الصحافة الإنسانية

الجزء الرابع من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

المصدر الوحيد للصور من سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطن حتى تستعمل في انترنت ونشرها إلى كل العالم.

مواطنين مثل بلال حسين, عيد أبو صالح وغيرهم كثيرون تعلموا بأنه بدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. هذه هي قصتهم .

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

أحد المواطنين يقوم بتصوير القصف على منازل الأهالي في مدينة حمص. (صورة من يوتوب)

الصور التي افتتحت بها قناة الجزيرة أخبارها مساء الاثنين الماضي كانت مريعة بشكل صريح. عدة من الأهالي راقدين في الشارع الضيق لباب عمرو الذي قصف حديثا من قبل المدرعات. كلهم أموات, واحد منهم رأسه مفتوح, آخر فارق الحياة قابع بجانب الجدار, و واحد ممددا في الشارع وحوله بركة كبيرة من الدم, فيما بعد مشاهد المدرعات وهي تقصف المدينة, يعطينا فكرة واضحة عن أبعاد هذا الإعتداء, بعدها بلحظات مشاهد عن المستشفى الميداني في حمص والذي أخمد همة المشاهدين العرب.

YouTube Preview Image

صاحبة هذا الريبورتاج الصحفية مونيكا بريتو مراسلة الصحافة الإنسانية برفقة أحد المواطنين في حمص يتجنبون طلقات جيش الأسد عندما كانوا يحاولون عبور الشارع والذي كان يطاردهم بنار من قبل القناصة والجنود. هذا الفيديو صور خلال عيد الميلاد 2011 من قبل إحدى كاميرات المواطنين.

في المكاتب الذي يعيش فيها الصحفيون المواطنون في باب عمرو حيث يشاهد بإنتباه الأخبار العالمية وليس فقط للحصول على معلومات بل ليتعلموا من أخطائهم. “أحسنت يا بلال”, هذا كان التعليق على أول فيديو بينما كان صاحبه قبل ساعتين مصدوم لرؤية المجزرة, أما الآن فيشاهدها ببرودة الجراح. “لاحظ عيد مشاهدك للمدرعة” وعيد الذي لا يزال يتألم من قدميه من جراء جريه طوال اليوم ليلتقط الصور التي تبين قمع الجيش السوري ضد الحي الذي يسكن فيه ويبتسم عندما يتعرف على صوته من خلال الفيديو. حسين قضى كل اليوم في المستشفى لكنه يرى معوضة ساعات من التصوير مقابل ثواني من عرضها في الأخبار, وكما يحصل مع أبو صالح الوجه المعروف لباب عمرو وهو المواطن الوحيد الذي إختار اظهار وجه من أجل أن تحظى القنوات العربية لمراسل فوق الأرض مباشرة.

YouTube Preview Image

المدرعات تطلق النار في حي باب عمرو, حمص, 26 ديسمنر 2011 (فيديو محمل على اليوتوب من قبل SyrianSolidarity)

المصدر الوحيد للصور في سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطنين لتغذية وسائل الإعلام الدولية. هؤلاء المواطنون الذين اختاروا توثيق الثورة مستعملين انترنت لنشرها إلى كل العالم. عندما منعت دمشق وسائل الإعلام والصحفيين من دخول البلد لم يكونوا يتخيلوا أن خيال النشطاء سوف يعوض عمل الصحفيين. مواطنين مثل بلال, حسين, عيد أبو صالح, وغيرهم كثيرون تعلموا في الحال أنه بدون مخبرين لن يراهم أحد, وبدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. “لقد حدث لنا هذا في ثورة حماة عام 1982″, يشرح عيد. “لم يكن هناك صحفيين والناس لم تكن تملك آلة تصوير أو كاميرا ولا انترنت, فلم يعلم أحد بما جرى إلا بعد عدة شهور, ولهذا نعتبر أن الصور والفيديو هو السلاح القوي ضد بشار الأسد.”

YouTube Preview Image

قصف في باب عمرو يوم اليوم الثاني من عيد الميلاد . 26 ديسمبر 2011 (من قبل MsHotspeed)

عيد يؤكد أنه في بداية الثورة كان عليه أن يختار بين شراء سلاح أو فيديو كاميرا, فاختار الثاني. لم يصور في حياته أحدا سوى في المناسبات العائلية وبواسطة الهاتف المحمول, لكنه اجتهد في التعلم الذاتي والفضل يرجع إلى الانترنت بالإضافة إلى الصحفيون القلائل ومهنيون في التلفزيون الذين مرروا في باب عمرو, هم علموني أيضا بالإضافة إلى الجهد الذي كنت أضعه لأتعلم منهم. الآن تعلمت تصويرعدة لقطات من كل حدث والتحلي بالصبر حتى العثورعلى أحسن لقطة”.

في البداية لم يكونوا أكثرا من خمسة جيران الذين استعملوا كاميراتهم لهذا الغرض لكن بدأ عددهم يتزايد حتى وصلوا الآن إلى 12 صحفي مدني في هذا الحي. أناس ملتزمون في الثورة التي تحتاج إلى شيء أكثر من التظاهر. كل حي في كل مدينة ثائرة لها طاقمها الخاص من الصحفيين الأهليين الذين كرسوا حياتهم لإيجاد دلائل تثبت القمع الذي يمارسه النطام.

YouTube Preview Image

وصول امرأة جريحة بشكل خطير إلى المستشفى السري في باب عمرو, حمص. 22 ديسمبر 2011 (من قبل Live 19820)

“في منزلي كانوا يتكلمون عن اسقاط الديكتاتورية منذ أن كنت طفلا”, يشرح لنا بلال. “ولهذا استلزمت الخروج في المظاهرات منذ أن بدأت. في البداية كنت أنقذ الجرحى الذين تلقوا طلقات رصاصية من طرف النظام. لكنني كنت أرغب عمل أكثر من ذلك وكنت أفكر دائما أن العالم يجب أن يكون على اطلاع بما يجري. حينئذ التقيت مع عيد وأعطاني كاميرا سوني. هذه الكاميرا التي تحولت إلى رفيقتي الدائمة. لا أتركها ولا للحظة مكرسا حياتي لوضع الثورة السورية في القنوات العربية.”

ومنذ ذلك الحين يعيش بلال مع عشرة ناشطين / صحفيين في المعسكر العام داخل باب عمرو. عدة غرف حيث يوجد شاحنين البطاريات, الهواتف المحمولة مفتوحة دائما, عشرات من الحواسيب تتزاحم المكان مع منافض السجائر المليئة باعقابها وكاسات الشاي المنتشرة في كل مكان مع القهوة العربية.

YouTube Preview Image

القصف في العيد . بعض النساء و الأطفال يصرخون خلال سماعهم سقوط الصواريخ على الحي. 24 ديسمبر 2011 (من قبل 999mahony)

هذه المنظمة تذكرنا بوكالة أنباء. عيد يوزع كل يوم أصدقائه المصويرين الأهليين على المناطق مبتدأ بنفسه تاركا أخطر مهمة له بالذات, ويترك خمسة من أعضاء المجموعة مسؤولية الإتصال مع وسائل الاعلام العربية والعالمية لنشر كل المعلومات عن الوضع العام واحصائيات الشهداء والجرحى, يستعملون الهواتف المحمولة من أجل تنظيم حركتهم حسب تطور الأحداث.

بلال مثل الآخرين يستطيع التقاط خمسة إلى سبعة فيديو في اليوم, عيد علمني كل ما أعرف والباقي تعلمته من التجربة اليومية. لقد تعلمت عدم اقترابي كثيرا من الهدف ولقد كلفني كثيرا فهم أنني لا أستطيع عرض مشاهد قاسية جدا ومن الأفضل عرض عواطف وهذا شيء صعب في مكان مثل سورية حيث الأهالي يرفضون التصوير لخوفهم من التعرف عليهم وبالتالي القبض عليهم من قبل النظام ومن هنا جاء تخصص الصحفيين الأهليين في حمص إلى البحث عن منظر عام لكاميراتهم وبدون تمييز ملامح الوجوه.

YouTube Preview Image

امرأة تبكي وهي تداعب وجه زوجها الشهيد. (من قبل SyrianDaysofRage)

إذا كان لأحد الصحفيين حماية عبر الكاميرات مقابل الحقيقة التي يواجهونها, لكن هؤلاء الصحفيين الموطنين لا يضيف عليهم أية حماية على العكس تماما “لو وجدوني مع الكاميرا لقطعوني قطعا صغيرة ويعملون سلطة مع الباقي”, يقول بلال وهو يضحك بصوت عالي. “هذه الكاميرا تجعلني موضع المطلوبين من النظام لأن النظام يعتقد أنها سلاح تهديم شامل”.

عدة كاميرات يصورون مظاهرة من شرفة في حمص, سورية. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

زميل له يتذكر كيف أنه في الهجمات الأولى للجيش في شوارع باب عمرو حجز الجنود على الكاميرات التي وجدوها.”امتلاك كاميرا أو بخاخ دهان ممنوع في حمص وهي جريمة امتلاك هذه الأشياء”, يقول لنا ذلك وهو يداعب كاميراته الحمراء.

YouTube Preview Image

باسل السيد يصور لحظة موته. 28 ديسمبر 2011 (من قبل syriapioneer)

وأن الخطر الذي يتعرضون إليه هو محتم. إن آخر العيون الثورية التي أغمضت بعيار ناري كان لباسل السيد, واحد من المصويرين في مجموعة عيد, كان يصور الثلاثاء الماضي في احدى نقاط التفتيش في مدخل باب عمرو عندما أطلق عليه القناص النار في رأسه.

باسل السيد

هذا اليوم كانت الهمة منخفضة جدا في مكتب الناشطون, لكن ولا واحد منهم شك ولو للحظة وضع كاميراته في جيبه والخروج مثل كل يوم إلى التصوير.

باسل السيد لم يكن الضحية الأولى التي عانت منها مجموعة المواطنين الصحفيين الاخوية والتي انبثقت في جميع سورية. عبد العزيزالنجار تلقى طلقة نارية في رأسه عندما كان يصور جنود سوريين معتليا أكتاف عيد وبمعجزة إلاهية بقي حيا وهو الآن يتلقى العلاج خارج سورية وهو في تحسن مستمر من جراحه الخطيرة. وأفضل صديق له إسمه أبو صلاح, عمره 26 سنة, منذ شهر تقريبا قرر الانضمام إليهم ليسجل بواسطة كاميراته جميع ما يجري من الحوادث واعطاء وجها واضحا للثورة.

المخبر المواطن أبو صلاح في مكتبه السري في حمص. دسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

اليوم وجهه صار معروفا في العربية, الجزيرة, وفي قنوات كبيرة عربية أخرى ينقل لهم من البيوت المهدمة بمدافع النظام, من الجوامع, حفلات تأبين الشهداء من المظاهرات يحمل معه دائما الكاميرا ومسلح بهاتف محمول فضائي, يعمل في نفس الوقت كصحفي حرب عن قناعة. “كنت من الأوائل الذين بدأوا بتصوير فيديو لأنني كنت أريد توعية الناس واطلاعهم على ما يجري في سورية. بدأت التصوير بهاتف محمول عندما كانوا كلهم خائفين حتى استطعت الحصول على كاميرا. الآن قررت تغيير العمل, يجب علينا تحمل مسوؤلية عرض ما يجري إلى الوسائل الإعلامية الأجنبية.

YouTube Preview Image

يوم عيد الميلاد. دبابات جيش الأسد يطلقون النار على حي باب عمرو. 25 ديسمبر 2011. (من قبل SyrianOgerm)

أبو صلاح نجى من الموت أربعة مرات.”مرتين اطلقوا علي النارعندما كنت أصور, ومرة ثالثة حاصروا البيت في حي الإنشاءات الذي كنت أقيم فيه ومرة أخرى هاجموا منزلي والسبب أنهم اكتشفوا موضعي عبر الفيديو الذي كنت أصوره”, يشرح لنا هذا قاصدا المخابرات السورية.”لقد فات الأوان, فهم يعرفون من أنا وإذا وجدوني أعلم أنها ستكون النهاية, لكن الثمن الذي يدفعه جيراني مرتفع جدا ويجب أن أكون على مستوى تضحياتهم”.

وهذا كان السبب الذي جعله يقرر الظهور ووضع وجه واضح للثورة. الآن كل سورية تعرفه كما أن كل البلد تعرف اسم محمد فرزال الجدبان, مصور أهلي من القصيرالذي اقتلعت قوات الأمن عينيه كرسالة مباشرة “يعذبون كل رجل يشارك في الثورة, لا أحد في مأمن في سورية“.

YouTube Preview Image

نخبة من أعمال المصورين  في باب عمرو حتى نوفمبر 2011

يوجد كثيرون بين الجرحى من المصورين وكثيرون قتلهم النظام لأنهم نشروا في انترنت الجرائم الذي يرتكبها الدكتاتورية, والغزل مع الموت دائم وليس دائما لبحثهم عن مقاطع لحوادث القمع والتعدي العسكري من قبل نظام بشار الأسد. يوم الإثنين بعد الظهر في إحدى عمليات القصف الشنيع ضد باب عمرو وقعت قذيفة فوق البيت المجاور للمنزل الذي يستعمله النشطاء, اهتزالبناء بشكل عنيف عندما كانوا معظمهم يحملون أشرطة الفيديو على انترنت في غرفة من الداخل وهي الأكثر حماية: الإنفجار صم الآذان وبشكل تقليدي أفرغت الصالة في الحال وعندما كانوا في المدخل بدأ عيد تنظيمهم. “هلموا أريد واحد في البيت المقذوف وأخر في الشارع, نحن بحاجة لتصوير أثار القذف من الخارج أيضا, ماذا تنتظرون؟

YouTube Preview Image

اليوم الثاني من أيام عيد الميلاد عدة مواطنين يرقدون في الشارع بعد قصف الجيش في باب عمرو (من قبل syrianOgerm)

والشيء الوحيد الذي يرونه صعبا هو الحفاظ على الهدوء والدم البارد أمام موت الجيران والأصدقاء. “البارحة تركت التصوير مجبرا”, يشرح لنا بلال “ففي القصف المدفعي على الحي وقعت خمسة ضحايا أربعة منهم أطفال في بيت من باب عمرو. “كانوا أولاد عمي“, لكن هذا لا يدعهم التخلي عن مرادهم. يخططون تحسين أجهزتهم. كاميرات التصوير , وبشكل دائم يعملون على تحديث المحافل في الشبكات الاجتماعية حيث يعلقون هناك التسجيلات التي يصورونها وبهذا يحافظون على إعلام الجميع.”بدون الكاميرات لم نكن نصل إلى ما نحن عليه الآن”, يقول عيد باقتناع.

مواطنين في حمص يعبرون الشارع تحت القصف الشديد من قبل جيش الأسد. ديسمبر 2011

“إن هدفنا هو أن يرى كل العالم ما يحصل في سورية بحيث أن لا يستطيع اغلاق عينيه وبحاجة ملحة أن يراه. نحن نشعر بالوحدة في هذه المعركة”, يقول متأسفا عمر شاكر وهو ناشط آخر مكلف بنقل الأحداث باللغة الإنكليزية إلى وسائل الإعلام الأجنبية وعن ما يحصل في الحي.” لم نكن نستطيع القضاء على بشار لولا كاميراتنا “,يلخص لنا عيد.


الأزمة الناجمة عن السلطات الألمانية لإشارتها أن خيار ألمرية هو مصدر وباء (بكتيريا الكولون) Coli.E  أطلق العنان لموجة من السخط و الوطنية في المجتمع الإسباني, وخاصة في بعض وسائل الإعلام.

إن معظم هذه الخضروات تزرع في هذه المحافظة من قبل المهاجرين الذين يعملون في كثير من الحالات, تحت ظروف من العبودية الحديثة.

المحررة: باتريثيا سيمون (Patricia Simón)

صور: خابير باولوث (Javier Bauluz)

ترجمة: ليلى محرم (Laila Muharram)

كوخ في وسط البيوت المحمية في المرية ( Javier Bauluz/Piravan )

أكواخ في وسط البيوت المحمية في المرية ( Javier Bauluz/Piravan ) صور مأخوذة من Hipstamatic for iPhone, Lens:John S Flash: Off film: Claunch 72 Monochrome

آلاف الكيلومترات من طرق ترابية محاطون بجدران من البلاستيك التي تسمح بدخول النور الكافي من أجل زراعة تجارية تدر 2000 مليون يورو سنويا و بنفس الوقت, تخفي استغلال لآلاف من الأشخاص وهم الذين يجعلونه ممكنا. الأربعين درجة حرارية تحت شمس حارقة حيث تصل أحيانا إلى خمسين درجة داخل هذا البحر من الخيام البلاستكية التي تغطي معظم مقاطعة المرية, أكثر من 350 كيلومتر مربعا والذي حول هذه الحدود الجنوبية لأوروبا إلى مخبر صناعي,إقتصادي و إجتماعي.

لقطة شاشة لمقاطعة المرية مغطاة ببيوت محمية في Google Maps.

الغبار الذي سببه السيارة الذي زاد على طبقات عديدة منه فوق البلاستيك بالإضافة لتأثيير  المضرر لأشعة الشمس, يجبر تغييره سنويا من طرف هؤلاء الرجال الذين نشاهدهم متسلقين على سلالم و دعائم, ونستطيع العثور على بعض الإسبان الذين مازالوا يعملون هناك. اللائحات الوحيدة التي نجدها منشورة على حافة الطريق معلنين: “باذنجان شقيرة: فعال, جهدعالي ومتناسق.” أو “فليفله كاليفورنيا نضوج أحمر من أجل زرع متأخر”, هذه بعض الأنواع الجديدة لهذا الموسم. في هذه الخلية الشوراع ليست لها أسماء ولا حتى إشارات تدل عليها في أعين الزائرين, لكنها مليئة بها بالنسبة لسكانها مثلا وعلى منعطف الزاوية واحد من أكوام الزبالة يخترقه درب أخضر, آت من كوخ من الخشب معلنا. أننا وصلنا إلى احدى المراكز المتشرة لاكثر من 100 مركز لهذه الأكواخ في هذه المحافظة والذي يعيش بها هؤلاء العمال في وضع بائس.

حكيم واحد منهم, خرج لإستقبالنا يرافقة بعض الرجال المغاربة ففي خلال الثلاث سنوات الفائته التي بدأو فيها تعمير هذه الملاجئ من بقايا خشبية وبلاستيكية الموجوده ناتجة عن مليونان ونصف طن من النفايات في السنة الواحدة. ومن هذا المرتفع فإن النظر يضيع في الأفق لكن مع العلم أن في أحد النقاط يلتقي مع البحر الأبيض المتوسط, والذي يفصل بينهم وبين بلدهم ما يقارب 200 كيلومتر, يغوصون تحت مياه محيط آخر باذلين كل ما في وسعهم من أجل لقمة العيش.

هيئة الشورى للزراعة وصيد الأسماك في مجلس الأندلس

يحيون بشكل ودي لكن جديين, الساعة الآن الحادية عشرة صباحا وهم لا يعملون وليس بالشيء الغريب, إن الازمة في آخر شهر مايو عند إتهام السلطات الألمانية بأن مصدر الوباء لبكتريا الأمعاء هو المرية, وأكثر من ثلاثين شخصا فقدوا الحياة, وحوالي 3000 مصاب حسب المركز الأوروبي لمراقبة الأمراض. أنهارت صادرات ألمرية بالإضافة إلى إنتهاء موسم الطماطم والبطيخ الأحمر وهم من أهم المنتجات في المنطقة. سافر حكيم من طنجة حتى برشلونة مختبئا تحت سيارة شاحنة عندما كان في التاسعة عشرة من عمره, إستغرقت الرحلة يومان تقريبا, متغلبا على وزنه وعلى حرارة المحرك والخوف من الوقوع والموت مندهسا, وهذا عن بعض الذكريات الذي تعلقت بذاكرته, هو من مئات الشباب الذين وصلوا بهذه الطريقة إلى شبه الجزيرة, لكن بعضهم لاقى حتفه في هذه الرحلة.

حكيم في الكوخ مع ابن عمه وصديق له.(Javier Bauluz/ Piraván)

حكيم عمره 20 سنة, ابتسامة على وجهه تخفي واقع مرير: “والدي نصحني في البقاء لكنني كنت أرى كثير من الأصدقاء يعودون إلى المغرب في سيارتهم الخاصة, مع مال وبيت, وأنا كنت أريد ذلك. نحن نسمع أن الأحوال ليست على مايرام ولكننا نريد فقط إسبانيا.”

نحن في كوخ حكيم المزري والذي يشاركه فيه ابن عمه وصديق آخر. هي نفس التربة التي لا تلمسها المزروعات إلى قليلا في هذه البيوت المحمية في ألمرية. الجدران من الأخشاب و البلاستيك الفائض. وأزيز الذباب الذي لا يتحرك حتى ولو طالته الأيدي, يضفي جوا مشحونا: “وعندما يحتاجون إلى عمال يأتي المسؤول ويختار خمسة أو ستة عمال, نذهب إلى البيوت المحمية وعمل عمل عمل, نجني بطيخ وطماطم, نقتلع الحشائش وهكذ خلال ثمانية ساعات وعند الإنتهاء يدفعوا لنا 20,25 يورو, بدون عقد ولا أي شيء”.

عند حلول العصر تمتلئ طرقات ألمرية بالدراجات, وهي الوسيلة الأكثر استعمالا للتنقل من قبل العمال. وما نراه في قاع الغرفة هو مطبخ كوخ حكيم. (Javier Bauluz/Piraván)

وهنا تبدأ واحدة من تلك الشوارع بدون مخرج التي تحتوي على آلاف الأشخاص في الخفاء, خارج القانون. ليس عند حكيم عقد عمل ولهذا السبب, لا يستطيع أن يطلب بطاقة الإقامة على الرغم أنه مؤهلا لها لحوزه المدة القانونية وهي ثلاث سنوات منذ أن جاء إلى إسبانيا وهي المدة التي يحددها القانون. لكن لعدم حصوله على الإقامة, لا يستطيع سوى البقاء في الخفاء. والخوف المشل الدائم لتعرضه إلى الطرد بعد عناء سنوات طويلة. وهذا ما يعرضه أيضا إلى الاستغلال الذي يمارسه بعض رجال العمال والمزارعين. وحسب الإتفاقية الاخيرة الموقعة بين هؤلاء وبين النقابات تعين 44 يورو الحد الأدنى لأجور عمل ثماني ساعات لكن بين العمال الذين إستطعنا التكلم معهم قالوا أن العامل الروماني هو أفضل العمال أجرا, والأجور المتوسطة تصل إلى 35 يورو وحسب حكيم ومصادر أخرى فإن اسوأ الأجور تدفع لعمال جنوب الصحراء الكبرى وهم الذين يشكلون المنافسة الغير شرعية: “العمال السود يعملون بعشرة أو خمسة عشر يورو. ولكن عندما الطماطم تساوي كثيرا حيث يدفع من 70 أو 80 سنتيم لكل كيلوغرام. المزارع يربح ما يعادل 5000 أو 7000 يورو لكل شاحنة, ونحن نجني ما يعادل شاحنة واحدة كل ساعتين أو ثلاث ساعات ويدفعون لنا تسعة يورو”. أرقام تأخذ بالصعود للأرباح تدريجيا حتى تصل إلى طاولة المستهلك حيث يصل سعر الكيلو من الطماطم في سوبرماركت أكثر من1,50 يورو.

YouTube Preview Image

بينما السلطات العامة ومنظمات رجال الأعمال الزراعية يؤكدون أن نسبة البطالة في ألمرية هي نفسها الموجودة في بقية المناطق. لكن أزمة الخيار كشفت التناقضات بين الأرقام الرسمية وما يزعم, إن مقارنة المعطيات الرسمية تكشف عن واقع غير حقيقي. أسبانيا هو ثاني بلد مصدر للفواكه والخضروات والبقوليات في العالم وألمرية هي ثالث مقاطعة في الأهمية لهذه المنتوجات بعد مورثيا وفالنسيا: بالنسبة18,3 % من المجموع العام للبلد. في عام 2010, بلغت الصادرات 3,7 مليون طن حسب معطيات التعاونيات وبقيمة 3.640 مليون يورو. في الحالة الخاصة للخيار والخيار الصغير الناتج في هذه المقاطعة ما يعادل 87%, يساوي 450.000 طن صدروا إلى الأسواق الأوروبية في عام 2010, معظمهم إلى ألمانيا, وحسب تقارير من الجمارك في نفس العام وهو قطاع مهم في الإقتصاد الإسباني, وحسب الإتحاد الإسباني للجمعيات والمنتجين لصادرات الفواكه والخضروات, عانت خسارة أسبوعية 200 مليون يورو خلال أزمة الخيار.

المنتجات الزراعية مصدر: مجلس المستشارين للزراعة وصيد الأسماك في مجلس الأندلس.

ونتيجة لكل هذا فإن نقابة إتحاد العمال العامة “UGT” واتحاد العمال الزراعي “FITG” تأسف لأن 50.000 عامل إسباني تضرروا من هذه الأزمة, لكن المؤشرات الرسمية لوزارتي العمل والداخلية الذين أعلنوا أن البطالة في شهر تموز (يونيو) من عام 2011 ارتفعت 390 شخصا فقط بالنسبة للشهر الفائت, وإذا شملنا أيضا قسم الخدمات والذي يضم المعالجة اليدوية أو النقل لهذه الأغذية يرتفع إلى 1162 عاملا عاطل عن العمل.

بيوت خشبية في منطقة صناعية مهجورة (Javier Bauluz/Piravan)

وكلا الرقمين لا يصل إلى ما وصل إليه شهر تموز (يونيو) لعام 2010, شهر تنتهي فيه مواسم مهمة ولهذا ترتفع فيه البطالة, لكن نزيد على ذلك أن هذه السنة ارتفع الانتساب بحوالي 1000 شخص إلى الضمان الجماعي في فرعها الخاص بالزراعة, وقد تحول من 40.800 إلى 41.900 عاملا في هذا المجال. وهذه الأرقام من الصعب حصرها في هذه النكسة الإقتصادية بحيث أن طنان من الخضروات كانت تنتهي يوميا في صناديق القمامة, هذا بالإضافة إلى المعلومات الواقعية ومجموع الشكاوي التي كان ترتفع خلال سنوات من طرف منظمات غير حكومية ونقابات مثل “عامل الحقل”, يحملنا على التأكد بأن آلاف من الأشخاص يعملون بدون عقد عمل في هذه المقاطعة.

الخلاصة أن آخر الإحصائيات البلدية لعام 2010 يوضح أن عدد الأجانب المسجلين في سجلات البلدية في مقاطعة ألمرية ارتفع إلى تسعة مرات في السنوات العشرة الأخيرة. من 15.000 مقيم في عام 1999 إلى 170.000 مقيم جديد في عام 2010, منهم 128.000 أجنبي من هؤلاء 65.000 من بلاد الإتحاد الأوروبي (28.000 من رومانيا) والنصف الآخر 38.000 من المغرب, 19.000 من أمريكا اللاتينية, 13.000 من جنوب الصحراء ومن بلاد أوروبية من خارج الاتحاد 5.200 و بهذا الترتيب, يعني أن ألمرية ازداد عدد سكانها ما يعادل 90.000 أجنبي قادمين من بلاد فقيرة ونسبة الرجال 65% إلى 75% . لكن عدد الإنتساب إلى النظام الخاص الزراعي هو 41.000 شخصا فقط وهذا يشمل الإسبان طبعا.

من أجل مقارنة هذه المعلومات اتصلنا مع ثلاثة من الجمعيات الرئسية للتجارة والزراعة في ألمرية. هم جمعية الشباب المزارعين في ألمرية(ASAJA) اتحاد صغار المزارعين (UPA) جمعية المؤسسات لجني المحاصيل وتصدير المنتجات للبقول والفواكه في ألمرية (CEOXPHAL) فقط الأولى ردت على أسئلتنا عبر فرعها الصحافي وعلى السؤال كم عدد الأشخاص الذين يعملون بدون عقد عمل في ألمرية الجواب الحاسم: “جوابي يجب أن يكون صفر”, حول الكمية التي تدفعوا كأجر يومي. الجواب من طرف  (ASAJA) لايزال يؤكد أن المبلغ المدفوع فوق 44 يورو وهو الذي يرد في الاتفاقيات, لأنه في بعض الاحيان يوفر للعامل سكن وطعام وشراب وهذه الخدمات لا تحسب.

Spitou Mendy في أحد مراكز SOC

سبيتو ميندي, شاب من السنيغال يحمل شهادة في علم اللغة الإسبانية وأستاذ في نفس اللغة في بلده, هاجر إلى أوروبا ” مثل الجميع لأننا لاجئين للحاجة المادية”, تحول إلى وجه معروف في السنوات الأخيرة وهو المتحدث بإسم نقابة عمال الحقل (SOC), حيث وضع نفسه وصوته لخدمة النقابة التي كافحت ضد الإستغلال ونقص الحقوق الرئسية لهؤلاء العمال, بعد أن رأى وأحس رائحة الفقر المقفع وكأنهم يعيشون في العالم الثالث, كأنهم أشخاص غير عاديين, يعيشون منعزلين لا يراهم أحد, وفي نفس الوقت متجاهلون من قبل السلطات, لكن أيضا الوجه الغني والمتطور الذي من حولهم أن الخطاب الكفاحي وبدون احتشام الذي يضعه وهو الوحيد الذي يظهر هذا الفقر الخانق لهؤلاء العمال. “إن قول المندوب الزراعي في مجلس الأندلس بأنه لا يوجد أشخاص بدون وثائق يعملون بها أو بدون عقد عمل مثلها مثل كل أوروبا… والذي يحدث أن هذه الأيدي العاملة ليست لها تكلفة مضافة, وهذا ما يسمى احتيال. إن الإدارة تساعد على إغراق هذا البلد. وأنا مواطن أجنبي يعرف كيف أشرحه وقوله للناس, يبدو لهم شيء غير معقول. ومن المستحيل أن يكون شخص مهاجر له القدرة والعمل على تحليل الوضع الإجتماعي.”

معلومات أساسية من الأندلس 2010 مصدر: هيئة الشورى للزراعة و صيد الأسماك في مجلس الأندلس.

ومن طرف أصحاب الاعمال من المزارعين, يجب أن نعتبر المخصوصيات للزراعة المكثفة. خوان مراجس رئيس ألمرية ترعى تحتوي على الصعوبات التي يجدونها عند التعاقد مع هؤلاء العمال: إن الاتفاقية المبرمة تحدد مدة التعاقد على أن يكون سنة لكن الزراعة هنا فصلية مع ارتفاع العمل في مدة زمنية محددة, بالإضافة إلى حدوث أشياء غير متوقعة مثل انتشار وباء أو الذي حدث مع باكتيريا الأمعاء (E Coli) مما سبب وقف العمل, وصاحب العمل يتعرض للمخالفات لأنه تعاقد مع عمال وبدون أجور. والمزارعين ليس من صالحهم الحوز على عمال وبدون عقد لأنهم يتعرضون لمخالفات قانونية تبلغوا 60.000 يورو ولهذا الحدود القانونية لا تتأقلم مع حقيقة هذه المزروعات.

هذا ما يحدثنا به أيضا أحد المزارعين عندما كان ينتظر مجموعة من الرجال والنساء الرومان من أجل جني محصول الباذنجان ما يعادل سيارة شاحنة من الباذنجان الجيد المتشابه, هو شاب يتمتع بعضلات رياضية, هو ابن مزارعين يحمل ليسانس في الكمبيوتر, وانتهى به الأمر على حمل مسؤولية التجارة العائلية (لأن هذا يجذبك في النهاية). الأرض مخططة ومقسمة إلى أقسام متساوية تحتوي على رتائل من المزروعات المتشابة وبنفس الحجم, متراصة بلون رصاصي, موضحا أنه لا يستعمل السماد الطبيعي في الزراعة, الزراعة المكثفة تعقدت كثيرا وبشكل ملحوظ في السنوات العشر الأواخر. هذه المقاطعة لم تلحق بالركب, حسب هذا المزارع “يبدو من غير المعقول عدم وجود شركات تمويل محلي للحصول على البذور والأسمدة, ولا حتى مصنع للمعلبات من أجل الطماطم المرضرض والذي يذهب إلى مورثيا أو فالنسيا من أجل تحويله إلى طماطم مقلي. ميكيل أنخيل يرى واضحا أن الخسائر الناتجة عن الاتهامات من طرف السلطات الألمانية سوف لن تعوض, ويزيد أن هذه ليست المشكلة الوحيدة, أحيانا يصل سعر المنتوجات إلى مستوى منخفظ لا يجدي عندها عرضها للبيع, مثلا سعر الباذنجان يصل إلى 10, 15 أو20 سنتيم عندها أتركها على حافة الطريق ولكن ليس لمدة كبيرة لكي لا نتعرض للمخالفة, ربما يلتقطها أحد.

في أحد المقالات المنشورة لعضو المجلس العلمي ATTAC غوستابو دوش حول وباء باكتيريا الأمعاء قال: “الموضوع هو تصميم وإنتاج شيء شبيه بالغذاء بأسعار منخفضة جدا من الناحية الإقتصادية و الإجتماعية مع نظام حفظ البيئة, لكن يجب عن تعطي أرباح عالية لأصحاب هذه التجارة. هذه الأغذية التي لا تعتبر ضرورية ولازمة, بل تفهم كأنها بضاعة وبدون أي تعليق. من أجل الحصول على هذه الأرباح يجب أن يكون نسبتها عالية. في حالة الخيار مثلا ففي حسابات دوش أن مجهود الزراعة والسقاية وجني المحصول يتطلب من المزارعين أو المزارعات, 0,17 يورو لكل كيلوغرام مباع بينما يصل إلى المستهلك بسعر 1,63 يورو لكل كيلو, هذا يعني ربح يزيد عن 800%.

شابة رومانية تجني الباذنجان في المزارع المحمية التابعة لميغيل أنخيل ( Piraván /Javier Bauluz).

يوجد ثلاثة صيغ للتجارة بالمحاصيل: بيعها إلى الموزعين مثل كاريفور أو ألدي حيث أنهم يسيطرون على 60% من هذه التجارة في الاتحاد الأوروبي, أو مباشرة إلى المحلات أو الجمعيات. ميغيل أنخيل سوف يبيع محصوله إلى شركة توزيع كان قد اتفق معها على السعر قبل الزرع. وهو أقل فيما إذا باعه إلى جمعية كعضو فيها, لكن هذه الطريقة تعطيه استقرار وأمن مسبقا: 30 سنتيم لكل كيلوغرام, في الأسواق سيباع بقيمة ما يعادل يورو واحد على حد وسط لكل كيلو. ثلاثة نساء ورجل رومان يجنون المحاصيل مع المزارع من أجل املاء سيارة شاحنة من الباذنجان “يدفع لهم 35 يورو مقابل 8 ساعات عمل, هنا تعمل اليوم وتقبض في نفس اليوم”.

من مجموع 210 ميليون يورو المساعدة التي قررها الاتحاد الأوروبي بعد الأزمة التي سببتها جرثومة الأمعاء. 37 منهم تذهب إلى رجال الأعمال المتضررين, مع أن الحكومة الإسبانية طلبت 71 على شرط عدم استلامهم أي مساعدة سابقة في مجال سياسة الزراعية المشتركة PAC  . حوالي 6500 مزارع استلموا 7 مليون يورو هذه السنة, حسب تقارير “ASAJA”, التجار المزارعين بدأوا باستلام القرار النهائي لكل واحد منهم, وعلى السؤال هل سيدفع للعمال قسم من هذه المساعدات, الجواب: “لا, العمال لهم وسائل أخرى لاستلام مساعدات لكن بدون شك فإن العمال الذين لا يحملون أوراق ثبوتية وبدون عقد عمل أي لم يعملون في تلك الأيام ولهذا لم يستلموا أي أجر وفي معظم الأحيان كانوا يأكلون برعاية الصليب الأحمر ومنظمات إنسانية أخرى, سوف لن ينالوا أي تعويض من هذه الكمبيات الطائلة من الأموال بل على العكس سوف تذهب تلك الأموال إلى أيدي التجار الذين يستعملون أيدي عاملة أشبه بالعبودية كما صنفت من طرف المنظمة المشهورة العالمية ضد العبودية. بما أن هؤلاء الصحافيين لمسوا هذا الوضع وبدون أي صعوبة, فبالأحرى أن يقوم بهذا الأمر وزارة العمل مثلا.

سطوح البيوت الخشبية المبنية في منطقة صناعية متداعية.(J.B./Piravan)

وهذا هو حال مجموعة من الرجال من الصحراء الجنوبية حيث يعيشون بجانب هذه القرية المعمولة من البيوت المؤقتة المتداعية لحكيم. يتشاركون في بيت بينما يقوم أحدهم بالطبخ ينتظر البقية جالسين على أريكة مهترئة وأخرين جالسين قرب الباب. مازلنا محاطين ببيوت بلاستيكية مع وجود بحيرة قريبة, يدعهم صاحبها استعمالها للشرب أو الاغتسال لكن هذا الماء غير صالح للشرب, ولهذا تراهم ينفقون كمية مهمة من دخلهم لشراء دوارق من الماء المعلب.

لا يريدون الكلام. منذ مدة لم يحصلوا على عمل وهم لا يرون ضوء في آخر النفق, ولا يعلمون بأحد استطاع الحصول على أوراق ثبوتية, طعامهم عادة يكون من الخضروات التي يجدونها على قارعة الطريق, أو يعطيها لهم أحد أرباب العمل, مثل هذا الوعاء الذي يحتوي مقليات من فلفل أخضر, بصل وطماطم, لا يستطعون إرسال نقود إلى عائلاتهم, الحر شديد في هذا الصالون المظلم, إنهم متعبون لعدم وجود عمل ومن العنصرية وهم آخر طبقات المجتمع.

النقابي سبيتو يستقبلنا في طابق أرضي محول إلى مركز SOC, في حي من الأحياء المحيطة لإخيدو, حيث أن هذه المنطقة عانت من تفشي الكراهية للأجانب في عام 2000 حيث جلبت اهتمام وسائل الإعلام الوطنية والعالمية عندما حصل قتل شاب على أيدي مهاجر مغربي يعاني اضطرابات عقلية ولطالما طلب معارفه أن يعالج أو ادخاله مستشفى مختص لكن هذا لم يحدث. الأمر الذي حمل بعض السكان المحلية الإسبانية للتربص للمهاجرين الأجانب, عشرات من محلاتهم وبيوتهم صارت عرضة للحرائق ولمدة أيام أغلبهم لم يخرجوا إلى الشارع خوفا من أن يتعرضوا للمهاجمة.

إجتماع لمهاجرين مختبئين بين البيوت البلاستكية في إخيدو عام 2000 (J.B./Piravan)

محافظ المدينة من الحزب الشعبي حينها خوان إنثيسو, لعب دورا أساسيا ليس فقط من خلال تهربه من واجباته لتأمين السلامة للمواطنين بل عبر تصريخاته لوسائل الإعلام وأقواله المبررة لهذه الحملة العرقية, والسبب هو الجو الغير أمني الذي تسببه عملية الهجرة. وإن الرئيس في ذلك الحين خوسي ماريا أثنار الذي أيده عندما صرخ أن” من السهل إنتقاده عندما لا تكون موجود هناك”, لكن وزير العمل والشؤون الإجتماعية مانويل بيمنتيل, طلب العمل على الانخراط في المجتمع, ونقد جلب يد عاملة من المهاجرين وعدم اعطائهم كل حقوقهم الإنسانية.

ومن جراء هذه التصريحات سببت استقالة الوزير بيمنتيل واستمرار إنثيسو كمحافظ مع أنه طرد من الحزب وشكل حزب خاص به سماه PAL ,والمحافظة على مقعده في محافظة إلخيدو وخلال ثمانية أشهر قضاها في السجن لخمسة قضايا خطيرة لازالت عالقة به حتى الآن, مرتبطة بقضية هامة في الفساد. هذا المحافظ الذي يرد على من يسأله وبدون أي حياء “في الساعة الثامنة صباحا كل المهاجرين قليلون ولكن في الثامنة مساء هم جميعهم فائضون” حكم إخيدو 20 سنة ضلع ومثال للتطور الفاشل الذي لا يمكن الدفاع عنه مسببا هدم ألمرية.

الشرطة تعتقل مهاجر لأنه تظاهر ضد الهجمات العنصرية في ألخيدو عام 2000 (Javier Bauluz/Piravan)

سبيتو عاش هذا العقد الأخير التاريخي في النمو الإقتصادي دون شبيه, كعامل ونقابي ولم يرى أي تطور.”عشرة أعوام قضيتها في ألمرية دائما كنت اقبض نفس المبلغ. عندما وصلت كان للمهاجر قيمه وصاحب العمل كان يخرج للبحث عن الايدي العاملة. اليوم عدم الثبوتية يجعل من اليد العاملة الغير شرعية منبع الانتاج الرخيص ومن هنا رجعنا قرون إلى الوراء بدلا من التقدم. هؤلاء الأشخاص الذين يأتون ليكون ممكنا النظام الوحيد الذي ينقذنا من الأزمة, لأن الناس مازالوا  يأكلون والزراعة لا تزال وكل الناس تشتري من ألمرية, لكن الذين استطاعوا الحصول على بطاقة إقامة أو جنسية غادروا يبحثون عن حياة أفضل في سويسرا أو فرنسا, العمل هو نفسه لكن الأجور تتضاعف. “ألمرية لا تدع مكان للاندماج, لا تؤهل, لاتربي, ألمرية فقط تستغل.”

“فقط يفكرون أننا قوة للعمل, ليس لدينا تاريخ ولا حقوق كبشر لهم كرامتهم. لكن أنا أتيت من بلد مثقف, عندي مؤهلات مثلي مثل كثير من المهاجرين, عندنا مؤهلات جامعية, لكن نحن لاجئين حاجة مادية. كثير من الرفاق يئسوا بعد كثير من العقبات التي واجهتهم وانتهوا معتقدين أنهم لا يساون شيئا لكن يجب مساعدتهم على رد احترام الذات. إلا اذا أردنا الموت أحياء وهم يفعلون ذلك. الاستغلال إلى أبعد الحدود والرسالة واضحة. أنت يجب أن لا تعلم شيئا, فقط الإستسلام. ومن منا يرفع صوته ليقول شيئا فنحن لسنا أصدقاء ويجب مكافحتنا.

YouTube Preview Image

سبيتو يظهر عليه التعب بعد أن رافقنا خلال يومين ليبين لنا التخلف الذي يقطن في ألمرية لمجموعة من الصحفيين من شمال أوروبا كانوا قد أتوا لتحضير وثائقي. لكن ليس التعب الجسمي الذي يرهق سبيتو بل دفاعه عن الحقوق الإنسانية, والقليلون الذين يتجرؤون رفع أصواتهم يقابلون في الحال بالملاحقة أو العزل. وعلى كل هذا تعرض له عندما رافقة وشارك في إعداد تقرير للصحيفة المرموقة البريطانية (The Guardian) تحت عنوان “إن من يزرع خضار السلطات في إسبانية هم عبيد حدثين حسب ONG”. الصحافة والسلطات المحلية اندفعوا لتكذيب محتوى هذا الخبر. واتهام سبيتو و SOC بتشويه مظهر المحافظة. “وهذا من الحياء أن يوجد في هذا المجتمع الحديث من يتصرف على هذا النحو. وإذا وجدت جماعة تطالب أن تكون الأجور التي تدفع لهؤلاء العمال الذين يعملون من الثامنة صباحا وحتى التاسعة مساء أقل من 37 يورو مع العلم أن الاتفاقيات تحددها بـ44 يورو على أقل تعديل… لكن لا أحد يريد دفع هذا للمهاجريين. طبعا هناك إسبان بقبضون نفس المبلغ كما أن هناك إسبان يقبضون تعويض بطالة آمين للعمل الذي يقوم به المهاجرون وبدون عقد. نحن نفكر أننا عبيد لأنهم يجبروننا. وهذه هي قاعدة الخدمة ويجب قبولها على هذا النحو للحصول على لقمة العيش.


ASAJA تدافع, بأن تعريف هذه الظروف العمالية بالعبودية “شيء خارج عن الاطار. هو عمل قاسي, حتى أنه في بعض الأحيان رفض الإسبان العمل به لأنه شاق ومتعب.”

لكن العبودية كما أطلق عليها سبيتو “استغلال عمالي” يطلقون عليه بعض المنظمات والنقابات “عبودية حديثة”, كما يطلق عليها ONG العالمية ضد العبودية, وليس فقط تضم عمال البيوت البلاستيكية. هذا النمو الإقتصادي الغير معقول في ألمرية تبين ليس فقط بعدد السيارات المسجلة سنويا –20.000 بين عام 2004 و2007 مقابل انخفاض إلى 12.000 في عام 2008 مع وصول الأزمة أو البراعم الخضراء في حدائق تجلب الأنظار في شوارع وتقاطعات ألخيدو أو الأنوار التي تنبعث من النوادي الليلية التي تتضاعف في الطرقات الرئسية وفي الزوايا المنعزلة منها, بيوت بلاستيكية, أكواخ وأيضا دراجات تستريح أمام غرف مهترئة وهو بيت العبيدات لهؤلاء العبيد.

سيتابع

أكواخ (Javier Bauluz /Piraván)


التحليل بعد مرور عشرة سنوات و الرد على هجوم 11 سبتمبر الذين أطلق عليه الحرب ضد الإرهاب النتيجة لا يمكن أن تكون أكثر ضررا.

ومن حينها فإن شهر أغسطس هو الأكثر دموية في أفغانستان, في العراق بقي أكثر من 42.000 خبير عسكري أمريكي, وفي باكستان تدور حرب ضد الشعب وباسم  واشنطن.

بينما الربيع العربي كشف العلاقة الودية بين هؤلاء الطغاة الظالمين ودول الغرب.

المحرر: بوستخان فيديمسيك (Bostjan Videmsek)

صور: خوري إرثين (Jure Erzen)

ترجمة إلى اللغة الإسبانية: بلانكا بيتولاثا  (Blanca Betolaza)

ترجمة إلى اللغة العربية: ليلى محرم (Laila Muharram)

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

في عام 2010 تحولت حرب أفغانستان إلى أطول حرب رسمية خاضتها الولايات المتحدة على مدى تاريخها وفي شهر نوفمر من نفس العام تجاوزوا الاتحاد السوفبتي المدة اللتي بقوا فيها في أفغانستان. في مؤتمر الحلف الأطلسي في لشبونة في شهر نوفمبر الماضي قرروا تمديد الحرب وبشكل رسمي إلى عام 2014 على الأقل. وفي هذا الوقت تبين أن نوايا الحلف لم تكن الحرب في أفغانستان والنصر بل الذي يهمها أكثر هو التواجد العسكري في المنطقة من أجل الحصول على الموارد الطبيعية, مثلما حصل في العراق من المحتمل أن تكون القاعدة مهزومة وربما أسامة بن لادن يكون ميتا لكن المشكلة الرئيسية الأفغانية توجد فعليا في باكستان هذا البلد الذي دفع ثمنا باهظا في الحرب الشاملة ضد الإرهاب, لكن ومع كل هذا فإن التحالف الدولي لم يظهر أي نية في سحب قواته.

خلال السنوات الثلاث التي تلت هروب الطالبان من كابول حصلت هدنة على مستوى عام لوقف العنف, لكن الحلف وعلى رأسه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فشلوا من الاستفادة منها. وبدل من أن يعمروا هذه الأراضي المسلوبة تركوا هذا الأمر في أيدي جماعات عديمة الرحمة مشكلة من أسياد الحرب القدماء, شركات تأمين خاصة. والرئيس حميد كارزاي. وفي الأعوام الخمسة الفائتة. فإن الدائرة المقربة من كارزاي. وصلت أعلى مكان من الفساد, حتى انهم وصلوا إلى التحكم في الانتحابات الرئاسية والبرلمانية. والنتيجة ما هو متوقع. حروب ونزاعات طائفية, تنشيط تجارة الأفيون, الضعف الجيوستراتيجي للحلف الأطلسي, الإنهيار المطلق للنظام الصحي والتعليمي في أفغانستان, زيادة عالية في الفساد لم يسبق لها مثيل, وتشكيل دويلات صغيرة يتحكمون بها سادة الحرب المحلية, وهم في الواقع من يحكم البلد المحتل.

في السنتين الأخيرتين, من مجموع 140.000 للقوات المنتشرة هناك, حوالي 100.000 منهم من الولايات المتحدة. حسب بوب ودورد,إن الرئيس باراك أوباما وجد نفسه مثل ريشارد نيكسون. أنتخبوا لوقف الحرب لكنهم فشلوا في الوقوف أمام الجهاز العسكري الصناعي, الذي كان همه الوحيد خلق حالة حرب دائمة. منذ دخول أوباما إلى البيت الأبيض, فإن عدد الجنود الأمريكيون في أفغانستان إزداد ثلاثة مرات. الحرب الأفغانية تحولت إلى حرب أمريكية.

ونفس الشيء نقوله عن طالبان فان وجودهم مرتبط دائما في حالة حرب مستمرة ولكن هؤلاء المقاتلين يختلفون تماما عن أولائك الذين كانوا يفجرون تماثيل بوذا ويرجمون النساء. وطالبان اليوم ليسوا متحدين. فإن الحركة تحتوي على أكثر من 12 مجموعة متمردة على الأقل. أغلبية الرجال عندهم القليل من العلم في الايديولوجية والدين هم فقط رجالا وشبابا يجاهدون ضد الاحتلال الخارجي. بعضهم يقومون به من أجل المال, آخرين للفخر, وكثيرين منهم لعدم وجود أي خيار آخر لهم.

التفاوض بين طالبان والمجتمع الدولي مكثفة. لكن حاشية الرئيس كارزاي والذين خسروا في المدة الأخيرة كثيرا من الموالين الذين تعرضوا لهجومات من قبل طالبان وبالتالي فهم أكثر ضعفا يوما عن يوم.

مهمة ISAF كانت محاولة من الحلف الأطلسي للعثور على مبرر لوجودهم بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وحسب جميع المعايير فإن هذه المحاولة بائت بالفشل المطلق. فموضع الحلف غير مواتية بعد عشرة سنوات من الهجوم على أفغانستان وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. أفغانستان بلد مدمر بحرب قاسية وبدون رحمة وعلى ما يبدو ليس لها نهاية, إن الطائرات الحربية للحلف الأطلسي ما زالت تقتل عدد كبير من المدنيين, بنيان إقتصادي أقل من القليل, تجارة الأفيون في إزدهار, المدارس خالية, مساعدات خارجية بقيمة بلايين البلايين تختفي عن الأنظار, وبدون رجعة. وكان شهر أغسطس أكثر الأشهر دموية في السنوات العشرة الأخيرة, وبالأخص للقوات الدولية.

الحرب تبلغ ذروتها القسوى في الأماكن القبلية الباكستانية في منطقة وازيرستان شمالا وجنوبا. وفي خريف عام 2001 أطلق الجيش الباكستاني حملة عسكرية في هذه المناطق الحدودية مع أفغانستان. وفي الواقع هذه كانت حرب أهلية ضد نفس المواطنين (معظمهم من الباستون) وفي الأوساط الرسمية لم تذكر إلا قليلا هذه الحرب التي يقوم بها باكستان بإسم واشنطن. إن أعداد الجنود الباكستانين الذين لاقوا حتفهم في هذه الإشتباكات أكثر بكثير من كل الجنود الأجانب الذين قتلوا في أفغانستان. ونفس الشيء حصل للأهالي المدنيين. ونتيجة مختلف الهجمات الحكومية هو الثمن الذي دفعته باكستان,كيف بضعة ملايين من السكان طردوا من بيوتهم, في عام 2010 البنتاغون والبيت الأبيض قرروا توسيع المواجهة إلى ما بعد خط دوراند حتى باكستان مركز جميع الإهتزازات الأفغانية, وهذا السيناريو للحرب الشاملة أصبح يعرف ب AFPaK بينما إزداد عدد الهجمات للطائرات التي تعمل بالتحكم عن بعد. و إزدادت أيضا هجمات القوات البرية للولايات المتحدة. وإن السلطات في إسلام أباد ومنذ وقت طويل يلعبون على أوتار واشنطن. خلال الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها الرئيس آصف علي زرداري إلى الولايات المتحدة منذ سنتين والتي شجع بها على الاستمرار في الهجوم الجوي على نفس شعبه, وهذا ما أعطى الطالبان تأييد أكثر من قبل الشعب, نحن نتحدث عن عدم الاستقرار لبلد يضم 170 مليون نسمة وقدرة نووية. بلد على طول تاريخه كان يعتمد على نظام عسكري مستعد لاحتمال المواجهة بحرب كاملة ضد الهند. الجيش وشبكات المخابرات والأمن كانوا يدارون من قبل أشخاص ذو تفكير “هندي” وليس “أفغاني”. واحد منهم كان أسفاك كاخاني, القائد الأعلى للقوات المسلحة الباكستانية, الذي صرح وبشكل متكرر أن نظامه العسكري هو “هندي مركزي”. وهذا كان مفتاح السر الذي أعطى كل التأييد اللازم من طرف جهاز الاستخبارات ورجال الأمن الباكستانيين إلى طالبان وإلى الميليشيات الإسلامية المتطرفة.

وخير دليل على تلك المساعدة العسكرية الباكستانية إلى الإرهابيين هو هجوم Navy Seals في اليوم الأول من أيار في أبو تلباد, على بعد مئة كيلومترات من إسلام أباد. عندما انتهى, تبين أن أسامة بن لادن مؤسس وروح القاعدة كان مختبئا في قصر مرموق بالقرب من المدرسة العسكرية الباكستانية.

منذ 22 سنة وعندما كان جدار برلين يتحطم كانت قافلات من الدبابات والقاطرات الشاحنة السوفيتية ترحل من Hindukush نحو الحدود لإمبراطورية سوفيتية في انهيار واضح. الجنود السوفيت الناجين من الموت يهللون بوضوح إستطاعتهم الهروب من المجزرة الأفغانية. إن الاتحاد السوفيتي كان يمر في اللحظة الأكثر ألما في كل تاريخه, العملاق الشيوعي خسر في آن واحد الحرب الباردة وحرب أفغانستان, بينما في واشنطن وفي مركز الحلف الأطلسي كانوا يحتفلون بهذا الإنهيار بأنهار من الشامبان: الخصم الوحيد والهام والذي كان السبب في تشكيل الخلف الأطلسي إنهزم في النهاية.

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

2008 ولاية هلمند, أفغانستان

ولاية هلمند, أفغانستان 2009

ولاية هلمند, أفغانستان 2009

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

ولاية هلمند, أفغانستان 2008

بغداد, العراق 2003

هجوم الولايات المتحدة على العراق في ربيع عام 2003 كان نقطة تحول في التاريخ المعاصر, معتمدة على كذبة سافرة, الولايات المتحدة سببت حرب أهلية والتدمير الكامل لدولة كانت تفتخر بأنها أفضل دولة مستقرة في الشرق الأوسط.

إن حرب العراق كلفت مالا يقل عن 400.000 حياة. وحوالي أربعة ملايين من الأشخاص فقدوا بيوتهم, الحرب الأهلية التي سببتها أخطاء عديدة من قبل الولايات المتحدة بعد سقوط صدام حسين, غيرت تماما الخارطة الجغرافية للعراق كما سببت عدم الاستقرار لكل المنطقة وأيضا كانت سبب الحرب الباردة للشرق الأوسط وعلى الأغلب هو أخطر نزاع في وقتنا الراهن والتي كانت الدولة الأكثر علمانية في المنطقة أصبحت الآن مسرحا للأصولية الإسلامية.

مع حيرة بعض الجنود, الولايات المتحدة فقدت نفوذها ومكانتها الجيوستراتيجية وبعد إنسحابها المخزي تركت ورائها ارض مدمرة وبدون أي أمل أو ركيزة تعتمد عليها, والبيت الأبيض يتأهب للإنسحاب بحجة “نهاية الحرب” وليست سوى نظرية أباما لنفس ما قاله بوش “أنجزت المهمة” لكن حرب العراق بعيدة عن الانتهاء.

وبعد فترة قليلة من إنسحاب القوات الأمريكية (لا يزال موجودون 42.000 خبير عسكري في العراق شيئ متجاهل من طرف وسائل الإعلام التقليدية) خلايا نائمة لعدة مجموعات معارضة شيعية و سنية بدأوا بالتحرك. وغنيمة البترول ما زالت محل الصراع. التوترات الطائفية أصبحت أشد, جزء كبير من البنية الأساسية قد دمر بشكل كامل, وجيرانها الطامعين من البلاد المجاورة يحضرون أنفسهم ليكونوا البديل للمحتل الأمريكي وقد دفعت بليارات من الدولارات على تجهيز قوات الأمن العراقية ومع ذلك مازالوا عاجزين عن مراقبة المنطقة بشكل فعال.

في عام 2011 عدد الهجمات بدأ بالتزايد وبشكل سريع على الرغم من التواجد المهم للقوى الحكومية. إن الجماعات الإرهابية الشيعية والسنية عادوا إلى شوارع المدن العراقية تحت ظلام الليل. كان عامل مهم الإنتخابات البرلمانية والتي فاز بها رئيس الوزراء السابق إياد علوي “من حزب العراقية” على رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي (دولة القانون) . السلطات الشعية في بغداد والتي تحظى بالتأييد وبدون حدود من طهران. رفضوا الإعتراف بالنتائج الإنتخابية, والمالكي عمل كل ما في وسعه للمحافظة على السلطة, وهذه الجهود لاقت النجاح, فبعد ثمانية أشهر من الانتخابات نصب رئيسا للحكومة العراقية, على الرغم من نتائج صناديق الإقتراع. وهذا كان العمل الأخير الذي منح السيطرة الكاملة للشيعة في البلد وتهميش السنة الآني. كله كان جاهزا إلى خوض الحرب الثانية الأهلية الشرسة.

ومن الأخطاء الضارة التي إرتكبتها الدول الغربية كان إعتقادهم بأن تصدير الديموقراطية على الطريقة الغربية إلى العراق وأفغانستان سوف يكون المسبب للتغيرات الإجتماعية الإيجابية وبمرور الوقت التحول إلى دولة حرة. لكن الحقيقة كانت غير ذلك, لقد كان تصدير الديموقراطية مصدر إنتهاكات للإتفاقيات السياسية الإجتماعية التقليدية.

النهضة العربية في هذا العام أثبتت أن التغير الديموقراطي يجب أن يكون من الداخل وليس بواسطة القنابل تحت عنوان “عملية الحرية العراقية”.

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بغداد, العراق 2003

بلد, العراق 2006

بلد, العراق 2006

بلد, العراق 2006

بعقوبة, العراق 2007

العراق, 2006

إستيراد, لا تصدير

“الحرب ضد الإرهاب” دمر العراق وأفغانستان, لكن أيضا غير الخارطة الجيوستراتيجية. إن سياسة الإدارة الأمريكية إستطاعت إشعال التطرف في القسم الأعظم من الشعب العربي, من موريتانيا إلى أندونيسيا, والثمن الباهظ الذي دفع في حرب العراق وأفغانستان أصبح العامل الحاسم في انفجار الأزمة الإقتصادية الشاملة, هذه الحروب الظالمة كلفت الغرب قسم كبير من قدراتها للدخول إلى بلاد العالم الثالث وكثير منهم لجأوا إلى السيد المطلق, الصين, بين أشياء أخرى, الحرب ضد الإرهاب أشعل الحرب الباردة في الشرق الأوسط, ومن طرف أخر, واحد من أهدافه الأساسيين, إن جلب الديموقراطية إلى الشرق الأوسط حاز بالفشل الذريع, وعلى كل الأحوال فإن الولايات المتحدة و أوروبا وطدوا روابطهم مع معظم ديكتاتوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في شهر آزار من عام 2003, تحولت بغداد إلى نقطة الهدف لموجة من الصواريخ مزينة بالعبارة التالية “عملية تحرير العراق” والبيت الأبيض مازال يطلق الأقاويل حول محور السوء, وتصدير للديموقراطية, لكن بدلا من الحرية واجه العراق إحتلال خارجي ومن ثم حرب أهلية قاسية, ونفس الحكاية تنطبق على أفغانستان ومحاولة نشر الديموقراطية الغربية. والذين حملوا شعار الحرب على الإرهاب من أجل تحرير الشعوب المقهورة, لكن النتيجة كانت القضاء على الحريات القليلة الموجودة. إن الأعداد الهائلة من الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع في تونس والقاهرة ومنامة وصنعاء ودمشق وبنغازي من أجل مواجهة الطغاة الحاكمين وبصدور عارية مبرهنين أن تغيير المجتمع السياسي لا يحصل إلا من الداخل. و من الحيوي الفهم أن هؤلاء الطغاة يشعلون أكثر غضب الجماهير المضطهدة وبالأخص أولائك الذين كانت علاقتهم مع الدول الغربية حميمة بشكل واضح.

المتظاهرون الذين ملؤوا الشوارع في مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هم في الحقيقة دعاة للحرية والديموقراطية والسلام. هم الذين أحبطوا النظرية التطرفية للإسلام للمفقود أسامة بن لادن وهم الذين سببوا التحول الجزري للتاريخ.

هذه هي أكبر كارثة التي جلبها مصدري الديموقراطية, لم يكونوا يتخيلونها وخاصة بعد أحداث الأشهر الأخيرة, ليس من الواجب التفكير في تصدير الديموقراطية لكن في إستيرادها.


إن قتل 52 شخصا في كازينو رويال مونتيري هو أكثر الهجمات دموية في تاريخ المكسيك الحديث

الحكومة تصف الجريمة “بالارهاب” وتبرر التوسع في الاستراتيجية العسكرية برعاية من الولايات المتحدة الأمريكية

الجريمة حصلت على بعد قليل من الكيلومترات من مركز المخابرات الأمريكية الذي أنشأ في المكسيك من أجل مكافحة تجارة المخدرات

المحررون: ماخو سيسكار, هانس موسيليك و مع معلومات من أنخيل غالان (مكسيك)

ترجمة: ليلى محرم

زهور في ذكرى 52 قتيل في كازينو رويال منتيري المهاجم (AP Photo/Hans- Maximo Musielik)

المكسيك في حالة ذعر العنف ينفجر حتى في المناطق الغير مرتقبة وتزداد قساوة يوما عن يوم. يوم السبت 20 آب عرض التلفيزيون نقل مباشر لتبادل إطلاق النار في كل البلد, ومن بين القناتان الرسميتان واحدة منها كانت تبث مباراة في كرة القدم للدوري الأول عندما هاجم المجرمون الملعب و الرصاص انتصر في اللعبة. وهذا الخميس كانت جولة الروليت ضد أكثر من مئة شخص كانوا يراهنون في كازينو رويال منتيري. دخلت مجموعة من القتلة المحترفين بعد الظهر إلى المحل وفي خلال دقيقتين أضرموا فيه النار, ولاذو فرارا, حيث تحول بيت الرهان إلى جحيم, بعدها خرج الزبائن جافلين لكن 52 شخصا بينهم 39 نساء لم يستطيعوا الفرار فماتوا حرقا أو إختناقا. كان الهجوم الأكثر دموية في تاريخ البلد الحديث, حيث يتم تصفية حوالي 30 شخصا يوميا على أيدي الإجرام المنظم, دخل القتلة في ساعة الغداء لأنهم كانوا يعلمون أن المحل سوف يكون ممتلئا, معظم الناس يذهبون على هذه الساعة ليلهون بعض الوقت, كان مكانا للهو. في منتيري لم نعد نستطيع الذهاب إلى أي مكان. لا للمطاعم ولا حتى التمشي في الساحة, ولا الخروج في اليل, كانت تقص علينا ذلك إحدى الزبائن المداومة لكنها لم تذهب ذلك اليوم إلى الكازينو, قالت للجريدة المكسيكية “La Jornada“.

52 شخصا فارقو الحياة في كازينو رويال عندما أشعل النيران به ستة قتلة محترفين. وقع الهجوم عندما كان المكان مزدحما بالناس وهي ساعة الغداء, أي عندما يكون ممتلئ بربات بيوت وأشخاص مسنيين. AP Photo/Hans Maximo Musielik

إن دائرة العنف بدأت تضيق. وفي صباح اليوم التالي وجدوا جثة رجل مقطوع الرأس أمام مرافق تيليبيسا, أهم القنوات الرسمية للتلفزيون الوطني في المنطقة العليا لمدينة مكسيك, عاصمة البلد التي كانت حتى هذه الساعة المدينة الأكثر أمانا, حيث أن تجار المخدرات لم يزاولوا سياسة القتل.

في المقابل مونتيري تعيش محاصرة بدوامة من العنف منذ عدة أشهر. وبدون شك إن 52 قتيلا تتجاوز كل الحدود السابقة وتعمم الحزن والعجز “حتى هذه الساعة كان العنف ينال أفرادا من اختطافات, وجرائم إختفاء, شي يومي, لكن يبقى ضمن أسرار العائلة. أما الآن نتحدث عن هجوم عام ضد “سيدات مرفهة” كانوا في أحد مراكز التسلية وهذا ما صدم الطبقة المتوسطة من المجتمع. نفس ما حدث في مدينة خواريث, رينوسا في توريون… ونحن قد نفد صبرنا “شرح لنا بابلو بيريث من أهالي منتيري الذي يعيش في مدينة المكسيك.

بابلو قرر الخروج إلى الشارع مشاركا في تجمعاة إحتجاجية في العاصمة مكسيك في نهاية هذا الأسبوع. وأيضا حصلت نفس الاحتجاجات في مدينته ومناطق أخرى في البلد. والطلب كان نفسه في كل الأماكن “سلام” ومقابل هذه المأساة: حان الوقت لوضع خطة  استراتجية وإعادة التفكير في الأمن الفردي” يشير خيسوس روبليس معلوف مدافع عن حقوق الإنسان فيContingente MX المنظمة التي دعت إلى الاحتجاجات في المحافظة الفيديرالية. إن نظرته وإن لم تكن شاملة لاحتواء جميع مشاعر الأغلبية العظمى للمواطتببن تتناقض مع سياسة الحكومة التي لا تزال تطبق القوة, والرئيس فليبي كالديرون صنف في الحال الجريمة “الإرهاب” وأمر بنشر 3000 من الشرطة والجنود زيادة في المدينة الشمالية.

خرج المواطنون إلى الشوارع في مختلف المدن من البلد من أجل شجب الهجوم على منتيري. والعنف الذي يحصل في كل الأراضي الوطنية. Parika Benítez

وهذا ليس صدفة في هذه اللحظة بحيث أن الحكومة تنوي إصدار قانون جديد قانون الأمن الوطني الذي يهاجم مباشرة الحريات الفردية, ويمنح سلطات أكثر إلى قواة الأمن وإلى مجلس الحكومة. ولو كانت هذه سارية المفعول لكان باستطاعة الجيش الأخذ بذمام الأمور في منتيري, دخول إلى المنازل الخاصة وبدون أمر من القاضي, اعتقال أي مواطن في عرض الشارع وبشكل عشوائي وعزله خلال 24 ساعات والحصول على معلومات منه وبالطريقة الذي يجدونها مناسبة. ةبدون التقيد في الحقوق الإنسانية وفتح باب قانوني لممارسة التعذيب كما يحتصر لنا روبليس معلوف, قانون الأمن الوطني “يعطي أكثر صلاحيات إلى هؤلاء الذين برهنوا عدم جدارتهم في مكافحة تجارة المخدرات”, وفي نفس السياق تصرح الحركة من أجل السلام مع عدالة وكرامة, موجهة صوت المواطنين الناقدين للاستراتيجية العسكرية لحكومة كالديرون. ومن أجل مواجهة هذه الأعمال, المسؤولون لا يحتاجون تجاوز الحدود التي تسمح لهم وظيفتهم, فهم يملكون كل الاطار القانوني اللازم للبحث والرد بشكل رسمي على هذه الأعمال الوحشية وبدون استعمال العنف, كما يمكن الحد من العنف من دون مخالفة القانون. المكسيك يجب أن يتحول إلى دولة ديموقراطية ضمن القانون مع سياسة عامة مصممة ومطبقة بشكل جيد لتساعد على تحفيض العنف وبدون أن تتجمع في عمليات بليدة وعمياء أو في عمليات مسلحة لاعتقالات غير قانونية عند نقاط التفتش. وفي انتهاكات لحقوق الإنسان التي تزيد من العنف وعدم الأمان”. بدون شك فإن الحكومة المكسيكية تتقدم في غير اتجاه. إن تصنيف تجارة المخدرات بالارهاب هو محاذات مباشرة لنظرية الولايات المتحدة الأمريكية. وعن تصريحات لسكريتيرة الدولة للشؤون الخارجية هيلاري كلينتون التي صرحت في شهر أيلول الماضي بأن دائرة العنف المكسيكية هي “تمرد تجار المخدرات”. وهذا التصنيف يزيد من الخطورة وخاصة في الأسابيع الأخيرة بعد أن عرفنا أن الولايات المتحدة تعمل جنبا إلى جنب مع حكومة كالديرون من أجل مكافحة الجنوح المنظم.

تدخل الولايات المتحدة

الولايات المتحدة الأمريكية لها جواسيس في المكسيك, وهذا ما اعترف به المجلس الأمني في المكسيك, بعدما نشرت صحيفة نيو يورك تايمز في الولايات المتحدة الأمريكية عن وجود مركز للمخابرات داخل القاعدة العسكرية المكسيكية, ومن الصدفة أن هذا المركز يقع بجانب مطار منتيري وعلى بضع كيلومترات من مجزرة كازينو رويال. وهناك أعضاء من المخابرات الأمريكيةCIA لوكالة ضد المخدرات DEA ومجموعة من المدنيين الأمريكيين المدربين عسكريا الذين يجمعون معلومات حول الجنوح المنظم يحططون لعمليات المواجهة ويدربون الجنود والشرطة الفيديرالية وحتى أنهم يستجويون المشتبهين.

سكرتيرة دولة الولايات المتحدة الأمريكية "هيلاري كلينتون" في إحدى زياراتها إلى مونتيري عام 2009 في إطار مبادرة ميريدا. AP Photo /Eduardo Verdugo

هذه خطوة أبعد من المقررة في مبادرة ميريدا. فهي معاهدة أمن بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك موقعة عام 2008. والتي تمنح المكسيك ما يقارب 1400 مليون دولار في معدات عسكرية, تكنولوجيا واستشارات تكتيكية في الصراع ضد الإرهاب, وحسب الصحيفة اليومية “لا جورنال” فإن عملاء الولايات المتحدة يخضعون لإختبارات ثقة لكبار موظفي الحكومة المكسيكية وهذا هو الحال فإن تزايد العنف يأتي ليبرر التدخل الأجنبي وزيادة التنظيم العسكري. ينبغي أن يكون هناك تدهور في الظروف حتى فرض التعليمات الأمنية الأمريكية. لكن جنود وكلاء الولايات المتحدة يراعون السلام والأمن في بلدهم وليس للرعايا المكسيكيين. لأجل هذا نختاج إلى جنود وموظفين منهم وبهذا نستطيع طلب مسؤلبات وخلعهم إدا لم يفلحوا, يشير روبليس معلوف ويجب الأخذ بالاعتبار أن المصير الأساسي للمخدرات هو الجار الشمالي. وإن تجارة المخدرات لا تحظى في الداخل ما يرمون منها من غسل الأموال, تجارة الأسلحة. لكن كل يوم يدخل وبشكل غير شرعي ما يقارب 2000 قطعة سلاح إلى المكسيك.

هذا هو الحال –فإن وجود الأمريكيون وحده لا يكفي فقط لمكافحة الجنوح المنظم ومن أجل فهمها يجب علينا قلبها لنرى تدخلات أخرى في المنطقة, وإن مبادرة ميريدا تقترب كثيرا من خطة كولومبيا التي وضعت منذ عام 1999 القواعد الإستراتيجية لأجل القضاء على تجارة المخدرات والعصابات في البلد الكاريبي. هناك الولايات المتحدة أنفقت أكثر من6 ألاف ميليون دولار. من أجل تشكيل قواعد والدفع للمستشارين العسكريين إمدادات عسكرية, وطائرات حربية, حاملات قنابل, طائرات مروحية ومواقع للتجسس الالكتروني بنتائج سلبية , من أجل خفض قوة المافيا بينما حصلوا على تغيير المجموعات التي تضبطها. وكما ذكرت الكاتبة الكولومبية التي تعيش في المكسيك لاورا ريستريبو في مقابلة صحفية حديثة, مرت كولومبيا في ثلاثة مراحل اساسية.” الأولى لبابلو اسكوبار, مافيا عامية قوية جدا لكن هامشية تأتي من الطبقات الاجتماعية الدونيا, مع أنهم أصبحوا يملكون البلد بكاملة كانوا دائما منبوذين من الطبقات العليا. القسم الثاني, هم أصحاب الياقات البيضاء, متجسدين في كارتيل كالي, مافيا أقل وحشية على الأقل في الظاهر وهي مرتبطة أكثر مع رؤوس الأموال الممولة العالمية, أما القسم الثالث فهو تجارة المخدرات من خلال أكبر كارتيل عسكري وهي التي أطاحت اليوم بالأخرين”, إن تجارة المخدرات هي اليوم  بيد ما نسميهم كارتيليس عسكريين (مجموعات عسكرية) في شبكة اجتماعية تأسيسية وحلفاء للمجموعات المسيطرة, وكل هذا يحصل تحت نظر أكثر من800 مستشار عسكري من الولايات المتحدة منتشرون في الأراضي ومن خلال سبعة قواعد عسكرية مؤسسة في حطة كولومبيا.

وعلى مرور الأحداث فإن المقارنة بين المكسيك وكولومبيا شئ لا مفر منه بياتريث توريس من المركز الأكاديمي لذاكرة أميريكا, تقول إن الصراع مع تجار المجدرات في أمريكا اللاتينية, هي أكبر الخطوات العسكرية والسياسية من أجل تثبيت حرب دائمة والسيطرة على الحكومات والموارد في المنطقة. هذه الخبيرة تذكرنا أن الاقتصاد الجنائي الذي يجمع بين التجارة بالمخدرات وبالأشخاص والاسلحة. هو ثاني تجارة عالمية بعد تجارة البترول وفي هذا الاتجاة تشير أن الولايات المتحدة تطبق سياسة تجارة المخدرات منذ الثمانينات عندما بررت تدخلها في باناما من أجل هذه التجارة وهذه المعركة كانت تشكل الدرع الكبير الامبيريالي للتحكم في الاقتصاد والمجتمع وسياسة العسكرية في أميريكا اللاتينية منذ أن انتهت الحرب الباردة.

الإتفاقية بين الولايات المتحدة المكسيك تذهب إلى أبعد من هذا الذي أعلنوا عنه وقد سهل دخول رجال المخابرات الأميريكية إلى البلد بحجة مكافحة تجارة المخدرات. AP. Photo/ Daniel Aguilar

الوكالة الأمريكية ضد المخدرات في ويكيليكس

ونفس الولايات المتحدة تعترف في مكالمات حصل عليها عن طريق ويكيليكس. الوكالة الأمريكية ضد المخدرات DEA عندها 87 فرع في 63 بلد في أنحاء العالم, وقد تحولوا إلى وكالات للمخابرات العامة تشبه كثيرا جهاز المخابرات الأمريكية   CIA ليس فحسب مكافحة المخدرات, وهذا ما كشفت عنه التسريبات التي ذكرناها فمثلا رئيس باناما يتصل مع DEA يطلب مساعدتهم للتنصت على هواتف المعارضة. وفي ميانمار أعلم المخبرون الوكالة عن النشاطات السياسية للمعارضين ضد المجلس العسكري بينما هذه تريح االأموال الناتجة من تجارة المخدرات وهكذا أمثال كثيرة. تملك المكسيك الآن مركز للمخابرات: ويقول الحقوقي المختص في العلاقات بين المكسيك و الولايات المتحدة جون أكيرمان, أن المشكلة العظمى هي تبعية المكسيك للإستراتيجية واشنطن. وفي هذا المضمار تشترط من الحكومة المكسيكية إلغاء وبشكل فوري مبادرة ميريدا وأن تتبع النموذج المشابه الذي يطبق في الولايات المتحدة من ملاحقة قضائية في الداخل وإعطاء الأفضلية للأبحاث الجنائية الخطيرة الذي يعاني منها الشعب المكسيكي وعدم الإهتمام كثيرا بنقل المخدرات إلى الشمال.

إن الهجوم على منتيري برهن عن عجز المجتمع أمام العنف. Parika Benítez

وبدون شك فإن المسؤولين يتبعون الإستراتيجية العسكرية وإن الحكومة المكسيكية أعلنت أن المرحلة القادمة لمبادرة ميريدا سوف تجهز شرطة محلية حيث أن الولايات المتحدة دربوا حوالي 4500 من رجال الشرطة الوطنية ومن الجنود, إن القوات الفيديرالية يلقون القبض على المجرمين. أتركونا نقوم بعملنا, دعوا جانبا الخساسة السياسية والمنافع التي ترمي إلى وقف عمل القوات الفيديرالية : كرر ذلك الرئيس كالديرون بعد الهجوم على منتيري, ومع ذلك فأن هذه القوات لا تستطيع وقف زيادة العنف, وفي السنوات الأخيرة وصل عدد الضحايا إلى 40000 قتيل حسب مصادر رسمية. وإن أخر الضحايا, لا يزالوا في التوابيت في منطقة منتيري بينما عائلاتهم يخرجون إلى الشوارع ليقول “هذا يكفي”.

كازينو رويال

صور من Hans Musielik

لويس كاراسكو, "El Chihuas" من كارتيل "لوس ثيتاس" الذي قبض عليه بسبب الهجوم على كازينو رويال.

احد عضاء الكارتيل لوس ثيتاس الذي قبض عليه مع أربعة متواطئين في الهجوم على الكازينو رويال


Video streaming by Ustream


مئات الألوف من العراقيين اللاجئين في سورية يرقبون عاجزين العمليات العسكرية ضد المدنيين

شهود استثنائيين للأحداث, يشكون بين الدعم للشعب أو الخوف من الطرد إلى بغداد, حيث يخافون من الانتقام

كثير منهم يفضلون الفرار ولكن لا يوجد مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو العراقيين التي تتطلب تأشيرة دخول في كل الشرق الأوسط

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

المغتربون السوريون يومئون برفع العلم الوطني السوري خلال المظاهرة التي نظمتها القبائل الأردنية تضامنا مع الشعب السوري في مدينة المفرق,بالقرب من الحدود الأردنية السورية, الجمعة 19, آب, 2011.AP Photo/Nader Daoud

لا أحد يعرف من الفاعل ولكن في حي القدسية, الملقب بالعراق الصغير في دمشق بسبب العدد الكبير من الالجئين الذين يعيشون في شوارعه منذ عام 2005, اللافتة القديمة التي تحمل الجملة “العراقيون معك, يا بشار الأسد” قد مزقت قبل بضعة أيام. الآن بقي منها قصاصات قماش معلنة عن نواياهم,خرقات متدلية ترمز إلى التدهور في العلاقة الجيدة التي بنيت منذ ستوات بين النظام والمجتمع العراقي, الذي استقبل من طرف سوريا بأذرع مفتوحة, على عكس بقية العالم.

الناس لا يتكلمون عنها بصوت عالي ولكن العلاقة تمر بأزمة على رغم أن العراقيين يشكرون النظام على المساعدة المقدمة لهم لإنقاذهم من الحرب الأهلية. الضحايا العشوائية من المدنيين السوريين لا تترك مجالا لأحد أن يتجاهلها. ولا حتى في القدسية, حيث أن سكانها يعرفون جيدا ما معنى الديكتاتورية الشنيعة وسقوط القنابل فوق رؤوسهم.

في مساجدهم, الجملة المشهورة التي كانوا يقولنها خلال الصلاة “الله يحفظ الرئيس بشار”لم يعد ينطق بها الأئمة اليوم وكثيرون منهم غير لهجة الخطاب. ” يوم الجمعة الماضي, نقد الإمام النظام بشكل واضح عندما قال:” نحن في رمضان ورمضان هو شهر الرحمة. ولكن النظام ليس عنده أي رحمة في مدينة حماة”. عندها صرخ شاب “الله أكبر”. الإمام رجاه عدم التحريض داخل المسجد و أن ينتظر الخروج منه”, شرح أبو محمد, لاجئ عراقي مقيم في القدسية.

الكبح الموجود في داخل الجامع ليس معناه الضبط في خارجه. ففي اليوم الأول من رمضان, 1 من آب, عاش الجامع العمري في حي القدسية احتجاجات, بسبب الشهر الفضيل, أصبح حدثا يوميا. قبل ذلك,كان الذين يتواعدون في يوم الجمعة لا يصلون إلى خمسين شخص,لكن اليوم 1 من آب بلغوا 150 شاب بين 17 و24 عاما, كلهم سوريون, تجمعوا, و بدلا من الذهاب كالعادة إلى البازار –منطقة يصعب على رجال الأمن دخولها- توجهوا نحو أقرب مقر للبلدية , معرضين انفسهم للمراقبة من قبل الأمن .

كان مزيج من الشجاعة بين التحدي والانتحار. ” كان يوجد سيارات شرطة عليها صور لبشار, ولكن الشرطة كان يظهر عليهم الاضطراب, ومن الواضح أنهم كانوا يفضلون لو لم يكونوا هناك”. ذهبت الشرطة أخيرا وتركت المتظاهرين وحدهم و كانوا يصرخون “حرية”. وكم كان عاليا الصوت. “الله, حرية وبس- صرخوا. أيضا “بالروح, بالدم, نفديك يا حماة”. كان أهالي الحي ينظرون إليهم متهامسين. احد العراقيين قال: “إنهم حقا شجعان ويتستحقون النصر”. كانت امرأتان تشتريان خضروات في أحد المحلات وتشيران إليهم بقلق. ” ماذا يريدون؟ أن يحصل لنا ما حدث في العراق؟”. ولكن منذ ذلك اليوم كنا ننتظر كانوا المتظاهرين, كل يوم, في نفس الوقت. بعض العائلات باركتهم بقذفهم بالمياه من الشرفات عندما يصرخون “مافي ناموس إللي ما بشارك”.

لا يسمح النظام الدخول إلى سورية لأي صحفي أجنبي عندما يصرح عن هويته. الدكتاتورية لا تمنح تأشيرات دخول وهي دقيقة جدا لمنع دخول صحفيين عن طريق غير قانوني. ولكن أي مواطن عراقي بإمكانه الدخول إلى البلد الجار وبشكل قانوني وعادي, ولقد إحتضنت سورية حوالي مليونان من اللاجئين خلال الأحداث الأخيرة وتتابع ايواء وحماية مئات الألوف. كثير منهم يقيمون في سورية, وآخرون يزرونها كل صيف حتى يلتقون بعائلاتهم هناك.

أبو محمد واحد منهم, ولكن هو ليس أي عراقي. فهو كان مترجمي, وحاميني, مساعدي وموضع ثقتي خلال السنوات الصعبة في بعداد, وخلال الأشهر الأخيرة من نظام صدام حسين, الغزو, الحرب ضد الاحتلال وجانب من الصراع المدني, حتى الاختطافات, التعذيب والتهديد بالقتل جعلوه ينتقل مع عائلته إلى دمشق. هناك تابعنا العمل معا خلال سنوات, عندما كان النظام يسمح بدخول الصحافة و بدون خوف, حتى أبو محمد –الذي يحفي هويته الحقيقية لتجنب الاعمال الانتقامية, مثل كل الذين يعملون في هذا التقرير- هذا وقد قبل طلبه للجوء إلى إحدى الدول الأوروبية حيث, بعد تعلم اللغة, انتهى به المطاف للعمل كصحفي في جريدة يومية محلية.

رجع أبو محمد إلى سوريا هذا الصيف مثل كل سنة, فوجد بلدا مختلفا عن ما يعرفه, في حالة من التوتر, يكافح ضد كميات كبيرة من الدعاية وقمع لم يسبق له مثيل في بلد كان دائما مميزا بوجود أجهزة المخابرات. وخلال أسابيع حصل على معلومات و أجرى مقابلات مع اللاجئين كان قد كلف بها من قبل الصحافة الإنسانية لمساعدتنا تفهم دور العراقيين, ولكنه حضر أيضا بعض الاحتجاجات و عانى القيود في الاتصالات و الحملة الإعلامية المكثفة للنظام. النتيجة هي حكاية غير عادية عن الوضع في بلد بشار الأسد, محاصر من قبل نفس شعبه.

“إن العراقيون يشعرون بالخوف. كثير منهم يفكرون جدييا في الخروج من البلد وكثيرون منهم لم يأتوا هذه السنة من العراق, على رغم أنه مقصد طبيعي لقضاء الصيف فيه, عندما ترتفع درجة الحرارة في بغداد نأتي لزيارة الأهل و الأصدقاء في سوريا. إن أسعار الايجارات  للبيوت منخفضة الآن, و يوجد بيوت كثيرة حالية” يشرح لنا, موضحا إنه منذ بضع سنوات كان من المفروض دفع 1000 دولار أجرة غرفة واحدة في القدسية: لأن الطلب كان عاليا. ولأن كثير من العراقيين ليس لديهم مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو اللاجئين –الذين يحتاجون تأشيرات دخول في كل المنطقة- بينهم أعضاء كثيرة من المقاومة مطلوبون في العراق.

وهذا هو حال سالم من الميليشيا العراقية منذ عام 2008 يعيش في دمشق . وصل مع زوجته لقضاء عطلتهم الصيفية عندما أخبروه أن الجيش الأمريكي يسأل عنه في بغداد. لم يرجع إلى البلد أبدا. “الحكومة السورية ضغطت علينا لمعرفة موقفنا تجاه ما يجري من الأحداث, ولا نعرف ماذا نقول. ومن الصعب معرفة  إذا كان هذا النظام سيتحمل أو سيسقط, و في الحقيقة نحن الذين نعيش هنا كلنا فارين من العراق. يجب علينا أن نتجنب أي تدخل في نشطات ضد النظام, لأنه من المحتمل أن يسلمونا إلى بلدنا انتقاما منا, و هذا يعني الموت.

و هذا نفس ما يفكر به عبد الله, صحفي عراقي  يعيش منذ خمسة سنوات في دمشق. قد سجن في العراق وهو مهدد بالقتل في وطنه الذي ولد فيه. “كل شيء ممكن. إذا النظام (العلوي الشيعي, المقرب من طهران) يفقد السيطرة ويحتاج إلى قوات أكثر, يمكن أن يطلب مساعدة المليشيات العراقية مرطبتة مع إيران كقوات بدر, جيش المهدي أو أهل عصب الحق. احتمال آحر أن النظام يسلم العراقيين الموجودين هنا. نسمع الأخبار بقلق عن المساعدة التي تمنحها إيران إلى سورية, 6.000 مليون دولار (في الحقيقة, هو عقد الغاز قيمته 10.000 مليون, وقع بين العراق, سوريا و إيران) و المساعدة التي تقدمها بغداد إلى دمشق, لأن الثمن الذي سيدفع ليس فقط الدعم السياسي إنما تسليم العراقيين المطلوبين (كعسكريين سابقيين أو أعضاء لاجئين من حزب البعث). احتمال آخر هو ضغط النظام على أفراد الجيش العراقي السابق لرد المعروف بالمساعدة في خبرتهم, تحت التهديد بترحيلهم”.

و الخوف الذي يرتاب منهم العراقيين ليس فقط فقدان الوضع الراهن الذي هم يستمتعون به الآن. لديهم خوف أن يصبحوا أداة تستعمل لصالح أو ضد النظام, و أن يكونوا غارقين في حرب أهلية أخرى كما عانوا منها في بلدهم مع مئات الألوف من الضحايا, حتى تغيير في النظام و تسليم السلطة إلى زعماء متعاطفين مع الأمريكيين منهين بهذه الطريقة الحملة ضد المقاومة التي أفشلتها سوريا باستضافتها للمتشددين.لكن حسب الأدلة التي تم جمعها إن أغلب العراقيين وبشكل خاص الذين يعيشون في المناطق, الأكثر تضررا من القمع, لا يتعاطفون مع النظام.

أبو محمد يتحدث مع ثلاثة إخوة عراقيين يعيشون في حمص, وصلوا إلي دمشق لزيارة عائلاتهم. لجأوا في عام 2006, بعد سنة من قتل الميليشيات والده من أصل سوري في النزاع الأهلي. “في حمص المظاهرات قوية جدا. المتظاهرون يتحكمون غالبا على الشوارع. وضد ما يقولون, لا يوجد سلفيين ولا أجانب. كلهم سوريون, ومن حمص. “نحن العراقيون لا نشارك معهم لأننا لسنا سوريين, و لأن النظام سلم خمسة عراقيين كانوا قد انضموا إلى المظاهرة. الآن نحن نبقى في البيت كل الوقت,  نخرج فقط لشراء الطعام. وإن التجربة التي حصلو عليها من الغزو والحرب الأهلية نفعتهم بحمايتهم من الاستغلال. “نحن نتخذ احتياطاتنا لتخبئة أموالنا والأشياء الثمينة حتى لا تسرقها منا الشرطة عندما يدخلون إلى البيت للتفتيش”.

سالم, المقاتل الذي ذكرناه سابقا, يفعل نفس الشيء للاحتياط. “منذ أيام, كان يوجد احتجاجات في الحي. وبما أن شقتي تقع أمام الجامع, استطعنا أن نشاهد كل ما يحدث من شرفتنا. الشرطة و الشبيحة (ميليشيات النظام)كانوا يدخلون إلى البيوت ويخرجون ومعهم أشياء مثل هواتف محمولة ونقود. ومنذ فترة سرقت الشرطة نقودا كثيرة من أحد أصدقائنا العراقيين بعد مداهمة منزله.

ودورهم كشهود استثنائيين حول الاضطرابات الاجتماعية التي تمتد في كل سوريا. عمر عراقي يقيم في حماة منذ عام 2006, عندما هرب من العراق. متوجها إلى دمشق منذ عدة أسابيع وعندما أراد الرجوع كان الوقت متأخرا, حيث كانت المداخل مقطوعة من قبل قوات الأمن. “في حماة الناس لا تشعر بالخوف من الحكومة. المدينة توجد تحت سيطرة اتحاد التنسيقيات المحلية. إن المتظاهرين يشعرون بالفخر لأنهم  أبناء و أحفاد شهداء حماة (من القمع عام 1982 عندما قتلوا بين 10.000 و20.000 شخص, حسب التقديرات) و من هنا تنبع قوتهم عند وقت التظاهر”. ويقال أن أول مظاهرة عظيمة جمعت حوالي 400.000 شخص في الشوارع والنظام قابلها بمظاهرة كبيرة لصالح النظام معظمهم من الشبيحة, موظفون حزب البعث وأفراد الأمن. “هم حرقوا سيارات و أبنية. مسببين أضرار, وبعدها التقطوا صورا لعرضها على شاشة التلفاز ليتهمون المتظاهرين الذين يطالبون بالحرية. ولكن مظاهراتهم كلها سلمية.

حسب عمر, إن النظام الدكتاتوري ارتكب مجازر في حماة. “وأنا بنفسي حملت جرحى إلى المستشفيات. وقد شاهدت كثير من الضحايا, عشرات القتلى… المتظاهرين لا يحملون السلاح, فقط يحملون بعض السكاكين, للدفاع عن أنفسهم.  وليسوا بسلفيين, و في الحقيقة يوجد بينهم إخوان مسلمون وقول النظام أنهم سلفيون دعاية كاذبة.” حسب فهم هذا الشاهد, في حماة لايوجد الآن صور أو تماثيل لعائلة الأسد. ولا حتى الشرطة و لا الجيش, متجمعين خارج المدينة في انتظار الغزو الذي حصل أخيرا منذ أيام بسبب بداية رمضان.

والشيء الجديد والهام الذي حصل في سوريا الثورة والقمع هو فقدان الخوف الذي كان مهيمنا على الشعب السوري بالنسبةإلى أبو محمد. “إن جدار الخوف قد وقع. عندما وصلنا إلى سورية, منذ خمسة سنوات, لا أحد كان ينتقد النظام. الأن حتى سائقي التكسي صاروا يتكلمون عن الثورة وينتقدون الدكتاتورية. أحد الأيام,كنت مع سائق تاكسي يبلغ 60 عام قال إنه كان يعيش في داريا, على مشارف دمشق. حسب ما قاله, أن المظاهرات في الحي الذي يعيش فيه شارك حوالي 10.000 شخص.ويتابع: لم يبقى صور ولا تماثيل للأسد, ويعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون انشقاق الجيش ضد النظام, بدعم من علماء السنة. ” بشار أحمق, هو ليس ذكي كوالده. في الثمانينات, عندما كان رفعت الأسد (شقيق الرئيس) يبدأ حملة ضد الحجاب و كان رجاله ينزعون الحجاب في الشوارع, حافظ اوقفه و خلال بضعة ساعات كان يطلب المعذرة من الشعب. لكن بشار,ليس فقط يرتكب الجرائم ولا يشعر بالندم بعده ويتابع التهديد بالمزيد.

ساعد على ذلك حقيقة النظام والمحاصرة المطبقة عليه, وتكون ردة فعله مثل حيوان جريح على وشك الموت, يقوم بالعض مسببا في كل مرة أكثر معارضة. “أمس, في منتصف الليل, عند عودة أمي وأختي إلى البيت بعد تناول الإفطار, وجدوا مجموعة من الشباب, لا يتجاوزون العشرة, متجمعين مقابل بناية سيرياتيل (شركة هاتف في القدسية) وفي الحال ظهرت مجموعة من قوات الأمن في اللباس المدني, وهاجموا الشباب بمسدسات كهربائية وأدخلوهم إلى الحافلات, يتابع أبو محمد.

مثله مثل كل العراقيين فهو يتابع الثورة بايدي مربوطة لا نستطيع المشاركة ولا اعطاء أية معلومات لأنه يجازف بالطرد أو شيئا اسوأ من ذلك, ومن أجل الحصول على معلومات أو الاتصال مع العالم الخارجي يتصرف مثل السوريون. حيث يلجأ إلى مقهى الانترنت الذي تربطه بصاحبها صداقة –حيث يقوم بفتح له الصفحات المقفلة من جانب النظام- ويتركه يبحر في الشبكات الاجتماعية من أجل تعليق صور أو فيديو مأخوذة خلسة.” فقط يأتون مستعملين موثوق منهم, يسألون عن فيسبوك والمالك يقوم بتعيين حاسوب لهم, يقومون بعدها بإرسال رابط من المكتب يسمح بالدخول إلى الشبكة الاجتماعية”. ويذهب إلى بيوت يوجد فيها أطباق للأقمار الصناعية لمشاهدة قنوات عالمية مثل الجزيرة, العربية ويستعمل الهاتف للاتصال بأصدقائه المنتشرين في أماكن مختلفة في كل سوريا و لجمع المعلومات. وهذا ما يفعله السوريون أيضا, بواسطة الأقمار الصناعية ومعلومات مباشرة تسهلها لهم عائلاتهم وأصدقائهم في مدن أخرى”, خلال الليل الاتصالات معقدة جدا. وفي ساعة المظاهرات الشبكات التلفونية تتوقف عن العمل”, يشرح.

العراقيون يتقاسمون الخوف وعدم الاستقرار السياسي وأيضا حرب أهلية في سوريا التي تقترب يوما بعد يوم. لكن سائق التاكسي المذكور عبر عن تفاؤله “سوريا لن تكون مثل العراق, السنيون هنا أغلبية ونحن نعلم جيدا ما حصل في العراق ولن نسمح أن يجري ما حصل هناك”. ولكن الحقيقة أن بشار الأسد ليس فقط يحرك الصراع الطائفي ليحتفظ بالسلطة, بل يهدد بحرب اقليمية تحرق كل الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن كابوس العراقيين والسوريين وبقية العرب ما هو إلا في أول البداية.


وسائل التواصل الاجتماعي تتحول إلى ساحة معركة بين مؤيدو النظام السوري ومؤيدو الديموقراطية


الجيش السوري الالكتروني مؤيد قوي للنظام ويعتمد على عشرات الألاف من الأعضاء الفعالة

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

مشاهد فيديو لمواطن سوري خلال المذبحة التي قام بها جيش بشار الأسد في مدينة حماة السورية حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان والذي أكد مقتل أكثر من 90 شهيدا وعشرات الجرحى.

كان الوضع المعتاد في اوقات الثورة والخوف: نقطة تفتيش عسكرية, بعض الجنود يتعرضون للحافلات من أجل تفتيشها بحثا عن أسلحة أو ناشطون ,وهنا حافلة أخرى فيها شابان سوريان يمتلكهم الرعب من احتمال اعتقالهما.

- ماذا تحملون في السيارة؟

- لا شيء, لا شيء.

- أكيد؟ لا تحملون فيز بوك في حقيبة السيارة؟

عندها تحولت وجوه الشابان من الخوف والريبة إلى الذهول الكامل, يقص علينا رامي نقلي وهو يلتوي من الضحك.”لا يعرفون ولا حتى ما هو فيزبوك لكنهم سمعوا أنه شيئ سيئ جدا و يجب عليهم السؤال”, يشرح لنا هذا بين قهقهات من منزله في بيروت, شقة متواضعة حيث تجد منفضة السجائر مليئة, وترمس القهوة جاهز في أي وقت.

جنود سوريون يراقبون الطريق, هذه الصورة التقطها مواطن في منتصف شهر أيار (مايو)(AP)

هذه هي واحدة من اللحظات النادرة من الاسترخاء في المحادثة مع من يعتبر الناطق العام للناشطين الإلكترونيون السوريون المؤسسون للثورة ضد بشار الأسد. واحد من الأسباب الموضحة للتناقض الذي يعاني منه النظام وحربه ضد إنترنت, و هو السلاح الوحيد في أيدي الشعب الأعزل.

وعلى الرغم من القمع الالكتروني الذي بدأه النظام –مع أنه يعاني بعض النقص نظرا “للنقص التقني”, كما يصفه رامي, من دكتاتورية منعزلة خلال خمسة عقود- فيزبوك تحول إلى ساحة معركة في الثورة السورية, 30 مجموعة يدافعون عن الرئيس, وحوالي 20 مجموعة أخرى يدعون إلى الثورة ضد بشار الأسد: منها مجموعات مهمة مثل “الثورة السورية 2011″ منبع المعلومات التي تنظم الإحتجاجات, أو لجان التنسيق المحلية, المحرك الفعلي للإحتجاجات.

في بداية السنة وقبل اندلاع الثورة,فتح النظام مفاجأة الدخول إلى فيزبوك الذي منع حتى ذلك الحين, السوريون دخلوا على هذه الوسيلة الاجتماعية. وبعد شهرين, عندما كان القمع للمظاهرات المترددة و اعتقال مجموعة من الشباب من درعا بسبب كتابتهم على الجدران ضد الديكتاتورية سببت المظاهرات الأولى,حينها تحول فيزبوك إلى أداة أساسية لتنظيم الاحتجاجات.

المعارض السوري رامي نقلي, في شقته في بيروت. (Mónica G. Prieto)

لم يكن هناك أي وسيلة أخرى آمنة للقيام بذلك في بلد نظم تنظيما عسكريا: قال هذا الكاتب والصحفي ألان جورج في كتابه ” سورية بدون خبز ولا حرية”, وقد أحصى عدد أفراد المخابرات الذي يصل إلى 65.000 موظف هذا بالإضافة إلى مئات الألوف من المساعدين بدوام جزئي ومخبرين مؤقتين. “في بلد من16.7 مليون نسمة (احصائيات 2001) يوجد شرطي سري متفرغ تماما لهذا العمل لكل 257 سوري. وإذا أحصينا فقط البالغين من العمر, يوجد شرطي لكل 153 بالغ”.

أن الميزة الوحيدة التي يتمتع بها المتظاهرون هو جهل المخابرات العمل في إنترنيت أو وسائل التواصل الإجتماعية, على الأقل في الوقت الخاضر. ولما وجد النظام الخطر من هذه الوسائل الجديدة, بدأ في حرب هذه الوسائل وبواسطة نفس السلاح المستعمل وجند الميليشيات, الجيش الإلكتروني السوري(EES) أنها ميليشيا الكترونية فوضها النظام لشن المعركة التي تحصل في وسائل التواصل الاجتماعية وهي مسؤولة عن” الهجوم على مواقع ويب التابعة للمتظاهرين وفيزبوك”  كما شرح لنا أهيد الهندي, منسق الاحتجاجات في Cyberdissidents.org تصريحاته  لـAFP , “إن كثير من هذه التعليقات هي تهديد بالموت واتهامات بالخيانة”.

وهم يحاولون نزع الشرعية عن الناشطين وتقديم وجهة نظر أخرى للأحداث في سورية وبأن النظام هو ضحية مؤامرة خارجية, هدفه قتل الجنود من طرف مدنين مسلحين ممولين من الخارج وقد تم التلاعب بالمحتجين من قبل قوى أجنبية ترمي إلى سقوط دمشق, كما حدث في بعداد.

صورة يستعملها الجيش السوري الالكتروني في فيزبوك

في صفحته, الجيش السوري الالكتروني يصف نفسه بالبطولية: “إذا من نحن؟ وما هي قضيتنا؟ نحن مجموعة من الشباب السوريون المتحمسون الذين لا يستطيعون الوقوف مكتوفي الأيادي أمام هذا التشويه الضخم للحقائق حول الأحداث في سورية, وهذا التشويه ينجزونه عبر صفحات كثيرة في فيز بوك, ويعملون متعمدين على نشر الكراهية والتعصب الطائفي بين أفراد الشعب السوري وبهذا يحرضون على الثورة”.

“إن المسؤولين عن (جماعة) الثورة السورية اعتمدوا على فيزبوك كوسيلة إتصال لنشر أفكارهم المخربة (…) ومن هنا الحاجة إلى الجيش السوري الالكتروني لوقف هذه الخطط القاتمة ضد بلدنا الحبيب. سنخاربهم بنفس أسلحتهم. هذه هي الفكرة التي اعطت حياة لهذا الجيش”.

محمد مرعي “هو عضو فخور في هذا الجيش”, حسب ما اعترف لنا في محادثة الكترونية مع الصحافة الإنسانية. هذا السوري الذي يقيم في اللاذقية يشرح, هي “مجموعة من السوريون الذين يعشقون بلدهم, لقد رأينا الحملات الإعلامية المضللة, لذلك قررنا نشر حقائق ما يجري في سورية, نحن لسنا “هاكيرز”, فقط نروي في مواقع الاتصال فيزبوك شارحين حقيقة ما يجري من الأحداث. عندما نقرأ أقوال خاطئة في أي صفحة فيزبوك, نرد عليهم بالحقائق مبرهنين بهذا حبنا إلى سورية وحبنا العظيم لبشار الأسد”.

وكثيرون على ما يبدو يشاركونه وجهة نظره, بعد قليل من الأيام من تشكيل هذه المجموعة في فيزبوك بلغ عدد أتباعه 60.000, حسب قولهم. “مختلف الشكاوي التي وصلت من المستخدمين سببت اغلاق هذا الموقع, لكنهم يتابعون فتح مواقع مرة بعد أخرى”, يتابع نقلي, وهو في نفس الوقت يشك بحسن نيات هذه المجموعة التابعة للنظام. “هؤلاء القتلة يضربون المتظاهرون في النهار وهم نفسهم من يجندوهم من أجل مضايقة الناشطين الالكترونيون في الليل”.

في صفحته على انترنيت, الحيش السوري الالكتروني يؤكد أن فيزبوك أغلق صفحته في 22 مرة, لكن هذا لا بمنع تعميم الطبعة الألف منها, مفتوحة في 21 حزيران. مرعي مع صورة للرئيس السوري كصورة جانبية, هو أحد أعضاء هذه المجموعة فيزبوك مؤيدة للأسد. ويوجد الكثيرون مثل بشار الأسد يضم 196.000 متابع, وأخرين أقل عددا مثل “إخرس أباما, نحن نحب بشار (12.000)” وأنواع أخرى مثل” إخرس ساركوسي, نحن نحب بشار” أو الدراماتيكي “نحن نموت فداء الرئيس”. لكن مؤيدي المتظاهرين ليسوا أقل منهم. الثورة السورية 2011 تشمل234.000  متابع: وهذا ما يعكس الانقسام الاجتماعي الموجود في البلد مما يبعث الخوف من حرب أهلية.

مشاهد من صفحة أسرائيلية محرفة من قبل الجيش السوري الالكتروني. (InfoWar Monitor)

رامي نقلي ومحمد مرعي آرائهم متناقضة تماما حول ما يحدث في سورية. الأول يقول أن الشعب السوري يُقتل فقط لأنه يطالب باصلاحات ديموقراطية, بينما يقول الثاني أنها مؤامرة عالمية سلحت المجرمين بقناع الاحتجاجات وهو في الحقيقة محاولة لتغير النظام. “عندما بدأت الأحداث كثير من الناس انضموا إلى الاحتجاجات بمطالب شرعية”, يعبر مرعي. “في درعا كانوا يريدون تغيير المحافظ, وممثل الشعب الذي هو الرئيس وافق على هذه المطالب الشرعية. لكن المعارضة الموجودة خارج سورية يريدون إستغلال هذه المطالب لمصالحهم الشخصية, يريدون الحصول على الحكم بأي ثمن. لهذا يؤيدون المظاهرات, يسمحون بدخول السلاح ويجلبون المجرمين لأجل مهاجمة المتظاهرين ليقولوا بعدها أن قوات الأمن هي التي قتلت الناس”, يشرح لنا هذا الشاب الجامعي.

محمد في إضطراب واضح لهذه التغطية المتحيزة للصحافة الغربية.”الآن الأزمة عالمية, فرنسا, الولايات المتحدة الامريكية وتركيا وضعوا ايديهم في سورية لأجل الحصول على منفعة من هذه الأزمة. إن الرجال المسلحين المعتقلين اعترفوا بالتأييد من قبل (السياسي اللبناني المناوئ للنظام السوري) سعد الحريري. وفي جسر الشغور  اعترفوا حصولهم على دعم من جهاز الأمن التركي. الجيش السوري اعتقل جنود أتراك كانوا يدربون رجال مسلحين”.

وجهات نظر متعارضة في هذه المواجهة المريرة بين الكتلتين, سواء في الميدان أو في شبكات التواصل. وفي دراسة أجراها  InfoWar Monitor, يوجد حملة ضخمة تفصيلية على صفحات الفيزبوك, حيث يوجد 140 هجوم من قبل الجيش السوري الالكتروني على صفحات غربية واسرائيلية: وهذه الصفحات تبقى محظورة مع صورة تحمل الرسالة الآتية مع بعض التعديلات: “نحن الشعب السوري, نحب رئيسنا بشار الأسد وسنسترجع الجولان. إن صواريخنا سوف تقع فوق كل من تسول له نفسه مهاجمة أرضنا الحبيبة.”

إن سيل التعليقات لصالح النظام في شبكات التواصل الأجتماعية, هدفه أي موقع يعتبره الجش السوري الالكتروني  ملائم لخلق رأي مواتية للأسد: من مجموعة فيزبوك لعرض أبرا حتى البرلمان الأوروبي.

هذه الميليشيات الالكترونية المخلصة للديكتاتورية الدمشقية لا يمكن ربطهم بالنظام لأنه لا يوجد دلائل, وما وراء ما يمليه المنطق و خاصة في بلد مسيطر عليه مثل سوريا, ومن غير المحتمل إذا أن يكون هؤلاء المستعملين يعملون من وراء النظام- و الفخر الذي شعروا به عندما ذكرهم الرئيس بشار الأسد في خطابه في 20 حزيران, عندما وصفهم “أنهم جيش حقيقي في عالم خيالي”.