدعارة تقع عليك ستة أشهر سجن وبين ستة أشهر وسنتان سجن للقوادين مع أن الحكم لا يجتاز السنة. وان استغلال النساء رخيص جدا. وفي حالات الدعارة الخالصة فإن القوانين لا تربطها بتجارة البشر, ولهذا لا يجري تحقيق في هذه الحالة “المجال الجنائي لا ينفصل”. ويظنون أن إرسال فتاة مراهقة داخل سيارة شاحنة وبتأشيرة مزورة إلى حي الثور في القدس الشرقية لم يكن تجارة خالصة.

(AP Photo/Farzana Wahidy)

الشرطة لا تؤدي الخدمات اللازمة: نقص في والوسائل والتربية والضمائر, كما أفاد معدوا التقرير.%94,1 من العاهرات يعتقدون بأن رجال الأمن لن يدافعوا عنهن اذا احتجن إليهم. وهناك حالات لشابات بحثوا عن حماية رجال الأمن لكن بعد ساعة, اخرجوا من مركز الشرطة بعنف من قبل بضعة من عائلاتهم طالبين الانتقام لشرفهم من هذه العاهرة. ومن المحتمل أن يكونوا هم الذين دفعوهن إلى ممارسة الدعارة والاعتداء عليهن عندما كن صغارا.”وأكثر ما يؤلم هو أن ترى كيف تفقد النساء بشكل كامل قدرتها على اختيار طريقها, يتحكمون بملبسها و يشرحون لها كيف تبحث عن رفيق, هن بحاجة إلى رجل لفتح حساب في البنك وهن مستغلات وبدون محاسبة قانونية. إن الخوف على سمعتهم والعادات الاجتماعية والتقاليد وطريقة فهم الجنس والعنف الصامت يغذون هذا الشقاء والتعاسة”, وبهذا ينتهي التقرير. واللواتي تحت القوانين الإسرائيلية لسن بأفضل منهن, بعضهن في القدس الشرقية بطريقة غير نظامية, أخريات لا يستطعن اللجوء إلى الأمن لأسباب سياسية. والنتيجة هي نفسها: العجز الكامل. بعض الأطباء يعترفون للأمم المتحدة أنهم حاولوا مساعدة هذه النساء ووجدوا الأجوبة التالية: “لا يعنيك هذا الأمر. فقط أنت طبيب. لا تنحشر بما لا يعنيك”. والذي تلقى هذه النصائح هو نفسه الذي انتهى لتوه من معالجة طفلة تبلغ تسع سنوات قاست الاغتصاب المتكرر من قبل عائلتها, و هي تحت رغبة من يريدها مع الدفع المسبق.

و يسرد التقرير مع شهادات الزبائن الصريحة مبررين الإستغلال الجنسي للنساء.“إن مجتمعنا محافظ و إذا لم تكن متزوجا لا يوجد طريقة أخرى لممارسة الجنس”. “أذهب لأنني أرغب بذلك أو لأبحث عن طرق مختلفة لممارسة الجنس”, “نحن على إتطلاع بوجود “مدام” ما عليك إلا الإتصال بها حتى ترسل لك فتاة إلى بيتك عندما ترغب.” “هذه طريقة جيدة للاتطلاع الأولي على الجنس“. “هن يفعلن ما نريد نحن أن يفعلن”. إن أغلبية الزبائن(58%) متزوجين أو عزاب لا يتحملون الصبر حتى الزواج, 32,8%. يوجد سائقين تكسي, تجار, محامين, معلمين,وحتى بعض الأجانب من الكثيرين الذين يتجولون في هذه الأراضي. هذا ويضيف التقرير (ONU) أن عدد المراهقين الذين يدخلون في هذه السلسلة اللاإنسانية يتزايد. وفي فلسطين يوجد رجل على هيئة teacher (مدرس) يقود مجموعة من الشباب المراهقين لتناول المشروبات الكحولية, والمخدرات, وبعدها يذهبون “لزيارة العاهرات”.

إن غطرسة الزبائن وجهلهم هو السبب في نقص الحماية لتلك العاهرات ومواجهة الإيدز. حسب UN WOMEN إن نقص النشرات والنصائح والعلاج و إرشادات صحية أخرى تجعلهم أمام الخيار بين سلامتهم أو اطاعة أوامر المستغل لا يستطيعون المجادلة. وليس فقط مسألة إرادة لأن معظمهن لا يعرفون شيء عن الإيدز و كيف تحصل العدوى: 39% منهن يعترفون بعدم معرفتهم بأخطار هذا الداء, مقابل 1,6% من الزبائن. أجل هم يعرفون لكن يواجهون هذه المسألة باستكبار (“هذا لا يحصل لي”): و81,2% من الرجال يعتقدون انهم بأمان من الإيدز, وهن عندما يعلمن ويفهمن يعترفون انهم معرضين له (78%).”لا يوجد الإيدز في الشرق الوسط, إن الوسائل الواقية تقلل المتعة بالإضافة أن محيطنا صحي. انا أمارسه مع شابات نظيفات وبالتأكيد ليس عندهم إيدز”. جمل كهذه, الـ64% من الزبائن يرفضون وضع الكيس الواقي. وهذا ما يقوله الشابات بينما هم ينفوا ذلك. فقط 14% يعترف بعدم استعماله مطلقا. والنسبة على الارجح أكبر من ذلك, وهذا ما يشكون منه الخبراء, لأن في أكثر من حالة الشابات يستعملون بعد اعطائهم المخدرات. “لا يعرفون ما يحل بهم”. الرجال لا يستعملون الكيس الواقي, الوسيلة الأساسية لمنع العدوى في الVIH “يشعرون بمتعة أقل”,”وهو أكثر طبعية بدونه”,”الثمن غالي”,”ينتجون عقم”, و ببساطة, لا يريدونه. والخطر يزداد بسبب السوائل الجنسية أو احتمال تبادل الدم, من جراء الجروح التي تحصل للنساء اثناء ممارسة الجنس العنفي. بالإضافة أن الشابات اللواتي يتعاطون المخدرات يصرحون ان تبادل المحاقن هو عادة منتشرة في محلات الدعارة.

ولقد سجلت وزارة الصحة للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1986 عن 19 حالة من حاملينVIH الإيدز و عن 47 حالة متطورة ومعظم الرجال الشبان إنعدوا لممارسة الجنس مع النساء. لكن منظمة الأمم للصحة تقول أن هذه الأرقام غير موثوق منها وأيضا تصل إلى مراكز الصحة الفوضى التي تعاني منها الإدارة الرسمية في كل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إن هذا الوباء ينمو بشكل دائم, فمن 200.000 حالة في عام 2001 أصبحوا 310.000 في عام 2008. ويفترض أن الحالات العلمية نحو 33 ميليون شخص يعانون الVIH. والعاهرات هن أكثر عرضة (سوء استعمال, عنف, تبادل العلاقة) يجب عليهن أن يكونوا أكثر حذرا ولكن هذا لا يحصل: فقط 18,5% من النساء أجرو الفحوصات الطبية مرة واحدة, مقابل 81,5% لم يجروا أية فحوصات. ويجهلن تماما انهم يستطعن اللجوء إلى مراكز الصحة ولهن الحق بهذه الفحوصات بسرية كاملة. يخشون أكثر من كلام الناس على أن يمسهم المرض.

رندة توافق على الأرقام التي وردت من الـONU. وصلت بها الحالة إلى الممارسة مع تسعة رجال في نفس الليلة. لم تتذكر أنها استعملت الكيس الواقي أبدا, و اذا حدث واستعملته مرة كان بطلب من مديرة بيت الدعارة. وليس رغبة عنها. فقط أجري لها فحص الإيدز عندما بلغت 21 عاما, وتم ذلك لأن رجل أعمال ألماني فرضه عليها لإعجابه بها وأصبح زبون دائم خلال بعض الوقت. وقد امضت عشرة أيام بدون عمل نتيجة العنف الذي لاقته من أحد الزبائن, ضربها بقسوة عدة مرات بعصى مطاطية. وأحيانا كانت تترك أولادها في بيت الدعارة لعدم وجود أصدقاء أو نقود حتى تضمن رعايتهم ولا تزال إلى الآن تعاني من مرض جنسي سبب لها نزيف خطير. عملت كأم لبعض العاهرات الشابات من أجل الذهاب إلى المشتريات المسموحة في القدس. هولاء الفتيات بقوا في المدينة بشكل سري ولم يعرف عنهن شيئا. وطردوها من بيت للدعارة لأنها رفضت جلب أطفال (“لا أستطيع أن أفعل هذا كما فعلو معي”) وأحد الشركاء حملها مختبأة داخل السيارة إلى إحدى القرى وتركها تعيش على مشارف المدينة في الحقل, منطقة وعرة محاطة  ببستان صغير وبئر حيث كان يجلب لها الزبائن كل ليلة وشيئا من الطعام, حتى لا يعرفها أو يراها احد كثير من الألم حتى موت آخر قواد لها, عندها تحررت. وشهادتها مغزولة من طرف الشاهدين اكثر منها. أقوال تقطع الأوصال لقساوتها. وهذه هي نتيجة الأيادي التي انهالت عليها ضربا, وحضوعها تحت القوة, والألم الذي أغرقها. وهي الآن تتطلع إلى المستقبل مع أبنائها وعملها متواضعة وبسيطة راغبة العيش بسلام. وهذا ما تتمناه لرفيقاتها السابقات ولـ4,5 مليون من النساء الذين يمارسون الدعارة إلى اليوم في العالم.

توصيات تقرير UN WOMEN

1) إنشاء قوانين عابرة في فلسطين من أجل تجنب اللاحماية للنساء العاهرات و معاقبة هذه الجريمة التي يعانون منها قبل وبعد الإستغلال.

2) تقوية دور المرأة في سوق العمل الفلسطيني, ليمنع لجوئهن لممارسة الدعارة للحاجة و يجب فتح طرق لمهن تقليدية للرجال, وإبتكار أخرى جديدة.

3) تدريب رجال الأمن ليشرفوا على الضحايا, ومنع إستغلالهن ونقلهن الغير مشروع.

4)وضع خطة وطنية ضد العنف الجنسي,والمنزلي, والدعارة المجبرة والإتجار بالبشر.

5) تقوية المساواة في التربية وفي القيم حتى لا تتكرر في البالغين هذه النماذج من الظلم والعنف,وبشكل خاص في المناطق الريفية والمناطق المفككة.

6)تسهيل الوصول إلى المعلومات حول الإيدز وتأمين فحوصات خاصة وأمينة.


المحررة: جوديت برات / Judith Prat

المترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

سرقسطة

في “ثاراغوثا” (سرقسطة) مجموعة من المغاربة متأصلين منذ سنوات في اسبانيا, حيث كانوا يعيشون  ويعملون, وجدوا انفسهم مجبرين على العيش تحت جسر نهر الإيبرو, حيث كانوا عرضة لهجمات العرقيين (من يكره الأجانب) ومن السرقة, في نهاية المطاف” مخاطر العيش في الشارع”.

في ثاراغوثا مجموعة من المغاربة متأصلين منذ سنوات في إسبانيا, حيث كانوا يعيشون ويعملون تحت معاييرالشرعية المتطلبة في بلدنا, دُفِعوا إلى العيش بدون استقرار وهشاشة بسبب فقدانهم وظائفهم وبذلك فقدوا إمكانية الحصول على مأوى يعيشون فيه.

مكان إقامتهم الآن هو جسر قرب نهر الإيبرو في الحديقة العامة (حديقة برويل) داخل عاصمة أراغون, حيث نظموا مخيما وجهزوه بفرش وبطانيات وخيام وجميع تلك الأشياء التي تحميهم من برد شتاء ثاراغوثا القارس. لكن الجسرليس بإمكانه حمايتهم من هجمات المجموعات المعادية للأجانب وسرقات وسطو في الليل, وفي نهاية الأمر مخاطر العيش في الشارع.

لم يكن من السهل على أي واحد منهم التكيف مع هذا النمط الجديد من العيش ولا استيعاب ما حدث لهم بعد مرور سنوات من الجهد والعمل لتحقيق حياة كريمة في بلدنا, الأن فقدوا كل شيء ومجبرين على العيش في الشارع, أمام عدم وجود جهة عائلية أواجتماعية تدعمهم, مما أدى إلى زيادة أعداد المستبعدين من النظام الإجتماعي.على الرغم من كل هذا فهم يواجهون مشاكلهم بكرامة محافظين على نمط حياتهم اليومية كنوع من عدم الوقوع في اليأس أوالعزلة الاجتماعية المطلقة.

نهر "ويربا" والذي يصب في نهر "إيبرو" عند مروره بمدينة سرقسطة. مجموعة من المغاربة أنشأوا مكان إقامتهم تحت أحد جسوره. عبد النور يغتسل بجانب النهرفي الجانب الأكثر إنارة من الجسر.

نهر "ويربا" والذي يصب في نهر "إيبرو" عند مروره بمدينة سرقسطة. مجموعة من المغاربة أنشأوا مكان إقامتهم تحت أحد جسوره. عبد النور يغتسل بجانب النهرفي الجانب الأكثر إنارة من الجسر.

بعض الشباب لم يكونوا يمتلكون ولا حتى فراش يعزل عنهم برد ورطوبة التربة, فقط بطانية واحدة يستعملونها لحمايتهم من ليالي الشتاء وبردها القارس حيث أن درجات الحرارة في أغلب الأحيان تكون تحت الصفر.

بدأت مجموعة من الشباب يتحدثون فيما بينهم لينظموا الواجبات اليومية في صباح هذا اليوم

على الجسر تستيقظ المدينة, والضباب يحيط ما حول النهر في "حديقة برويل"

البرد واليأس يترك أثره في إرادتهم واللجوء إلى النبيذ لا مفر منه لبعضهم.

عيد الأضحى. الشباب يجهزون طعاما تقليديا لإحياء العيد بعيدا عن عائلاتهم.

بواسطة غصون رطبة يشعلون النار للطبخ والتدفئة .

تحضير القهوة المغربية هو شبه طقس خاص.

السمر مع فنجان قهوة وبعض الألعاب يساعدون على قضاء المساء

أحيانا, يستطيعون الاستفادة من الخدمات التي يقدمها مأوى البلدية, والذي يقع بالقرب من الجسر الذي يعيشون تحته, في “حي ما دالنا”.دوشا يومية, بطاقة طعام لـ30 وجبة كل ثلاثة اشهر وست أيام للنوم كل ثلاثة أشهر أيضا.ومع ذلك, حياتهم اليومية تجري بشكل أساسي تحت الجسر. هناك, ينامون ويطبخون ويغتسلون ويحفظون أمتعتهم الشخصية ويتعايشون في جماعة. الجسرهو بيتهم الآن.

مقابل استحالة وجود عمل, تعتمد معيشة هؤلاء الأشخاص على جمع أي نوع من الأشياء المرمية في حاويات القمامة, لمحاولة بيعها في السوق السوداء والذي ينظم بشكل تلقائي في ليلة يوم السبت إلى يوم الأحد, في موقف السيارات القديم لـ”معرض سرقسطة العالمي 2008″, قبل أن يبدأ السوق التقليدي ليوم الأحد.فجرا أوفي الساعات الأولى صباحا, الشرطة المحلية تدخل في هذا السوق المؤقت لاخلائه, باجراء عمليات تعرف على البائعين المؤقتين وتصادر أمتعتهم الشخصية وأحيانا تفرض عليهم غرامات مالية بحجة البيع الغيرالمشروع. والنقود التي يكسبونها من البيع لا تزيد على 30 يورو وهو الدخل الاقتصادي الوحيد والذي يجب أن يعيشوا عليه طوال الأسبوع.

وفي بعض الأحيان, مبارة كرة القدم هو أفضل علاج للشعور بالدفئ.

في فجريوم الأحد يتجهون إلى الطرف الآخر من المدينة بعرباتهم وحقائبهم المليئة بالأشياء المجموعة من حاويات القمامة حيث يمكنهم الحصول على شيء من المال مقابل ما يبيعون في السوق المؤقت.

موقف السيارات القديم لـ"معرض سرقسطة العالمي 2008", في هذه المنطقة كثيرمن البائعين المؤقتين يتقابلون ليلة يوم السبت إلى يوم الأحد قبل أن يبدأ السوق التقليدية المعتاد يوم الأحد. في خلفية الصورة تظهرلنا حداثة المدينة بمبانيها الرائدة: جسر الالفية الثالثة وبرج الماء.

البرد والتعب يزدادون مع تقادم الليل. البيع أحيانا لا يكون بشكل جيد.

على جنبات “حديقة برويل” في حي “مادالنا”, عمليات التعرف على المهجرين من قبل الشرطة الوطنية مستمر. بعضهم يتعرضون لإبراز وثائقهم مرتين أو3 مرات يوميا, ويستفز في نفسهم شعور دائم بالملل.تحت الجسر, دوريات الشرطة وعمليات التعرف تتم بشكل يومي, أحيانا في الليل, ويجبرونهم على الخروج من السرير لعرض وثائقهم.لذلك فإن من أكبر اهتماماتهم الحفاظ على سلامة تصاريح الإقامة وعدم الوقوع في حالات مخالفة والتي ستعقد أكثر معيشهم في إسبانيا.

في الساعة الثامنة صباحا, وصلهم خبرا بوصول الشرطة مما اضطرهم لجمع اغراضهم بسرعة, بينما يسرع المشترون في الدقائق الأخيرة لمحاولة الحصول على أحذية مستعملة بأرخص سعر أو حتى أخذهم دون أن يدفعوا شيئا.

كثير من الباعة يضطرون أن يتركوا بضائعهم بينما تعمل الشرطة على إخلاء السوق, وبهذا يتفادون مخالفة البيع الغير المشروع. في خلفية الصورة رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية يخرجون للبحث عن الأشخاص الذين فروا ببضائعهم.

بعد الإخلاء, تبدأ عمليات التعرف على جنبات السوق

خدمات البلدية للتنظيف ترافق شرطة البلدية وكل الأشياء المصادرة ترجع إلى حاويات القمامة.

تعرضهم الدائم لعمليات التعرف من قبل الشرطة المحلية والوطنية يجبرهم على عرض رخص الإقامة كي يثبتوا إقامتهم في بلدنا.

المأوى البلدي يمنحهم إمكانية الدخول مرة واحدة في اليوم للاستحمام.

إن تناول الغداء والعشاء والنوم محدودة في المأوى البلدي

صورة قديمة لأبيه المتوفى يحتفظ بها مصطفى وهي التذكار الوحيد الذي بقي له من عائلته.

عند حلول الليل هو وقت العودة إلى الجسر حاملين معهم مرأة ربما يستطيعون بيعها في السوق الأسبوع القادم.

وقبل النوم, عبد النور يكتب رسالة إلى عائلته في الجزائر.

في هذه الرسالة, عبد النور يشرح الحالة الصعبة التي يعيشها في إسبانيا.

وعلى الرغم من الحالة الصعبة التي يعانون منها يحاولون البقاء متحدين, مع البقاء على اتصال مع عائلتهم في بلدهم الأم واتخاذ كل التدابيراللازمة للحفاظ على رخص الإقامة على أمل أن تتغير الظروف الاقتصادية ويعودون إلى أعمالهم وإلى حياة كريمة وأفضل.