الصحافة الإنسانية

لجزء السادس والأخير من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

وجه نور مغطى بالعلم السوري, حمص, ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

حمص.- من النساء الأكثر احتراما من جانب أهالي حمص تذهب دون أن يلاحظها آحد. قصيرة القامة, حياءها يظهر من خلال صوتها الذي يأخد شكل الهمس ومؤكدة بهذه الابتسامة الخجولة كلما ذكر أحد الدور المهم الذي تلعبه في هذه الثورة. “هي بطلتنا”, يقولون عنها. لكن هي تشتت النظر وتحوله  إلى الأرض في حياء واضح. لكن كسبت الاعجاب الغير مشروط وشامل من قبل الرجال العرب ولكونها امرأة فهو حظ كبير لن يحظى به إلى القليلات من الشجعات وبدون شك نور الحمصي هي منهن.

ثلاثة هواتف محمولة ترافقها لا يتوقفون عن الرنين حول الوضع في المدينة, طلبات مساعدة أو طلب نصائح حول تنظيم وتوزيع الطعام حتى إرسال مواد طبية.” هي روح هذه الثورة, إذا إعتقلت فستكون نهاية مدينة حمص”, يقول لنا أحد رفقائها.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

وعندما نور تجد الثقة الكافية لشرح قصتها, نفهم عندها لماذا تولد هذه الهالة من احترام الذين من حولها. هي تقف خلف المظاهرات, هي التي تنظم الشعارات واللافتات, توزيع الفيديو والتنظيم الشعبي في حمص وهي التي تمنع تحول هذه المدينة والذي يبلغ عدد سكانها مليون ونصف محاصرون ومهاجمون منذ عدة أشهر من طرف الجيش, بأن تعاني نقصا في ما يلزمها.

“ولماذا أطلقنا هذه الثورة؟ لأننا هنا في سورية لا نستطيع فتح أفواهنا إلا لتناول الطعام”, تشرح لنا بهدوء.”لا يسمحوا لنا حتى التنفس, لا يوجد حرية, بشار مجرم مثلما كان والده وقد حان الأوان أن يذهب”, تقول لنا في أحد المكاتب في حمص محاطة بناشطين آخرين حيث أنهم يعاملونها بطريقة مختلفة تظهر مدى أهمية هذه المرأة التي تحمل البكالوريوس, عمرها 31 سنة وقد قررت وضع نهاية على عملها من أجل الانخراط الكامل في الثورة التي طورت التاريخ السوري.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إلهامنا بزغ من تونس”, معترفة بذلك بعد أن تناولت جرعات من كأس الشاي. في مقر عملها في منظمة عالمية والتي تفضل عدم زكر اسمها وذلك لوضع أمني. بدأت توسع فكرة اعادة التجربة التونسية بين رفقائها الذين يشاركونها هذا الطموح الديموقراطي. “كنت أفعله بصوت عالي وبدأت أيضا نشر هذه الفكرة الثورية في الجامعة وكثير من الناس كانت لهم نفس الفكرة. تكلمت بهذا مع كل أنواع السوريين بما فيهم صديقاتي العلويات, شارحا لهم عن حاجتنا جميعا إلى الحرية. الأسد سوف يذهب, لكن نحن باقون.”

نور تعترف بأن إنتسابها الإجباري لحزب البعث كان مرغما لجميع السوريين الذين يرغبون الالتحاق في بعض الكليات الجامعية أو الحصول على عمل في الحكومة, هذا الانتساب ساعدها على ابعاد الشبهة عنها. وبنيتها البريئة كان له أكبر الفضل. لكن بدون شك كانت هي وراء الدعوة بواسطة فيسبوك إلى أول الاحتجاجات في دمشق, والذي قال عنها النظام أنها نظمت من قبل لبنانيون في بيروت لا يتعاطفون مع النظام ولأجل تهديد استقرار بشار. الحملة الأمنية الذي أطلقها النظام كانت كبيرة جدا ولهذا انتهت بالفشل: وإن الأفراد القليلة من المتظاهرين الذين لبو الدعوة لم يستطيعوا التجمع أبدا لأنهم علموا بأنهم سوف يعتقلون.

كان اليأس سيد الموقف ومن كثرة الألم الذي شعرت به فكرت اشعال النار في جسدي مثلما فعل بوعزيزي حتى أكرر ثورته. لكن الثورة تفجرت في درعا لحسن حظي و التغيير طرأ ليس فقط على حياة نور ولكن على جميع سورية.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

في مدينة درعا الجنوبية, في أوائل شهر مارس (آذار) مجموعة من الطلاب طرأت لهم فكرة تقليد جيرانهم التونسيين والمصريين فكتبوا على جدران مدارسهم عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام”, هذا الشعار الذي حرك تلك الثورتين. ألقي القبض على هؤلاء الأطفال المراهقين, فخرجت عائلاتهم وجيرانهم إلى الشوارع طالبين إطلاق سراحهم. النظام قابل هذه الجرأة في الاحتجاجات بعنف, وكلما زاد اطلاق الرصاص على المحتجين زادت عمليات المشاركة في تأبيين الشهداء والتي تحولت سريعا إلى مظاهرات. الأطفال المراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و 15 سنة, في النهاية, أفرج عنهم, بعد تعرضهم للتعذيب, والمظاهرات التالية طالبت النظام محاسبة المسؤلين. فما كان من الجيش إلا أن دخل درعا وحاصر الجامع الذي كان مصدر خروج المظاهرات. في سورية غير مسموح قانونيا تجمع أشخاص إلى في الأماكن المخصصة للعبادة, وبدأ بهجوم دموي. مشاهد الأهالي وهي تخرج مع ارتفاع عدد الضحايا الذي امتد إلى كل البلد, بدأت مظاهرات التأييد لمدينة درعا مطالبين وقف الحصانة والفساد.

كان هذا أصل الثورة, ونور عرفت كيف تنشرها. “في بادئ الأمر, الناس كانوا خائفيين. بدأنا بمجموعة من عشرة أشخاص – اربعة رجال وستة نساء- بهدف توعية الآخرين: كل واحد كان ينشر الثورة إلى 20 شخصا, واذا حسبنا أن هؤلاء سيفعلون نفس الشيء الذي قاموا به. فلو أن أحدا قبض عليه كان من غير المحتمل أن يستطيع الوصول إلى الباقين”. الأمن في دولة ديكتاتورية مثل سورية والتي تملك خمسة عشرة فرع للأمن من مهمتهم كبت أي إشارة لمعارضة سياسية, وهذا يتطلب الأخذ باحتياطات كثيرة. كثير من الأهالي, تقول نور, كانوا يأتون ليسلموننا مساعدات. “نريد المساعدة ولكن سرا. ارسلوا هذه المعونات إلى درعا”, كانوا يقولون, سلموا هذه البطانيات والأغذية. “لم يكن بالإمكان فعل ذلك, كانوا محاصرون من قبل الجيش. لكن قررنا الحفاظ على هذه المساعدة واستعمالها عند حاجتنا لها في حمص.”

حمص. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

المظاهرات توسعت ومعها القمع. نور الحمصي عرفت منذ البداية  أن الثورة السورية سوف تكلف ضحايا أكثر بكثير من تونس أومصر. “لقد كنا نعلم أنه سيموت ناس كثيرون و أكثر من الجرحى, ولهذا تعلمت منذ البداية شكرا لانترنت كيف نحمي أنفسنا من القنابل الدخانية, كيف تصنع الكمامات, وفوق كل ذلك ركزنا على المسائل الطبية. وكثير من المهنيين دربوا وشكلوا ناشطيين كثيرين على المساعدات الأولية ووزعناهم على المدن لكي لا يبقى ولا حي واحد إلا و له حماية”. الشابة السورية تقدر عدد الذين شكلوا ودربوا بحوالي 900 شخص في مدينة حمص وحدها.

“في بادئ الأمر كان اسعاف الجرحى يضعهم موضع الخطر, لم يكونوا بعرفون عن الكيفية الآمنة وخوفهم من الطلقات النارية كان يجعلهم يتصرفون بأي طريقة: أما الآن فهم يعرفون كيف ينقلون الجرحى إلى المستشفى بدون أن يلحقه أذى”. وحسب نور إن هؤلاء العاملين الصحيين المؤقتين يعرفون جيدا كيف يفتحون طرق وكيف يغلقون ويخيطون الجروح.

هذه الشابة ومجموعتها عملوا على امتلاك طاقم من وسائل الاسعافات الأولية ووزعوها في كل مدينة حمص وضواحيها. “مواد طبية للاسعافات الأولية وحليب للأطفال, لأننا كنا نعلم الحاجة الماسة لهذه المواد في درعا”. وتجربة هذه المدينة الجنوبية حملهم على تخزين أدوية من الصيدليات والاتصال مع أطباء في عياداتهم الخاصة ليضعوا ما لديهم تحت تصرف الثورة.

وفي الثامن من أبريل, خرج المواطنون في حمص إلى الشوارع كل يوم جمعة كان يخرج آلاف الأشحاص إلى الشوارع مطالبين إسقاط النظام. نور وطاقمها كانوا يتكفلون بتحضير الشعارات وصنع اللافتات وابتكار الشعارات التي يهتف بها الناس وكان القمع يلاحقهم في كل يوم جمعة بالنار.

دبابات في أحد نقاط التفتيش العسكرية التي تحيط حي باب عمرو في حمص, سورية. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

وفي اليوم السادس من شهر مايو أحاط الجيش المدينة و كانت بداية الحصار العسكري والذي كان يخفف لفترات معينة, حتى شهر رمضان, عندما وجدوا عدم استطاعتهم القضاء على الاحتجاجات اتخذوا اجراءات أقوى. عشرات من الدبابات أغلقوا كل المداخل جاعلين من المستحيل الدخول أو الخروج بدون اذن من الجيش. ومئات من مراكز المراقبة العسكرية تتحكم في الطرقات مطلقين النار على كل سيارة تحاول استعمال هذه الطرق.

منذ بداية الثورة في حمص وضواحيها سقط 2113 ضحية (شهيد) وحتى 22 ديسمبر بشكل إحصائي وموئف. “هذه أرقام لجثث قمنا بتصويرها وتحديدها مع إثبات هوية كل منها, لكن يوجد الكثير من المدفونين في حدائق وخاصة في الأماكن المحيطة, ولا نعلم عددهم. هذا بالإضافة أن الجيش إعتاد خطف الجثث والجرحن ولا نعلم ماذا حل بهم. عدد المفقودين كبير جدا”, يقول أبو هنين أحد الناشطين الذين يعملون مع نور.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إحتاطاتنا من الأدوية بقيت قليلة وكان من اللازم البحث عن حل”, تتابع هذه الشابة, طلب من الصيدليات أن يقوموا بطلبيات إلى صيدليات أخرى في غير مدن من البلد وبطريقة رسمية, متطوعين من حلب ومن دمشق قاموا بطلبيات إلى شركات صيدلانية طالبين منهم التسليم في حمص: وهي طريقة الحصول على إمدادات وبصورة قانونية, بالإضافة أنهم إستطاعوا رشوة الجنود في المراكز العسكرية على أن يغضوا النظر عندما تمربهم هذه الإمدادات. “أحيانا تكون الرشوة طعام فقط, لأنكم لا تعلمون الحالة البائسة التي يعيش فيها جيش بشار الأسد”.

وكلما زاد ضغط الحصار إزدادت الصعوبات للحصول على الإمدادات ولهذا سافرت نور إلى البلد المجاور لبنان حتى تنظم دخول هذه المواد وبشكل خفي ومستور. ومن أجل إدخالها إلى المدينة في البداية إستعملوا سيارات بداخلها نساء, لكن خلف إعتقال إحداهن وضبط معها الأدوية التي كانت تحملها في صندوق السيارة وحجزها المدة شهرين, قرروا تغيير الطريقة. نور قامت يتهريب إمدادات ونقود على الأقل 20 مرة.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

كانت نور وراء إنشاء المستشفى الميداني في باب عمرو وبالتأكيد هو الحي الأكثر معانات في حمص. “حصلنا على حمالات عن طريق وسطاء الذين كانوا يشترونها مستعملة من المستشفيات العامة مقابل مبالغ كبيرة من المال” إستفادوا من الفساد من أجل إقامة من لا شيء هذا المستشفى. وهو لايزال المركز الطبي الوحيد في باب عمرو, والذي يبلغ عدد سكانه 28.000 شخص وهذا قبل القمع الذي حمل بعضهم إلى الهرب.

خلال أسابيع نور كانت تحتل مكان في سيارة الإسعاف في حمص وتؤكد لنا أنهم في عدة مرات كانوا عرضة للطلقات النارية من طرف النظام: وفي إحدى المرات أطلقوا النار على سيارة الإسعاف من أربعة جهات مختلفة, واحد من رفقائها مات في الحال, واثنين جرحى.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

لم تكن اللحظة الأخطر التي تعرضت لها منذ أن بدأت الثورة. بل إن أسوأ ذكرى مدرت بها كان لحظة إعتقالي, قضيت خمسة ساعات معتقلة في مركز أمني داخلي معروف تحت الإستجواب. “سألوني عن خمسة أسماء, هذه الأسماء الخمسة هي أسماء مستعارة كنت أستعملها منذ أن بدأت الثورة. أقسمت لهم أنني لا أعرف هؤلاء البنات ولم أتورط في أي نشاط معاد للنظام”, كان من المحتمل أن أقضي عدة شهور في السجن, لكن إحدى الشبكات بدأت تتحوك حتى الحوصول على المال الكافي لشراء حريتي”. إنها قيمة بالنسبة لنا وليس فقط بما يتعلق بنشاطاتها بل المعلومات التي تحوز عليها: هي تعرف جميع الأسماء الحقيقية لجميع الذين يعملون منذ بداية الثورة”, يشرح لنا أحد الناشطين.  أحد الموظفين الحكوميين في دمشق قبل المال وأصدر الأمر لإخلاء سبيلي. “لم أعرف مطلقا الكمية المدفوعة”, تضيف الشابه.

طابور الخبز حمص, ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

ومن بين نشاطاتها الرئيسية, توزيع الأطعمة على المدنيين والجنود المنشقين, الإتصال مع وسائل الإعلام العالمية, وحديثا إصداد مجلة “سوريا الحرية, توزع في حمص واحدة من كثير من وسائل الإعلام الأهلية التي بدأت بالظهور مشجعة بالثورة. لكن منذ بضعة شهور نجدها تركز على توثيق جرائم النظام. المنظمات عالمية لحقوق الإنسان والذي منع النظام دخولهم إلى سورية.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

عائلتها ليس فقط لاتعارض نشاطها داخل الثورة السورية بل تشجع نور على متابعة عملها “أشقائي يشاركون أيضا في المظاهرات, الصغير فقط يحضر والأكبر منه 22 عاما يعمل هو وأصدقائه للبحث عن مخرج آمن يسمح للناس الهرب من القمع العسكري ” .لهذه الشابه ليس هناك عودة إلى الوراء. “فقط لدينا خياران: النصر في هذه الثورة أو الموت على أيدي النظام”.


الفصل الثاني من “مقالات سوريا” اجرت بشكل سري في هذه الأيام من أعياد الميلاد  من قبل مراسلتنا مونيكا بريتو  في مدينة حمص المحاصرة . قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

حمص / ضربات على الطبل وبشكل متوازن ترسم الطابع الإيقاعي للمظاهرات. شابا, 23 سنة, كان عاملا قبل انتفاضة الثورة, يهتف بالأغاني و يردد المشاركون وراءه. “يا للعار, أن يبقى بشار رئيسا وهو في الحقيقة مجرما”.” يلا ارحل يا بشار”, يأتي الجواب بأصوات مرتفعة من الحشد. بين صراخ وجوقات, صوت رجل ينبثق عبر مكبر للصوت, قائلا: ” فوق كل الأحوال, لا تقتربوا من أماكن التفتيش الحكومية, فهم يطلقون النار للقتل, ولذلك نكرره ألف مرة: لا تقتربوا منهم”.عبثا تلك النصيحة:لأن أهالي حمص تعلموا الابتعاد عن هذه الأماكن قدر الإمكان وعن الشوارع العريضة حيث أن القناصة المتمركزة هناك يطلقون النار عشوائيا على كل من يتحرك.

قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص. كل أيام الجمعة آلاف من الأشخاص يخرجون إلى الشوارع:و بقية الأيام, مئات منهم يتجمعون في أحيائهم, المعزولة واحد عن الآخر بمراكز عسكرية, من أجل إطلاق الشعارات ضد نظام بشار الأسد ورفع لافتات تطالب المجتمع الدولي من أجل الحماية.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“حرية لإخوتنا وابنائنا الذين يقبعون في السجون”.”أوقفوا هذه المجزرة”.”أين هي الجامعة العربية”. “لا شيعة لا علوية لا سنية: كلنا سوريين”. هتافات صامتة في ثورة يشكك بعضهم في شرعيتها متأثرين بالدعايات الكاذبة التي تنعت بالإرهابيين. هذا الشعب المدني والذي وحد شمله هدف واحد وهو الحرية بدون اعتبارات تميز الطبقات الإجتماعية, أو أعمارهم أو ديانتهم. شعب قرر الوصول إلى النهاية, لأن كل جريمة يرتكبها النظام تعطيهم قوة جديدة.

لا نرى سلاح في المظاهرات, إلا اذا كان احد يريد اعتبار مكبرات الصوت التي تديرهم وترشدهم كسلاح. ولا يوجد أيضا الإرهابيين المفترضين الذي يقول بشار الأسد أنه يحابرهم, فقط رجال و نساء, مراهقين وأطفال, الموجودين في الاحتجاجات والذين عقدوا العزم والإرادة على أن يسمع صوتهم عما يحدث في سورية.

YouTube Preview Image

مظاهرة في حمص, 2011 (live19820)

“في أوروبا قوات الأمن موجودة لحماية المواطنيين, بينما هنا موجودون فقط لحماية النظام المجرم”, يقول هذا طالب شاب يدرس علم اللغات, عرف نفسه فقط باسم بلال في احدى المسيرات التي عملوها قبل قليل من الهجوم الدموي على حمص في حي الإنشاءات.”لكن عملهم الاجرامي يزيدنا شجاعة” لو توقفنا لقتلونا واعتقلونا من نفس بيوتنا, هذه الحكومة أصيبت بالجنون”, يضيف أحد الجامعيين الذي كان إلى جانبه و كلاهما مثل الكثيرون الذين سألناهم يطلبون من المجتمع الدولي حظرا جويا يمنع القوات المسلحة السورية الهجوم على المتظاهرين.

منازل مهدمة في حمص. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إن رئيسنا رديء وبدون دماغ”, تقول إحدى المشاركات في الاحتجاجات تبلغ ما يقارب 50 سنة تجيد اللغة الإنكليزية بطلاقة وهي لا تزال بحالة صدمة وذلك عندما عرفت عشية هذا المساء نتائج الانفجارات التي وقعت على ثلاثة بيوت وموت خمسة أفراد من نفس العائلة, أربعة منهم أطفال في الحي المجاور باب عمرو.”أنهم يقتلوننا لكن لا أحد يهتم بنا. الشبيحة تعمل على خطف وإغتصاب بناتنا. إن سوريا تنتهك”.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

وتظهر امرأة أخرى في نفس العمر وتطلب التكلم مع الصحفية بلغة فرنسية طليقة. “كيف يستطيع إنسان عمل كل هذا مع أنه درس في أوروبا, وهو يعرف ما هي الديموقراطية؟ كيف من الممكن أن زوجته لا تقول شيئا, كيف لا تغادر هذا البلد حتى لا تكون شريكة له في هذه المجزرة؟”.”أنظري, هم يقتلوننا, حتى أنهم لا يسلموننا الجثث حتى توقع العائلة على تصريح اعتراف بأن الضحية ماتت على يد إرهابيين, زوجي مسوؤل عن مستشفى صغير خاص: دخلوا إليه في الساعة الخامسة صباحا وأخذوا ثمانية جرحى كانوا يتلقون العلاج فيها, بعضهم كان في العناية المركزة: انتزعوا منهم أنابيب التنفس الاصطناعي ورموهم على الأرض وانهالوا عليهم رفسا بالأقدام. اثنين منهم ماتوا على التو في نفس المكان والآخرين قادوهم إلى المستشفى العسكري.”

كلهم عندهم قصص أعمال وحشية يريدون التحدث عنها. عمليات قتل, اعتقالات, مفقودين, حالات تعذيب قريبة منهم. كلهم يلعنون النظام السوري, وجميعهم يجددون القوة للخروج إلى الشوارع.”نحن انتظرنا كثيرا هذه اللخظة”, تقول ليلى مدرسة في الجامعة. “بالنسبة لنا لا يزال صعب جدا مع أننا نتحملهم منذ 40 سنة عودونا على هذه الجرائم. لكن المجتمع الدولي يتباحث معه من تحت الطاولة وأن الشعب السوري ليس من أولوياتهم. والحقوق الإنسانية لا يهتمون لها”, آسفة. “نحن سنخرج في المظاهرات ما دام بشار موجود لأننا لو تركنا ذلك لاعتقلونا جميعا”.

أبو نور يعرض جروحه (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

أبو فارس, 72 سنة, يؤكد أنه طول حياته كان يطلب من الله أن يعيش هذه الثورة. هو وزوجته وأولاده وأحفاده يشاركون في المظاهرات منذ أن بدأت ويؤكد لنا أنه لن يتراجع مع العلم أن إبنه أبو نور, 35 سنة, يرقد جريحا وهي المرة الثانية التي يصاب بها من قبل القناصة في الأشهر الأخيرة. أول مرة كانت في باب عمرو في اليوم السادس من شهر مايو عندما تلقى عيارا ناريا في بطنه, والثانية أربعة أيام قبل هذه المقابلة: كان يحاول إسعاف جريح سقط في شارع عندما تلقى طلقة  أخرى في ذراعه وخرجت من ظهره.

مستلقيا في صالة الاستقبال الشعبية العربية وهي المكان الأكثر دفئا في البيت والمكان الوحيد الذي يوجد فيه مدفأة تعمل على المازوت وهي تصلح لغرفة نوم لجميع العائلة في هذه الأيام من الشتاء البارد والحصار العسكري, أبو نور يستقيم بصعوبة. “سوف أتظاهر حتى أن أموت”, يقول هذا بعد صمت قليل ناظرا إلينا مباشرة إلى العيون وإلى جانبه والده.”لا تزال هناك معركة أخيرة لخوضها”. سوف لن نستسلم ولن نتراجع حتى تأتينا المنية”, يتابع الجريح. إن كلماته تذكرنا بعبارات كتبت على جدران قرب بيته تقول :”لن نركع”.

كتابات في حمص, ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

هذه الكتابات على الجدران كانت نادرة أو معدومة في سوريا الديكتاتورية لكن الآن توجد بالآلاف في باب عمرو. يوجد مناخ من الحرية تتنفسه كل شوارع المدينة, محمية بشكل محدود من طرف الجنود المنشقيين الذين يشكلون الجيش السوري الحر حيث لهم في أحياء حمص الملاذ الوحيد في كل البلد. الأطفال يؤلفون أغاني ضد النظام ويهتفون بأعلى أصواتهم عاش الجيش السوري الحر والكبار يفعلون نفس الشيء مجتمعين في جمعات صغيرة من أهالي الحي مسلحون بمكبر صوت يصرخون عاليا ما لم يستطيعون عمله منذ 40 عاما من الديكتاتورية.

مظاهرة في حمص, ديسمبر, 2011 ( مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“نحن نريد حرية من أجل شهدائنا من أجل حقوقنا”. تشرح لنا طالبة جامعية في إحدى الاحتجاجات الليلية في هذا الحي المتمرد, والذي كان يحصل يوميا قبل الهجوم العسكري. لقد حاولنا طلب مساعدة من تركيا, من الجامعة العربية, من المجتمع الدولي لكن لا أحد يؤيد حقنا في الحرية. الآن لا نريد أحدا. الله سوف يساعدنا على تحقيق النصر لثورتنا”.


نبدأ في نشر سلسلة من المقالات التي حررت خلال أيام عيد الميلاد, من طرف مراسلتنا مونيكا بريتو في مدينة حمص السورية, محاصرة و تقصف بالقنابل من قبل جيش نظام بشار الأسد.

مونيكا بريتو (حمص, سورية)

المترجمة: ليلى محرم

كان يبدو من المستحيل التعرف على الأشلاء المشوهة التي كانت ترقد على أرض المطبخ في هذا المنزل المتواضع للشاب علي أحمد الذيب. هذه النظرة الفضولية للطفل ذو 15 عاما والذي كان ينظر إلى أمه منذ بضع ساعات وهي تتذكر الفقدان المفاجئ لأخيه محمود, عمره 12 سنة, ضحية قنبلة مسمارية قذفت من دبابة سورية الشهر الماضي في نفس الشارع الذي تعيش فيه,كانت متجمدة, اختفت أعضاء الجسم,إنها الذاكرة المؤلمة لهذا الصغير علي عندما كان يساعد أم جهاد على البحث على صور أخيه, وعندما كان يحبس انفاسه عندما كانت تقول فخورة عن هذه الخسارة التي “كانت تحطم قلبها”. “لكنه مات كما يموت شهداء الثورة, الحمد الله, و أنا مستعدة لإعطاء أولادي واحد تلو الآخر للقضاء على هذه النظام. منذ طفولتي علمت من والدي أن حافظ الأسد كان مجرما قاتلا. وكنت أفكر أن ابنه كان أفضل منه لكن الآن أكتشفنا أنه أكثر إجراما من والده.”

أم جهاد لم تكن تتوقع أنه بعد الالتقاء بالصحافة الإنسانية في منزلها في باب عمرو, واحد من الأحياء المعنية في حمص, العدوان العسكري الذي قام به النظام السوري ضد أبناء شعبه سوف يحصد اثنين آخرين من ابنائها.وعلى الساعة السادسة مساء من يوم الثلاثاء 20 ديسمبر, سقط قذيفة مباشرة فوق منزلها والذي أنجم عنه ما يقال أسوأ في باب عمرو أنه أقسى وأشد مجزرة جرت في باب عمرو منذ أن قامت الثورة ضد بشار الأسد. علي أحمد كان ملقى في المطبخ حيث تحول جزعه إلى حطام و عيناه الكبيرتان تضيع في الفراغ. واحد من ذراعيه يبزغ من خلال بقايا البيت الذي حولوه إلى حطام, فقط ساعة من قبل كان منزلا واسعا وبسيطا حيث كانت أم جهاد توزع الفاكهة على الضيوف, وهو شيء فاخر في مدينة محاصرة مثل حمص. وحيث بقيت أشلائه و أشلاء أخوه الكبير, جهاد, عمره 24 عاما, كانوا قد تفرقوا مشكلين أبشع تجمع لرفات بشرية على أرض الغرفة.و في طرف آخر من المنزل يوجد علم كبير عليه بقايا من الرز الذي يسمح بالافتراض أن الانفجار الذي أفجع قلب أم جهاد مرة أخرى حصل عندما كانوا يتناولون طعام العشاء.

الجثمان المشوه لعلي أحمد الذيب, عمره 15 عاما, يرقد فوق سجادة في بيته الذي قصفه جيش الأسد. تنبيه: فقط ننشر النصف العلوي للصورة, لأن النصف السفلي يظهر فيه بقايا ممزقة من البطن وفقدان الأرجل, منزوعة على أثر الانفجار. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

عائلة الذيب, هي معروفة في حمص, لم تكن هي الضحية الوحيدة في هذه المأساة الذي سببتها قوات بشار الأسد. قسم من المنزل المجاور, التابع لعائلة العودة, الذي تربط بينهم قرابة, انهار بفعل قوة الانفجار. الغبار الممزوج برائحة الموت والمتفجرات كان يضمخ الجو ويجعله غير صالح للتنفس, مع صراخ الجيران المذعورين جعل من هذا الجو كما لو أنه غير حقيقي.

“من هنا, من هنا!”, الدرج مغطى بالأنقاض, والذي يؤدي إلى الطابق الثاني. هناك عدة من الرجال كانوا يعملون بشكل محموم. واحد منهم كان يضيئ بفانوس, عله يضفي شيء من النور في هذه الليلة المظلمة لمدينة حمص, لأن الرئيس السوري لا يسمح  لشعبه التمتع بالكهرباء ويستعملها لمعاقبته وإذلاله لأنه رفض الخضوع لنظامه البوليسي. آخر كان يجلب بطانية. وآخر, على السطح, ينزل ,كما يستطيع, كتلة دامية : عمود فقري مع أشلاء متدلية تقطر دما. رماهم فوق البطانية و في الحال تقيأ. أما الرجل الثاني قام بلفهم و أما الآخرين فقد كانوا يبحثون عن البقايا من كانوا قبل قليل ينتظرون قضاء يوم جديد من الرعب.

مظاهرة في حي باب عمرو, 22 ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

مرحبا بكم في حمص التي تعاني منذ أكثر من خمسة أشهر من الحصار والقصف بالقنابل والهجوم من قبل قوى الدكتاتورية السورية, والذي يدعي النظام أنه يحارب السلفيين. وماهم إلى أطفال ونساء ورجال كل  ذنبهم أنهم طالبوا بالحرية. مرحبا بكم في حمص الحقيقية, مختلفة تماما عن ما تصفه حكومة دمشق, حيث أنها تؤكد محاربة إرهابيين مسلحين بينما لا يوجد سلاح إلا بأيدي الجنود المنشقين وبغير ذخيرة كافية للمواجهة مع الجيش المعتدي وميليشياته, الشبيحة, قوات غير نظامية تملك حصانة كاملة لإطلاق الرصاص عشوائيا وبشكل دائم, التي تسبب في كثير من الأحيان عشرات من الضحايا يوميا.

مرحبا بكم في حمص, حيث أن الأماكن الوحيدة لعلاج الجرحى يتم في منازل خاصة مجهزة كمستشفيات ميدانية والتي كان فيها أفراد من عائلتي العودة والذيب, حيث أن الجرحى يشاركون الإقامة مع أشلاء ذويهم لأن المستشفيات العامة محتلة من قبل موالين للنظام,  و أصبحت مراكز للإعتقال و التعذيب. وفي النهاية مرحبا بكم في سورية, حيث أن الجرحى لا يجرؤون إعطاء أسمائهم الحقيقية خوفا من تعرضهم هم وعائلتهم للانتقام لأنهم تلقوا طلقات نارية من هذه الحكومة الذين يعملون هم على حفظها بضرائبهم.

في مقبرة الناس القريبة من السكة الحديدية للقطار 40 قبرا يرقضون مفتوحة كجراح في الأرض.”في هذه المدينة نحن جميعا معرضين للشهادة فيجب الحفاظ على القبور جاهزة كل يوم لاحتضان شهدائنا”, يشرح لنا أبو أياد واحد من الشعب الذي كرس حياته للثورة الشعبية ضد النظام. إلى جانبه قبور حديثة تعلن أن الحظ الذي حالفة شهيد جديد. “في أغلب الأحيان يطلقون الرصاص على المشيعين ولهذا فليس من المستحسن البقاء هنا طويلا”, يعلمنا نفس الشاب. أحيانا قطعة من الكارتون تصلح لتكون شاهدة وهو رمز واضح للأشياء الموقتة العاجلة. “الشهيد مرزوق شريف الناصر, تم تعذيبه وقتله في المستشفى العسكري”, كانت تحمله واحدة منها. ”في حمص لم نعد نطلق عليه المستشفى العسكري بل المسلخ العسكري” يصرح أحد الناشطين مستفزا ابتسامة الباقيين وهو ما يعني المذبح العسكري.

بعد ساعات وفي منتصف الليل عائلتي الذيب والعودة كانوا يوارون التراب ما بقي من أشلاء ذويهم في ذلك المكان, لأن المستشفيات الميدانية لا تملك أماكن صالحة لحفظ هذه الأشلاء مدة طويلة وأكثر ما يقومون به غرفة يدعون بها الجثث ويغطونها بالثلج لحفظها حتى تذوب هذه. وفي الصباح التالي اضطروا لإجراء مراسيم أخرى لأنهم تمكنوا من العثور على أشلاء بين الحطام التي ظهرت على ضوء النهار.

جثمان أحد المواطنين الذي قتل بطلقات نارية من طرف جيش الأسد ممددا على حاملة في مدينة حمص. ديسمبر 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

المستشفى المؤقت يعمل بواسطة مولد كهرباء فقط. الكهرباء لم تكن مشكلة في حمص حتى أن بدأت الثورة والماء أيضا, الآن النظام يستعمل هذين العاملين على شكل عقاب جماعي. فقط تعمل أربعة ساعات ولا نعلم متى تبدأ ومتى تنتهي لكن في مدينة حمص وهي الثالثة في سورية هناك نقص لأشياء كثيرة. كل صباح يشكل طابور أمام حافلات المازوت وفي الأماكن التي تبيع جرات الغاز. الجيران يسألون بعضهم البعض أين يستطعون العثور على وقود لإستعماله في جهاز التدفئة الموضوع في الصالون لكل بيت وبهذا يتقون البرد القارس ودرجات الحرارة المنخفضة التي تصل أحيانا إلى درجة الصفر لأن حمص الآن تعيش في فصل الشتاء.

والمواد الطبية هي أيضا مفقودة وليس لأن المواطنين لم يجمعوها من قبل أو لم يجدوا طريقة لتهريبها من الخارج بمساعدة بعض السوريين اللاجئين أو الفارين من القمع أو المطلوبين بل لأن الحصار الحديدي الذي فرضه النظام على المدينة. الطبيب الوحيد الذي يدير المستشفى الميداني أبو بيري, هو رجل ملاحق من قبل السلطات بتهمة “السلفية”, يقول هذا وهو يطلق قهقهة كبيرة وهو يداعب لحيته وينحني قليلا فوق لينا ممرضته التي توافقه على هذه النكتة مطبطبة على ركبته. بينما تراجع ما يلزمهم “دم, مصل دم, مخدرات, مضادات حيوية, ضمادات, جهاز تنفس… نحن نجري بتر الأعضاء بواسطة سكاكين وعملية فتح القصبة نجريها بواسطة انابيب الأركيلة لنقص في المعدات. في هذا البيت من ثلاثة غرف نجري العمليات, نثبت العوامل الحيوية, نغسل الجثث حتى أننا نخيط الأكفان, فهي معجزة أننا نستطيع إنقاذ حياة.”

YouTube Preview Image

مدنيين في حمص يعبرون ركضا أحد الشوارع تحت وابل من الرصاص العشوائي من قبل قناصة وجنود جيش الأسد. (موناكا بريتو /الصحافة الإنسانية)

على ما يبدو أن كل ما يحصل في حمص هو عن طريقة المعجزة , كثير من ضحايا القمع لا يستطعون الوصول إلى المقابر بأمان وحسب أين تكون موجودة أماكن التفتيش الحكومية الأربعون, حسب تقدير الناشطين, حيث إتخذ القناصة مواضعهم لإطلاق الرصاص الحي من أعلى سطوح المدينة, ومن أين حصلت الوفاة والمسافة التي تفصلها عن موضع القناص, وفي كثير من المرات فإن الناس يجبرون على دفن موتاهم في حدائق البيوت لأن الرصاص يمنعهم الوصول إلى أبعد من ذلك. وباب عمرو تعتبر محظوظة بالنسبة لباقي المناطق في حمص, لأن الجيش الحر السوري المشكل من جنود منشقين عن النظام لرفضهم أوامر إطلاق النار على المحتجين, لا يزالون يسيطرون على الحي, ثمانية أماكن منهم يراقبون مداخل الحي وبشكل مؤقت وغير ثابت وأعضائه يراقبون كل شيء غريب يحاول الدخول إلى الحي, الوسائل هي نفسها التي كانوا يحملونها عندما إنشقوا عن الجيش: في شارع شط العرب آر بي جي (قاذف قنابل) واحد موضوعا على الجدار إلى جانب أكياس من الرمل وضعوا على شكل خندق.

أطفال في حمص ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

إذا أراد النظام إخضاعهم بالسلاح فهو يستطيع ذلك خلال ساعات قليلة لكن عدد الضحايا سوف يكون عاليا جدا. “مهمتنا الوحيدة هنا هي الدفاع عن المدنيين ليس لنا القدرة على شن هجوم ضد جيش بشار”, وبالتأكيد فإن هذا الأمر هو الذي يمنعنا من إتخاذ هذا القرار وهذا الذي يسمح أن تكون باب عمرو الآن مسرحا للإحتجاجات اليومية المرتجلة, حيث أن الأطفال والشيوخ يهتفون بشعارات صارت معروفة من “الله, سورية, حرية وبس” نحن نفضل أن نموت أحرارا على العيش في المذلة وبدون كرامة”. مزيج من أصوات موسيقية متفقة في الشوارع يعتبرونه نسيم من الحرية.


الحكومة المكسيكة منحت 22 ترخيصا من أجل إستخراج الذهب من أراضي القرية المقدسة يوشاريكا.

ويريكوتا مكان طبيعي محمي يملك أنواع كثيرة من الأصناف المتوطنة

الحفر المفتوحة سوف تنهي الماء وسوف تلوث المنطقة بشكل خطير

المحرر: ماخو سيسكار / المكسيك
Majo Siscar

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

حسب أوتشوليين ففي ويريكوتا بدأ كل شيء. كان ذلك منذ مئات السنيين عندما رفع الأيل فوق قرنية الشمس حتى السماء من أجل أن ينقذ العالم من الظلام. إن140.211 هكتار التي تؤلف هذه المنطقة الشبه صحراويه ويريكوتا في سان لويس بوتوسي. وهم منشأ الكون بالنسبة لويشاريتاري أو أوتشوليس حتى يستمر النور, هذه البلدة القديمة التي يهاجر أهلها كل سنة حوالي 400 كم تماما كما كان يفعل أجدادهم مرشدين من قبل ماراكاآتي, شيوخ حكماء حيث أن أغانيهم تؤكد بعد الشمس عن الأرض وعدم الرجوع إلى ليل دائم, هذا الظلام الذين يشاهدون الآن عودته على أيدي شركات المناجم غير الوطنية.

إمرأة يوشاريكا تحمل عدة أنواع من الذرة حتى صحراء ويريكوتا. صورة من http://salvemoswirikuta.blogspot.com

الويشاريتاري هم من المدن القلائل الأصليين الذين لا زالوا يحتفظون بعباداتهم الأصلية قبل وصول الإسبان, معتمدين على أربعة آلهة: الذرة, النسر, الأيل والخيكوري وهو نوع من الصبار المهلوس الذي ينمو في صحراء ويريكوتا, لكن الآن آلهتهم طغت عليها آلهة أخرى أكثر بريقا للغرب ألا وهو الذهب. في عام 2009 الحكومة المكسيكية منحت 35 ترخيصا إلى شركات المناجم الكندية First Majestic من أجل استخراج هذا المعدن الثمين الكامن في هذه المنطقة 22 منها تقع في أماكن مقدسة.

“ألم شديد هذا الذي نشعر به. الدولة تقوم على قتل وخطف قلوبنا يريدون نهايتنا وقتل أمنا الأرض الحبيبة وبها تقاليدنا و قوم يوشاريكا”, يشرح سانتوس دي لا كروث مستشار محلي في يوشاريكا وعبر صدى صوته نسمع جميع المدائن الهندية التي تدافع عن أراضيها ضد هجمة رأس المال.

سانتوس دي لا كروث (على اليسار) إلى جانب أحد الماراكاآت إيشوليس في مؤتمر صحافي في مركز الحقوق الإنسانية Prodh, صورة من Prodh.

ولذلك, ففي شهر أكتوبر سانتوس دي لا كروث سلم شخصيا إلى الرئيس فيليبي كالديرون رسالة يطلب بها نقض 22 ترخيصا منجميا ممنوحا. وهذا آخر طلب من عشرات الإجراءات التي قاموا بها الإيشوليس من أجل الدفاع عن اراضهم المقدسة. هذه الأرض المقدسة التي رهنتها الحكومة المكسيكية مقابل ثلاثة مليون دولار. ومنذ ذلك الحين الويشاريتاري نوهوا إلى التضامن مع مختلف المنظمات الإجتماعية, ومع عشرون منها شكلوا العام الماضي ماسموه جبهة الدفاع عن ويريكوتا ومثل الأيل يوراريكا الذي يرفع الشمس بقرنيه حتى لا تتحق مشاريع المناجم.

لأنه ما وراء القيمة المقدسة للمنطقة في محافظة على ويريكوتا, يتنازع نموذجان متعارضان للتطور للتحفظ على البيئة محمي ومعترف به بأنه واحد من أربعة عشرة مكانا مقدسا طبيعيا من طرف اليونيسكو يفترض أنه يشاكل 0,3 % من صحراء شيهواهوا لكنها تضم تنوع بيولوجي كبير: إن نصف المقاطعة هو نباتات متوطنة 60% الثدييات و80% من الطيور بينها النسر الملكي في خطر الإنقراض.

هي جزيرة من الحيات النباتية في وسط الصحراء وهناك توجد آثار قديمة للإنسان في القارة الأمريكية, يشير أمبيرتو فرنانديث, مدير وقاية الإنسان.

YouTube Preview Image

“سوف يكون أرخص علينا بكثير دفع التعويضات إلى الشركات الخاصة من أن نتحمل تكاليف الإساءة إلى البيئة الرامزة. لا يزال ممكنا إعادة التشجير, مليء المنطقة بالحياة, إستعادة النماذج الزراعية والرعوية والمناجم المستنفذة”, شدد إدواردو غوثمان , قاضي في إحدى البلديات في المنطقة وهو أيضا عضو في الجبهة.

وبالفعل, قبل عام من منح التراحيص المنجمية, فإن حكومات الخمسة دول التي يتواجد فيها الوشوليس وقع على إتفاق هواوشا ماناكا من أجل حماية وتطور الثقافة الويشاكارية,برئاسة فيليبي كالديرون حتى أنه لبس الثياب التقليدية.

“التوقعات محزنة, مع أنها منطقة محمية من قبل الحكومات الدولية والفيديرالية لكن وبدون شك, ليس لدينا سياسة عامة لحمايتها”, يضيف غوثمان, وليس هذا فقط بل أن الدولة المكسيكية نفسها إنتهكت الإتفاقية حول حقوق سكان البلد الأصليين الذين يطالبون إستشارة شعوبهم حول إستعمال أراضيهم.

من أجل الدفاع عن أراضيهم الوشوليس تحركوا في مختلف الدول الذي يعيشون فيها وقد وصلوا إلى العاصمة المكسيكية, حيث أنهم حصلوا على تضامن معظم الهيئات الإجتماعية والسياسية والفنية. بابلو ثولايكا.

ولهذا فإن جبهة الدفاع الويريكوتا وضعت عارضة حماية أمام العدالة من أجل إلغاء التصاريح المنجمية. وقد لجؤوا إلى المحاكم, وتحريك الشارع, قرعوا أبواب الرؤساء حتى أنهم وصلوا إلى الأمم المتحدة, من أجل وقف الجشع المحطم لديارهم وطريقتهم في الحياة.

“في ويريكوتا تتواجد قلوبنا حياتنا, وحياة أجدادي”, يشرح سانتوس دي لا كروث أمام لجنة شؤون السكان الأصليين في الأمم المتحدة في نيو يورك في التاسع عشر من شهر أيار الماضي وطلب منهم أن يضغطوا على الحكومة المكسيكية لإلغاء تلك المنح والآن الأمم المتحدة كررت أنها سوف تهتم بتلك المنطقة, حسب ما أشار إليه في مؤتمر الصحفي كارلوس تشابيث من الجمعية الحاليشينسي لمؤازرة الشعوب الأصلية للبلاد.

تعتبر نشاطات المناجم الصناعية الأكثر تلوثا في الوقت الخاضر. وضمن هذه الأعمال التي تمارس في الهواء الطلق مثل الذي يعزمون عملها في ويريكوتا, و هي الأكثر تأثيرا على البيئة, ولنفس السبب فهي ممنوعة في بلاد مثل ألمانيا, اليونان, الجمهورية الشيكية وفي ولايات كثيرة من كندا والولايات المتحدة.

من أجل إستخراج الذهب من ويريكوتا, ليس فقط يجب قطع الأشجار في كل المناطق التي يود العمل فيها بالإضافة إلى استعمال كميات كبيرة من المياه والسيانيد. بينما يحتاج منجم واحد صغير إلى 250 الف لتر من الماء في ساعة, مقابل عائلة قروية تستهلك 30 لتر من الماء في اليوم. وهذا يعني أن المنجم يستهلك في ساعة واحدة نفس الكمية من الماء التي تستهلكها عائلة كاملة خلال 20 سنة. بالإضافة أن السيانيد يترسب في المياه الجوفية ويعمل على تلوث هذه المياه الجوفية وعلى تلك الأراضي التي تبقى غير صالحة للزراعة. وهذا مقلق من ناحيتين في منطقة شبه صحراوية مثل ويريكوتا التي فقدت معظم الأشجار الكثيرة الأوراق بسبب مناجم الفضة والذين أقاموها في المنطقة منذ قرنين, وعندما أغلقوا هذه المناجم معظم السكان اضطروا للهجرة لأن الأرض أصبحت عقيمة غير قابلة للزراعة. وفي دراسة حديثة في جامعة غوادالاخارا (وادي الحجارة) حول تسمم هذه المنطقة وجدوا أنه لا يزال في الوقت الحاضر كميات كبيرة مكثفة من هذه المعادن الثقيلة (الرصاص, الزئبق والزرنيق) في الأرض وجوفها في المناجم القديم للفضة. وهي مضرة جدا للصحة وبالفعل فإن ريال دي كاتورثي, القرية القديمة التي تتصدر هذه المنطقة معروفة ومروجة للسياحة بأنها قرية أشباح.

لكن سكانها لا يريدون أن يحصل مرة أخرى. مع أنه يوجد قسم من السكان يرون ذلك إيجابيا لوجود احتمال الحصول على هذا عمل بمجرد فتح المناجم, لكن الجبهة تطالب بشكل أخر من الاستثمارات. سانتوس دي لا كروث يحث الحكومة المكسيكية على “تشجيع مشاريع انتاجية أو أي شيء ينفع السكان وبدون زرع الأمراض التي تولدها المناجم”. وفي نفس الرسالة التي وجهت إلى رئيس الحكومة, الإيشوليس يقترحون تحويل ويريكوتا إلى نموذج من المساحة المحمية على مستوى عالمي. بحيث أن سكانها يشاركون في ترميميها وتطورها بواسطة أعمال كريمة وشريفة تحافظ على محيط البيئة.

الماس المغزول المعروف بـ" عيون الله" هي أكثر الأعمال المعروفة في الفن أوشولي. كل لون من ألوانها يمثل نقطة كاردينالية توفر الحماية. بابلو ثولايكا

الحكومة من جانبها تصم أذانها. إن النشاطات في أعمال المناجم لها الأولية من أجل تشجيع الإستثمارات الأجنبية, والشركة الكندية نفسها First Majestic تملك ثلاثة مشاريع أخرى لاستخراج المعادن في باقي المكسيك. 36% من الأراضي المكسيكية, مساحة واسعة أكبر من إسبانيا أو فرنسا, يحصلون على امتيازات لشركات المعادن. وبها تتضاعف المقاومة في نفس الولاية ويريكوتا المعارضين على شركة المعادن سان شابير يتحملون دفاعا قانونيا ضد الاستغلال وحفر المنطقة الذي دام أكثر من 15 سنة لكنه حصل على تأخير في زيادة مناجم جديدة في أراضيهم. واحد منهم اسم روري كارناليس وهو مقتنع “بوجود وعي وسياسة مختلفة” على رغم أنه يعترف بأن الدولة متجاوزة من قبل هذه الشركات”. الأراضي التي يحصل بها الأعمال التنجيمية هم مثل أراضي محتلة وبدون سيادة وطنية, بحيث أننا رأينا كيف أن الشركات نفسها تخلق نزاعات مسلحة في القرى من أجل الدخول لتلك المناطق ولأن رجال الأمن لا يدعون دخول المراقبين…”, يضيف.

YouTube Preview Image

وبالفعل ففي المقاطعة الجنوبية لغيريرو, الجيش والبوليس الفيديرالي القوا القبض في 25 أوكتوبر الماضي على واحد من السكان الأصليين “مي بلها”, أغوستين باريرا, من التنسيقية المحلية للسلطات المشتركة (CRAC) حيث تتخذ موقف معارض قوي ضد الشركات Hochschild و Camsim حيث أنهم يخططون مشاريع استثمارية للذهب في هذه المنطقة وفي المقابل بعد بضعةأيام فإن الرئيس كالديرون في زيارة له لغيريرو, سلط الأضواء على أن المناجم وطدت 12.000 مليون دولار من الاستثمارات خلال مدة حكمه الذي بدأ في ديسمبر من عام 2006 وإن البلد قد عاد إلى احتلال المكان المنتج الرئيسي للفضة في العالم, والتاسعة للذهب.

“لقد دعمنا بالفعل قطاع التعدين (المناجم) وهو اليوم يوجد بأحسن وقت”, كما ختم الرئيس.


نشطاء سوريون ينشؤن شبكة خاصة للعناية الطبية من أجل علاج ضحايا القمع في منازل خاصة

حسب منظمة العفو الدولية, في المستشفيات الحكومية المرضى يعتقلون ويستجوبون ويعذبون, حتى من الطاقم الطبي

بعض الجرحى ينقلون إلى شمال لبنان, حيث شبكة أخرى تتكفل إدخالهم المستشفيات ودفع التكاليف الناجمة عنها

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

YouTube Preview Image

طرابلس (لبنان) أربعة شباب يحتلون غرفتين في إحدى المستشفيات الرئسية الحكومية في طرابلس, غرف مضيئة ونظيفة, جميع المرضى أصيبوا بجراح خلال القمع السوري وعولجوا في بيوت خاصة من قبل أطباء وممرضات خوفا من الذهاب إلى مستشفى حكومي, متحولة هذه إلى “قواعد عسكرية” حسب النشطاء السوريين والجمعيات الخيرية مثل  AVAAZ أو منظمة العفو الدولية.

واحد منهم أمسكت أمه بيده تعبيرا عن ابتهاجها كما لو أنها تريد بهذا محو هذه الشهور الأخيرة من ذاكرتها. لكن تعبير إبنها محمد 23 سنة مقطب وحزين. يعطي الانطباع أنه ما زال في تلكلح, والذي وصل منها متأثرا بجرح رصاصة في وركه. و ينطبق الشيء نفسه على أبو ياسين 21 سنة مصاب في ساقيه منذ أسبوعين في حمص:هو اجسه لم تهرب بعد من الأخطار التي قاساها في حي باب عمرو, حيث أن ثمانية من أصدقائه تحولوا إلى نفايات إنسانية.

“كنا ثمانية أشخاص المجموعة المكلفة بإدخال ما يلزم إلى الحي. هذا الحي كان محاطا بالدبابات ولهذا فإن الوسيلة الوحيدة كانت الخروج بشكل فردي وتجميع أكبر كمية ممكنة من المواد الغذاية والأدوية من أحياء مجاورة”, يشرح لنا هذا الشاب السوري بجهد. “والمدخل الوحيد الذي نستطيع النفاذ منه كنا نسميه الحدائق, ومن هناك تجري المحاولات. وكان يوجد طائرة مروحية مقاتلة تطلق الرصاص بشكل عشوائي, و بجانبي وقعت قنبلة مسمارية. بعض من أصدقائي تمزقوا على أثر الإنفجار. ستة قتلوا, آخر فقد ساقيه, فقط بقيت أنا على قيد الحياة.”

الإعتناء بأحد جرحى المظاهرات (AP Photo)

حي لكن ثلاثة مسامير دخلت رأسه وساقه وجانبه. الشاب أبو ياسين لم يفكر قط الذهاب إلى مركز طبي عام. “لأن الجرحى هناك يقبض عليهم ويعذبون“, يقول لنا بعجب شديد. “لا يتذكر كيف حملوه إلى مستشفى ميداني, حيث بقيت فقط عشرة دقائق: كان بيت عادي يشرف عليه طبيبان وممرضتان. كان هناك جرحى وجثث ممددة على الأرض, لأن المقابر الإنسانية كانت محتلة من قبل الجيش. الجثث يضعوها في برادات للفواكه: وفي الليل بعض المتطوعين يحملونهم حتى الحدائق ليتم دفنهم في الليل.”

إلى جانبه الدكتور مازن ينصت إليه بإنتباه مكتوف الأيدي. “لا نستطيع الوثوق من المستشفيات العامة لأنهم حولوها إلى قواعد أمنية“, يشرح لنا هذا الشاب وهو طبيب أسنان 23 سنة, أجبرته الظروف ليصبح مساعد جراح. “في بادئ الأمر 90% من المصابين يلاقون حتفهم والباقي يلقى القبض عليهم, وخلال إقامتهم في المستشفى كانوا يعذبون. الآن لا يذهب أحد إلى المستشفيات. الناس يلجؤون إلى عيادات داخل بيوت خاصة في كل مدينة.”

هي شبكة طبية سرية, كما يشرح للصحافة الإنسانية المسؤول عن أحد الجمعيات الخيرية الرئسية السورية, لديها الآن 100 طبيب مخصصون حصريا لهذه العيادات في كل البلد, مع طلاب من كليات الطب الذين هم على وشك التخرج سنة أو سنتين –وخاصة في مدينة حمص- وهي المدينة الأكثر تضررا من قمع النظام حيت أنهم تركوا دراستهم ليكرسوا كل وقتهم لإنقاذ المواطنين. الدكتور مازن أغلق عيادته لطب الأسنان في بانياس –مسقط رأسه- بعد شهر فقط من إفتتاحها وذلك عندما بدأت قوات الأمن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين, غيروا جزريا أو لوياته.

“أنشأنا عيادة موقتة في بيت خاص مؤلف من ثلاثة غرف وصالون. وقد حصلنا على مولد للكهرباء حتى نتجنب القطع المتواصل للتيار الكهربائي وحولنا غرفة نوم إلى غرفة عمليات”, يشرح. “كنا طبيبان وعدة ممرضات. المشكلة كانت عدم حوزتنا على الدم, ولهذا شجعنا الجيران للتبرع به لوقت الحاجة, حيث بلغ عدد الجرحى في الصالون إلى ثمانية إلى جانب ستة جثث, ثلاثة منهم نساء.

العيادة دامت قليلا لأهل بانياس, حيث أن هجوم الجيش في يوم سبعة أيار بحيث أخذ البيت كهدف له واعتقلوا الجميع بمافيهم الجرحى: “اثنين منهم لاقوا حتفهم لقلة العناية الطبية”. طبيب الأسنان الشاب إعتقل لمدة شهرين في السجن, وما أن أطلقوا سراحه غادر إلى لبنان وأصبح المسؤول في بلد الأرز عن القسم الطبي في المجالس المحلية للتنسيقيات الداعية إلى الإحتجاجات السورية.

جنود سوريين في حمص (AP)

مهمة مازن أصبحت الإهتمام باللاجئين الجرحى الذين يصلون إلى لبنان حيث يقوم بإحصائهم فهم أقل من مئة. “بعضهم يموت في الطريق“, يضيف. ليس هذا بالغريب مع العلم بأن الطريق غير شرعي بين سوريا ولبنان, وادي خالد منطقة جبلية وعرة, وعلى مرأى من القناصة السورية المتمركزة على سطوح البيوت الحدودية السورية. البعض منهم الأكثر خطورة ندخلهم مستشفيات عامة, بعد جمع التبرعات لدفع المصاريف, والذين حالتهم أقل خطورة نضعهم في بيوت خاصة وبشكل سري في طرابلس معقل السنة اللبنانيين, وفي منطقة حلبا القريبة من الحدود حيث يوجد عندنا الآن ستة جرحى. وفي بيته الخاص يرعى اثنين منهم: واحد منهم ينهض بعناء ليحيي الزائرين وذراعه مربوط إلى عنقه, الآخر, حسن, في حالة صحية أفضل, لكن الجرح النفسي سوف يتأخر كثيرا بالإلتئام.

حسن 30 سنة, هو الوحيد من الجرحى الستة الذين استطعنا مقابلتهم, نقول هو الوحيد الذي دخل إلى مركز حكومي وهو مستشفى بانياس المركزي, بعد أن أعتقل في اليوم السابع من أيار.”كان جريحا على أثر طلقة دخلت في وركه. دخلت عيادة الجامعة لكن في اليوم التالي اقتحمه الجيش واتهمونا بالهرب من الخدمة الالزامية: فاعتقلونا جميعا بما فيه الخمسة جرحى.” جالس فوق فراش موضوع على الأرض في غرفة باردة في حي أبو سمرة, بدأ يرتعش كلما دخل أكثر في الحديث. “وعند مدخل المستشفى بينما كانوا يخرجوننا من سيارة الإسعاف كانوا ينهالون علينا ضربا: الشبيحة, الأطباء, الممرضات, المخابرات… بعدها قيدونا على سرائرنا من الأيدي والأرجل, وخلال اربعة أيام لم يعطونا أي علاج طبي ولا حتى طعام ولا ماء. لم يدعونا حتى النوم, كانوا  بضربوننا كلما أطبقت أجفاننا. الممرضات يشكوننا بالإبر. مرة طلبت من أحد الجنود قليلا من الماء: لم يكن منه إلا أن أنزل فتحة بنطاله وتبول في وجهي”.

مقتل متظاهرين في سوريا.

إن إتهام الأطباء بسوء المعاملة لم يكن يصدق لو لا التقرير الذي نشرته منظمة العفو الدولية الشهر الماضي أكتوبر. الذي يبين فيه الاتهامات لأطباء من قبل نفس زملائهم. يتهمونهم بسوء معاملة وتعذيب المتظاهرين الجرحى وحسب التقرير, أن المستشفيات الحكومية تحولوا إلى مراكز اعتقال وتعذيب للجرحى. “إن المسؤولين السوريين حولوا المستشفيات والعاملين فيه من الأطباء إلى أداة للقمع عاملين كل جهدهم لسحق الاحتجاجات الهائلة”. ومن بين الاتهامات نستطيع قراءة كل هذه التقارير للمنظمات منها. “الاعتداء الجسدي واللفظي وفي بعض الحالات رفض الإسعاف” في هذا التقرير, يوجد تصريحات تتمزق لها القلوب, مثل الحالة التي جرت في مستشفى عسكري في حمص لأحد الشباب 28 سنة في منتصف شهر أيار, حيث قال له الدكتور: لن أنظف لك الجرح. وسوف أنتظر حتى يتعفن قدمك لأقوم بقطعه.”

حسن نقل إلى مستشفى الباسل في طرطوس, حسب منظمة العفو الدولية تحت إشراف عسكري”. “منذ اليوم الذي أصبت به لم يقم أحد بغسلي, لذلك كانت رائحة الدم الناشف المخلوط مع الطين والعرق والأوساخ”, يذكر لنا مرتعشا. “أحد الأطباء قال لي أن رائحتي تشبه رائحة المجاري الصحية. حتى هو كان يستغرب هذه المعاملة. رفضوا اعطائنا أدويه ولم يكشفوا عن جراحنا بل حملوني إلى الأمن العسكري لأجل استجوابي. لكن كلما حولت الجلوس يغمى علي من جراء ألم جراحي.” وبعد 17 يوما نقلت إلى دمشق وأدخلوني إحدى الزنزانات مع 40 شخصا, عارين بشكل كامل. “كانوا دائما ينهالون علينا ضربا بالهراوات والأسلاك الكهربائية. مرة عندما كانوا يستجوبونن كنت جالسا على ركبتي أمام الشرطي فما كان منه إلا أن وضع إبريق الشاي الذي كان يغلي فوق  رأسي”. بعدما مررت بعدة سجون خلال شهرين. وضعوا اسمي ضمن لائحة عفومن النظام و أطلق سراحي, ولم أتأخر طويلا حتى لذت بالفرار من سوريا.

المستشفيات العامة أصبحت مجازر“, يقول لنا بحقد الدكتور مازن, طبيب الأسنان. إن إسعاف الجرحى خارج المستشفيات العامة غير قانوني و هذا يعقد مهمة الإختصاصيين الذين أقسم أقسموا الإبقراطي حيث يدعو الإهتمام بالمرضى بدون النظر إلى عرقهم أو ميولهم السياسي. وحسب ما قال لنا, أن له صديق طبيب كسروا يداه الإثنان بعد أن علموا أنه يعتني بالمتظاهرين الجرحى في بيوت خاصة.

إن الجرحى الأربعة الذين دخلوا المستشفى في طرابلس مروا بهذا النوع من العيادات السرية.”كنت في إحدى المظاهرات في تلكلح عندما فتح النار علينا الشبيحة وبشكل عشوائي”, يشرح لنا بهدوء محمد مهنته كهربائي, مع والدته التي كانت تستمع إلى كل كلمة يقولها باهتمام. ” حملوني إلى بيت خاص حيث أجروا لي الإسعافات الأولية. كنت أنزف كثيرا, فقدت وعي وعندما إستيقظت وجدت نفسي هنا في هذه الغرفة البسيطة. “مستشفى تلكلح محتل من قبل الشبيحة ولم يخطر ببالنا الذهاب إلى هناك”.

(AP /Amateur vídeo)

أبو ياسين ليس بإستطاعته إحصاء عدد البيوت الخاصة التي دخلها لمعالجة جراحه. “أعتقد أنني مررت على ثمانية بيوت مختلفة, وفي كل يوم كانوا ينقلونني إلى بيت آخر.” والسبب هو البحث الدائم من قبل الجيش عن النشطاء الجرحى و غير الجرحى, مما يسبب تعطيل هذه العيادات السرية السورية وإجبارهم إنشاء بيوت أخرى جديدة لهذا الغرض.

وهناك وراء بضعة غرف يوجد شابان مستلقيان, خالد 21 سنة, أصيب خلال إحتجاجات بمرافقة 15 من أصدقائه, وحسين الذي تلقى تسعة طلقات في جسده. وفي هذه الأثناء دخلتا إمرأتان في القاعة يبحثون عن الإبن والأخ, وصلوا في التو و الدموع ما زالت في اعينهم. المريض يطلب بصوت متقطعة وبصعوبة أن تكون المقابلة قصيرة. “كنت في إحدى المظاهرات في باب عمرو عندما وصلت عدة سيارات مليئة بالشبيحة وهاجمونا. حاولنا الفرار لكن أطلقوا علينا الرصاص” ومن عجائب الصدف كان أبو ياسين الذي تحمل جر جسدي الجريح حتى العيادة السرية: حصل هذا قبل يوم واحد من إصباته جريحا من جراء قنبلة مسمارية. “قضيت ستة أيام في أول مستشفى مؤقت وهو بيت خاص حيث القوني على السرير وقاموا بإخراج بعض الطلقات وقطعوا جزءا من معدتي. قالوا لي أن العملية التي أجروها في غرفة النوم دامت أكثر من أربعة ساعات”, يتابع حسين ويقول أنه لا يعلم كيف وصل إلى لبنان, لكن إلى جانبه كان موجودا الذي تكفل بنقله.

“هو ثقيل جدا”, يقول لنا هذا المسؤول عن نقله بطريقة غير شرعية, رجل في الثلاثين من عمره, يلبس شندل أزرق ووجهه يطفح بالإبتسامة. يصف نفسه بأنه عضو في الجيش السوري الحر, هذه المجموعة الفاريين من الجيش والتي تقاوم نظام بشار الأسد وهو المسؤول عن نقل الجرحى من حمص, حماة وتلكلح, المدن القريبة من الحدود اللبنانية. “أحيانا نجلبهم في دراجة نارية, لكن في النهاية يجب عبور الحدود من خلال الجبال حاملين النقالات بين عدة, أو وسط حقول مزروعة بالالغام, وضعها جيش النظام”, يشرح لنا خالد متنقلا بين الجرحى الذين يكنون له كل تقدير وإحترام.

مظاهرة ضد النظام السوري في ساحة العاصي في مدينة حماة السورية

“منذ أن وصلت إلى لبنان نقلوا إلى هناك ما بين 50 وا 100 جريح”, يعترف مازن. بينما خالد يقول أنه أحصى ما يقارب 22 شخص منذ أن بدأ مهمته: اثنان منهم وافتهم المنية في الطريق. احيانا نحملهم على ظهورنا مربوطين بحزام البنطال, والحالات الخطيرة نقوم بنقلهم بواسطة كراسي متحركة أو بواسطة نقلات. وكانت حالة حسين الأكثر تعقيدا, حيث أنه كان يعاني من تسعة طلقات في جسده ومعظم معدته ممزقة, كانت فعلا حالة صعبة. “وضعناه في سيارة لكن على الأثر تعرضنا للهجوم مرة أخرى”. “فأجبرنا إخراجه بين أربعة أشخاص: والبطانية الذي كانت تضمه تقطر دما”.

“عندما تكون حالة الجرحى غير خطرة, فإن الطريق يستغرق ساعة ونصف, لكن في حالة حسين أو أبو يونس إستغرقت أكثر من ستة ساعات”, الدكتور مازن يعتبر نجاة حسين بالمعجزة, لكن المعجزات هي التي تصنع الصراع وهو يعلم ذلك مع العلم أنه شاب يافع. “لا زلت أتذكر ذلك الجريح الذي كان يعاني بطلقة في الرأس, إستغرق نقله خمسة ساعات عبر الحدود ولا يزال حيا.”


القمع الذي يمارسه النظام السوري ضد المتظاهرين يهيج الطائفية وعلى ما يبدو هو تكتيك من دمشق

“يوجد احساس طائفي وهذا يجب القبول به. الناس في بادئ الأمر كانوا يطلبون هواتف محمولة: الأن يطلبون أسلحة”, قال لنا هذا مدير المنظمة الخيرية إنسان

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

AP

أوقايا (الحدود السورية اللبنانية) أم خالد تحمل برصانة لفافة رخيصة إلى شفتيها الجافتين. لقد تجمد الوقت في وادي خالد. هذه المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا والتي تحوي آلاف من اللاجئين, هذه المرأة لديها كل اليوم لتفكر مليا في كل جواب. متربعة فوق سجادة مع الوجل الطبيعي الذي يعانيه كل زائر في أرض غريبة, تتأحر في قذف دخان لفافتها الأبيض قبل النطق. “نحن من قبل لم نكن طائفيين”, تبدأ بلطف. “قضينا حياتنا متعايشين مع جيراننا العلويين, كنا لا نميز فهم سوريون مثلنا لكن الآن تغير الوضع. اذا هم قصدونا فنحن سوف نقصدهم.”

أم خالد عمرها 30 سنة تبدو وكأنها في الـ50, هي سنية وكانت تعيش في تلكلخ حتى حدوث القمع من النظام السوري الذي أطلق غيظه ضد المواطنين.منذ ستة أشهر و نصف لجأت هي وبناتها المراهقات إلى لبنان: زوجها اعتقل و سجن وهي خافت على مصير البنات. “البنات تغتصب”, تقول بهدوء وعيناها السودتان تحدق في محاورها. “حصل 14 أو15 هجوم على صبايا منذ أن بدأت الثورة. والجميع يقول:”يجب رعاية الصبايا عندما يدخل الجيش أو الشبيحة إلى بيوتكم”, تؤكد لنا هذا مشيرة إلى الميليشيا المدنية للنظام. “اذا لم يجدوا الأب أو الأخ, يأخذون البنات و تتم إعادتهم إلى المشرحة”, و ملخصة ذلك محركة سبابتها الهزيلة.

AP

والجمع التي تشير إليه أم خالد يتضمن قوات النظام, لكن في كثير من مقاطع الحديث تخلط بين موالين بشار الأسد والمجتمع العلوي والتي تمثله قسم منها يمثل الآن الجمع المطلق, كما حدث في العراق, عندما كانوا مواطنون يتعايشون خلال عقود, استيقظوا خلال كابوس من الاحتلال العسكري وعندما صحوا منه لم يتعرف أحدهم على الأخر. فقط رأوا أعداء. وهكذا بدأت حرب أهلية شرسة, أنزفت بلاد ما بين النهرين القديمة وفي هذه المرآت أراد السوريون النظر خلال الشهور الأولى من الثورة من أجل تجنب هذا المصير. عدد كبير من القتلة, رعب كبير, ولم يحتسبوا أن إستراتيجية النظام كانت هذه بالتحديد: الدكتاتورية أو الفوضى, وبفضل الوفيات فهم يقعون في الفخ.

يقص علينا الاجئين أن في تلكلخ يسود في المظاهرات الشعار: تلكلخ سوف يكون لنا أو لكم. “العلويون سيؤون جدا. يعشون في حي خاص بهم, بحيث أن الجيش لا يدخله. وهم يملكون أسلحة. نحن لا نملك ولا حتى ثمن الطعام, فكيف سنشتري أسلحة؟”, تتابع أم خالد.” العلويون تمتعوا خلال عقود بقوة وحماية من الأسد, والآن هم يحتمون منا. وإذا تابعت الأمور على هذا الشكل, فسوف تكون حرب أهلية. وعلى بشار الأسد يتوقف تحول سوريا من جديد إلى عراق آخر.”

AP

إن استراتجية النظام يبدو أنها ذاهبة إلى تطوير الأحداث كما حصل في العراق بقوة القمع الشاملة وعلى الأرجح جرائم بصبغة طائفية كخطة استراتجية لردع الشعب عن ثورته التي لا يمكن وقفها الآن, لأن وقف الثورة في هذه اللحظة سوف يحكم على عشرات الآلاف بل على المئات بالقبض عليهم والتنكيل بهم.

“هذا مستحيل إيقافه, ليس لنا خيار”, هذا ما يقوله لنا عبر الإنترنت خالد اسم مستعار لشاب سني يعيش في حمص, خلال فترة الإضراب العام يوم الأربعاء. “نعمل ما نستطيع وسوف لن نتراجع. والناس عندهم إيمان بأننا نستطيع قلب الدكتاتورية. ولكن سنرى…” خالد يقطع المحادثة من حين إلى آخر ليعلمنا عن طلقة لمدفعية ثقيلة. يسكن في حي قريب من حي باب عمرو, وهو الأكثر تضررا من جراء القمع, وفي هذا اليوم الأربعاء “بدأوا بالقصف منذ الساعة الخامسة صباحا”.

AP

“هذه المرة الطائفة العلوية انضمت إلى الإضراب العام”, يستعرض الشاب, معنى هذا أنه يوجد تعاون؟ “لا على الإطلاق: العلويين يؤيدون النظام تماما.” مرة أخرى الجزء مقابل الكل. خالد يرى أيضا أن موجات القتل الطائفي يتحكمون بها من دمشق. “هم يحاولون تقسيمنا مئة في المئة. يقتلون علويين من أجل تحول الطائفية إلى شكل حقيقي, يريدون تحويل الثورة إلى شيء سلبي”.

يوجد شعور بالطائفية وهذا شيء يجب القبول به. في البداية لم يكن موجودا, عندما كنت تحاول مساعدة الناس كانوا يطلبون هواتف محمولة: الآن يطلبون أسلحة”, يفكر وسام طريف أمام فنجان قهوة عربية في فندق مركزي لكن متواضع في بيروت. طريف رئيس الجمعية الخيرية إنسان, وهو واحد من المسؤولين لمجموعة من الناشطين عبر إنترنت  Avaaz وواحد من الناشطين السوريين البارزين في المنفى وهو متشائم جدا حول ما تنتظره سوريا. “إذا لم يوجد إرادة عالمية فإن البلد سيذهب إلى حرب أهلية. حتى أن المثقفون السنة بدأوا في عرض البراهين بأن العلويين يعملون على قتلهم. والعلويين الذين هم أكثر ليبرالية وليس عندهم كيان ديني محدد كما هو الحال مع السنة ويرون أنهم مهددون وأيضا بدأوا بالقول أن السنة تقتلهم”.

AP

واحدة من إستراتيجية النظام لتحريك البغض الطائفي هو الإعتداء على الفتيات.” فقط يعتدون على فتيات متحجبات”, يشرح لنا طريف هذا بإقتضاب وهذا إعتداء على السنة. وجمعيته أحصت 25 عملية إختطاف لمراهقات في كل البلد: 13 منهم أغتصبوا. “وهذا الإنحطاط يؤدي إلى رد فعل”, يضيف. هذا الإعتداء يقوم به الشبيحة, هي ميليشيات الأسد مؤلفة من علويين على الأرجح موارد رزقهم ضئيلة –أن تكون علوي في سوريا ليس معنى ذلك أن تكون غني- وهم يربطون حياتهم مع النظام. “الشبيحة تقتل, تخطف, تغتصب, تسرق من جميع الأديان والطوائف ليزرعوا الرعب في الناس والمعارضة من أجل تقويض الدعم للثورة بواسطة الخوف”, هذا ما أضافه المعارض السوري أيمن عبد النور بمكالمة هاتفية من دبي.

عبد النور كان عضو في النظام ولا يزال عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب البعث, ورفيق في الدراسة لبشار الأسد حتى انه وصل لمشتشار سياسي وصديق حميم. سقط من أعين النظام عام 2007 بعد أن أنشأ صفحة في انترنت يطلب خلالها إصلاحات. لجأ إلى الإمارات العربية المتحدة حيث يتابع عن قرب كل ما يحدث في وطنه الأم, وهو يحافظ على صفحته الإعلامية حول ما يجري في سوريا. منذ أن بدأت الثورة وهو يشعر بأن النظام يستخدم الشبح الطائفي. “النظام يلعب ورقة الطائفية: وهو يخوف المسيحيون قائلا لهم يجب أن تتخوفوا من الإخوان المسلمين, بعدها يقول للعلويين أنهم سوف يقتلون على ايدي السنة, وإلى السنة يحذرهم من العلويين… هذا فظيع”, يكرر هذا عبر مكالمة ثانية أجريناها معه منذ خمسة أشهر.

AP

صحيح أنه يوجد أسلحة مع الطرفين, لكن مع فرق شاسع وبدون مستقبل. “يحصل إنشقاقات في الجيش بأعداد كثيرة حيث يلتجؤن إلى تركيا. لبنان أو الأردن, لكن كل ما يحدث إنشقاق يضعون في خطر مئات المدنيين”, موضحا لنا طريف. “يفشلون في حماية المواطن و الحماية الذاتية. ليسو منظمين, والأغلبية يعودون إلى بيوتهم أو يختبؤن في مناطق مدنية وهذا ما يدعو النظام لمهاجمة هذه المناطق المدنية للعثور عليهم ومعاقبتهم”. وتوجد مشكلة الطاقم. “هم جنود لا يملكون حتى شراء حذاء. وهذا ليس حال الفرقة الرابعة والفرقة XVII من الجيش السوري (مأمورين من عائلة الأسد) وهم مجهزون من إيران. وهناك مشكلة السلاح: يهربون بكل ما معهم وعندما تنفذ الذخيرة لا يملكون أكثر لمتابعة القتال. لو كان هناك توازن في القوى, لكان حال آخر.

حسب رأي رئيس إنسان, إن جيش الضباط الأحرار السوريين مؤلفة من منشقين يبلغ عددهم 10.000 رجل, هذا الجيش يكافح ضد الأسد, وليس هو بالقوة اللازمة ليقف وجه النظام. أن العمليات التي يقوم بها المنشقين ضد قوات الأمن السورية تأخذ بالتزايد –“سابفا كان إختراع من النظام, اليوم هم حقيقة”, ينوه طريف- لكن إلى الآن لا يشكلون أي مصدر عقبة للنظام. وكل هذا محتمل أن يكون إستراتيجية من نظام الأسد. “في البداية, في مدن مثل حمص, اللاذقية, بانياس ودرعا تخلوا عن أقسام الشرطة ومنشآت عسكرية مع كل ذخائره في الداخل, كأنهم يدعون المتظاهرين لأخذ السلاح واستعماله وبهذا يبررون القمع: والرسالة كانت واضحة, أن سوريا ليست مصر لكنها العراق”.


AP

ويتفق مع هذا التحليل بيتر هارلنغ, محلل عالمي لمجموعة الأزمات مبعوث إلى دمشق. “إن جواب النظام على المظاهرات عبر القمع والإعتقال الشامل, القتل المتكرر وأساليب إدخال الخوف تأخذ طابعا إرهابيا مريبا تؤخذ بموجيبها تنازلات سياسية”, يشرح من خلال رسالته الإلكترونية. “هذا الحل يسبب ثمنا باهظا على المسرح العالمي والنظام يبدو أنه يفكر في العبور إلى خطوط معمقة تهدف إلى حرب أهلية في وسط سوريا مع الأمل أن يستطيع التحكم بها وتبرير أن القمع هو فقط الجواب على عنف المتظاهرين.”

أتكلم مع صديق لي عراقي, قضى سنوات يعاني من الحرب الأهلية في العراق ومع آخرين من اللاجئين في سوريا حول الوضع السيء الذي يعانون منه جيرانهم. وقالوا أنهم يتذكرون مدينة سامراء, المدينة السنية والتي تحتوي على الجامع الشيعي الأسكاري, حيث يرقد رفات العاشر و الحادي عشر إمام المذهب الشيعي. ففي شباط من عام 2006 حدث إنفجار رهيب محضر من قبل مهنيين و أودى بهذا الجامع إلى الدمار الشامل, وبهذا أطلق العنان لحرب أهلية حيث بدأت العام الفائت, ومؤججة بهجمات وقتل طائفي غذائها الكميات الكبيرة من السلاح. صديقي خبير في المنظمة, يذكرني أن حمص ممكن أن تتحول إلى سامراء سوريا, باحتواء هذه المدينة الجامع الفضي خالد بن الوليد, وهو من صحابة رسول الله محمد وهو الصحابي الوحيد الذي لم يهزم في أي معركة, حتى المعركة التي خاضها ضد الإسلام قبل إعلان إسلامه. وضريحه موجود في هذا المسجد بجانب صحابي آخر أبو عبيدة بن الجراح.

AP

في الوقت الحاضر المساجد لم تهاجم -ما عدا مسجد في درعا-و لكن نعم يحصل مجازر يذكرنا بفرق الموت الطائفية التي كانت فعالة في العراق عام 2005 وهم الذين حركوا الحرب الأهلية. بين شهر أيلول وتشرين الأول عدة من المحترفيين لاقوا حتفهم في حمص من رجال مسلحين يتبعون الخطط على طريقة أولائك المرتزقة. العميد المساعد لكلية العمارة -وهو شيعي-, مدير مدرسة البتروكيماويات -وهو مسيحي-, رئيس قسم الجراحة في المستشفى الوطني -وهو علوي-أحد المخبريين السنة… ثلاثة أساتذة علويين قتلوا في داخل المدرسة الواقعة في حي باب عمرو, وهو أبرز الأحياء في المقاومة ضد النظام.

“النطام يعتقد أن الحل الوحيد ليبقى في الحكم هو التحريض على حرب أهلية, لأن هذا يعطيه تأييد المجتمع العلوي والمسيحي والدرزي, وأيضا هؤلاء السنة الذين يروون في النظام صمام أمان أمام تفكك المجتمع ويفضلون العيش تحت نظام دكتاتوري قبل أن يروا البلد منقسما”, يقدر عبد انور في صفحته ويب الذي نشر فيها أبحاث أجريت على حوادث حمص في نفس المدينة التي هي عالم صغير يمثل جميع سوريا في تركيبه الطائفي- ويدل على يد سوداء وراء تلك الأحداث.

بعد أيام من أحداث حمص قامت عصابة مسلحة بجريمة شنعاء هزت سوريا هذه المرة قتل واحد من أبرز الشخصيات الكردية المعارضة في البلد مشعل تمو, حيث لاقى حتفه في بيته في القامشلي, قلب المعقل الكردي في سوريا. وكان الزعيم الكردي ينتمي إلى المجلس الوطني السوري, وهو يمثل حكومة معارضة في المنفى: السكان الأكراد الذين يعيشون في الشمال خرجوا إلى الشوارع ليتهمون النظام بأنه وراء هذه الجريمة الشنيعة, وقد حطمت عشرات التماثيل لحافظ الأسد والد الرئيس الحالي.

أن اللعب بالطائفية هو اللعب بالنار. إن الإنفجار الطائفي يستطيع أن يشعل كل الشرق الأوسط, وخصوصا بعد الربيع العربي حيث جلب التطرف إلى الشيعة والسنة وهذا يعود لتقسيم القوى على مستوى المنطقة. حزب الله وإيران شركاء مع الأسد, يصرخون بأعلى أصواتهم متهمين العالم بالإزدواجية لعدم شجب القمع في البحرين بينما يحمون النظام السوري العلوي –وهو طائفة منشقة عن الشيعة- ويتهمون “بالمؤامرة الأجنبية” التي تحرض المظاهرات. ناهيك عن التحدث عن القمع الإيراني للشباب المعارض حيث يعذب ويقبض عليه كل من يزعم أن النظام سرق آخر الإنتخابات الرئاسية.

AP

بينما العربية السعودية, قطر وتركيا القوة الرئيسية للسنة, يتطرفون ضد دمشق, كما يذكر بيتر هارلنغ على إختلاف ما سبق. “الآن يوجد عوامل خارجية –قطر, العربية السعودية, تركيا والولايات المتحدة- يبدو أنهم يريدون تغير النظام. إتحذوا بعض التدابير تذهب إلى عقوبات إقتصادية وضغوط في وسائل الإعلام, لكن لا يوجد أي إشارة لدعم هذه القوة فوق الساحة ليلعب دورا هاما في ديناميات الأزمة السورية”, يتوقع المحلل.

في وادي خالد الحدود بين لبنان وسوريا تم التأكد من عدم الدعم السعودي أو القطري بشكل أسلحة. في حين يؤكد دخول بعض المواد الحربية عديمة الأهمية. على الأقل ليس بمقدورها الوقوف أمام الجيش السوري, واحد من الجيوش القوية التي يحسب لها حساب في المنطقة. ومن المحتمل أنهم جميعا على علم بنتائج الحرب الطائفية و يفضلون الحفاظ على الديكتاتور قبل مشاهدة سفك الدماء في الشرق الأوسط.

إذا كيف ستنتهي الثورة السورية؟ هل سنترك النصر لهذا النظام؟ “المجتمع الدولي لا يريد الدفاع عن الحقوق الإنسانية بل الحفاظ على إستقرار المنطقة. وبإستطاعتهم دائما تحويله إلى كوريا الشمالية”, يستند وسام طريف. مرة أخرى الإزدواجية التي طالما ندد بها العرب. “بسرعة كبيرة جميعهم أدانوا القدافي لكن لا أحد يتكلم عن الأسد”, يتابع. العقوبات الإقتصادية حسب بعض المحللين ربما تؤثر على ميزانية النظام حتى عدم إستطاعته دفع الرواتب إلى قواته, لكن هذا لن يحصل, حسب طريف. “سوف يتركهم ينهبون البيوت ولا حاجة للدفع لهم”, يقول هذا بينما ينفي ذلك. هذا بالإضافة لوصول أموال من روسيا و إيران إلى حد أن النظام السوري يعتزم تحويل الروبلو إلى عملة تحل محل الدولار.

أم خالد تتذكر كيف بقي بيت جارها, بعد أن تعرض لعملية تفتيش ونهب من قبل الشبيخة. “دمروا كل البيت ما عدا صورة بشار الأسد.” تركوها معلقة إستعارة مؤرقة كما يمكن أن يبقى في سوريا.


بعد خطاب الأسد الذي مدح فيه الجيش السوري الإلكتروني, أنونيموس دخل في (صراع عبر انترنيت) من أجل الديموقراطية.


“حتى الآن هم بعيدون عن الجدية يكتفون بالشتائم والتهديدات” يؤكد لنا الناشط السوري رامي نكهلي في إشارة إلى EES

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

مسيرة لصالح النظام في قنيطرة في جنوب دمشق(AP/SANA)

رامي نكهلي 28 عاما, يعرف جيدا الجيش السوري الإلكتروني, لأنه كان واحدا من أهدافهم, هذا السوري القادم من قرية درزية في السويداء, طالب في العلوم السياسية حتى الشهر الماضي (كانون الثاني) عندما غادر بلاده لاجئا إلى لبنان, كان خلال ثلاث سنوات ملاذ عمران الإسم المستعار والذي كان يملك 6.600 شخص متابع في فيسبوك و4000 في تويتر وما زال يستعمل هذا الإسم المستعار مع أن النظام إكتشف حديثا هويته الحقيقية, وهو عضو مؤسس وناطق رسمي للجان التنسيق المحلي التي تقف وراء الإختجاجات على الواقع, وفي نظر أتباع بشار الأسد فان رامي يمثل جميع المتظاهرين الذين يحاولون إسقاط النظام.

“وفي إحدى المرات علقوا في صفحتي فيسبوك هذا التهديد: إذا تابعت الكلام “سوف تعتقل هذه الليلة شقيقتك”يشرح لنا اليوم من مخبأه في لبنان. وهذا ما أوقفه خلال عدة أيام, وعندما وجد أنه لم يحصل شيء من هذا تابع نشاطه في وقت لاحق.” هم بعيدون عن الجدية, يكتفون بالشتائم, والتهديدات, نخشى أن ينظموا أفعالهم على أرض الواقع, لأن زعيمهم يهدد بالموت عائلات الناشطين”.

وتاريخ نكحلي حافل بالضغوط التي مارستها ضده المخابرات السرية السورية. وبعد جريمة قتل تعرضت لها صديقة له وهي (جريمة شرف) وقلة العدالة حيث حكم على القاتل ستة أشهر سجن فقط. عندها تحول رامي إلى ناشط في المرصد السوري لحقوق النساء وهي منظمة خيرية لا حكومية مثلها مثل أية منظمة أخرى في هذه الديكتاتورية العربية ومن خلال دراسته في جامعة العلوم السياسية إكتسب رامي خبرة في مجال النشاطات وعبر شخصيته ملاذ أومران, وهذا الأخير هو اسم أخيه, لكنه أيضا جلب اهتمام المخابرات.

و قد استجوب حوالي 40 مرة في عام 2010 و في تلك اللقاءات الكريهة لاحظ عدم وجود خبرة في الانترنت من قبل المخبيرين, وكانوا يسألونني عن كيفية دخولي إلى فيسبوك وكنت أجيبهم بواسطة Google Proxi, فجاوبوني “إذا يجب علينا منع Google” وهي أول مرة يسمعون بـGoogle على ما أظن. وانتهى به المطاف إلى اللجوء إلى لبنان بعد دفع 500 دولار للخروج من سورية بشكل غير قانوني.

حسب رامي, إن الدورات المكثفة للكمبيوتر التي يتلقاها أفراد المخابرات بقيت عاجزة عن الوصول إلى مستوى الثورة الحالية. “عندما يعتقلون متظاهرين يطلبون منهم كتابة بريدهم الالكتروني في ورقة وعندما يفعله هؤلاء يغضبون منهم. “اكتبه باللغة العربية وليس بالانكليزية” يشرح لنا رامي ضاحكا. إن الصفحات المحرفة من قبل الجيش السوري الالكتروني EES عادة تكون غير تابعة لمجموعات سياسية, لكن غالبا لشركات خاصة أو مؤسسات رسمية وبدون أي دور فعال في الأحداث السورية. لكن وبدون شك إن المبادرة التي قام بها  EES والحديث الفحري الذي تحدث عنه الرئيس جلب ردة فعل عدو مخيف وهو أنونيموس.

لقطة من الرسالة التي وجهها أنونيموس إلى الرئيس السوري.

“تهانينا, سيد أسد لقد حصلت أخيرا على انتباه أنونيموس”. هذا ما نقرأه في أخر تعليق على صفحته ويب.

نكهلي أكد أن مجتمع الانترنت إتصل مع الناشطين السوريون الالكترونيون من أجل مقاطعة النظام على طريقتهم الخاصة وكانت نتيجة هذا التعاون بين الطرفين تحريف 92 صفحة متعلقة بالنظام “وهذا لم يساعد كثيرا”, يقول الناشط. “في احدى المرات استطاعوا الدخول على صفحة ويب لوكالة الأخبار الرسمية سانا وغيروا المحتويات بأخبار توافق وجهة نظر المعارضة”, يتذكر. ومنذ عشرة أيام استولت احدى التنظيمات “اتحاد قراصنة السوريين الأحرار” على خدمات البريد السوري معلنة فيها  عن سقوط بشار الأسد الوشيك.

“فيسبوك تحول إلى المنصة الوحيدة القادرة على جمع عشرات الألوف من الأشخاص في كل البلد, يقول نكهلي وبدون هذه الشبكة الاجتماعية لا يمكن التفاهم بين لجان التنسيق المحلية, جوهر الاحتجاجات, وقناة للمعلومات التي تعلق فيديو وصور لهذه الاحتجاجات في You Tube و Flirk حتى تعوض غياب الصحافة الحرة الممنوعة من قبل النظام.”بدأنا بعشرة من الأصدقاء المعروفين, كنا نتشارك بالخوف وإرادة التغيير ونحن نعمل منذ 5 سنوات في مجال النشاط. كنا نفكر أن هذا سيحصل خلال 20 عاما وليس الآن, عندما بدأت الاحتجاجات أول ما فكرنا به هو حاجتنا إلى صحافة حرة حتى لا يقتلوننا ويفلتون من العقاب, لأن سورية تمنع دخول كل وسائل الاتصال الحرة. فتحولنا إلى صحفيين.”

YouTube Preview Image

من تلك المجموعة الصغيرة أصبحنا مئات من المجموعات الصغيرة منشورة في أنحاء البلد. لا يعرفون بعضهم, يلتقون في مواقع الدردشة على انترنت ويتواصلون كل 24 ساعة لتبادل المعلومات. يسجلون كل ما يجري بالهاتف المحمول غير مبالين بأنهم هدف الجنود (القناصة).”كل واحد مسؤول عن المعلومات المحلية. يتصلون بجيرانهم ومعارفهم حتى يتأكدوا  من الذي يجري. ومصادرنا هي من نشطاء, محامون, صحفيون, أساتذة, إنسانيون… والمصادر الأولية الموثوق منها, وهذه الشبكة للاتصال انتشرت حتى وصلت إلى وسائل الإعلام”. في شهر آذار كان يوجد فقط لجان تنظيم في أربعة مدن سورية وفي شهر نيسان وصل إلى 40 مكان في البلد. مما أدى إلى وضع لجنة وطنية في اليوم الثاني من شهر مايو (أيار) لتنسيق ووضع صوت واحد يعبر عن الجميع.]

انترنيت عالمه وفيسبوك وطنه. البعض يخاف أن يستطيع النظام فتح هذه الشبكة الاجتماعية وتحري هويات الناشطين والوصول إليهم لتمارس القمع ضدهم ولكن بدون هذه الشبكة الإجتماعية الذي يحصل في سورية لا يمكن تصوره. فهو ليس سهل عليهم, حسب صحفيون بدون حدود, سورية هي واحدة من العشرة الاساسيين المعادية لانترنت. كثير من الصفحات محاصرة أو ممنوعة و الاعتقالات في مقاهي الانترنت شيء عادي, لكن ولا أي ناشط يجازف باستعمال هذه الأماكن لنشر فيديو أو رأي. وكثيرون لا يستعملون حتى حاسوبهم الخاص, سهل المراقبة. “ومنذ استطاعة استعمال وتنزيل فيسبوك على جهاز الهاتف المحمول, لا أحد يستعمل الحاسوب”, يشرح لنا نكهلي. “أي كان عنده هاتف محمول يستطيع بواسطته تسجيل ونشر كل ما يجري”.


على موقع الانترنت المسلسل “حرية وبس” هو نقد مدمر نحو النظام السوري ونحو القمع الذي يمارسه. وهذا المسلسل على شكل فكاهي

ابتكر من قبل الفنانين في المنفى, ويسعى إلى تحدي الدعاية الرسمية

وفي الشهر الأول من حياة المسلسل, حاز على اهتمام 200.000 مشاهد

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

YouTube Preview Image

هذان الشابان يشربان الشاي وهما جالسان شاردا الذهن في داخل مرآب عتيق. “بتعرف شو؟” “شو” “جاي على بالي اطلع برا” “تطلع لوين بدك تطلع” “اطلع متل العالم واهتف اي بدي أهتف”, يجاوبه رفيقه. “أنت مجنون, انت طالع قبل هذه المرة, هاتف شي؟” “لالا” “شو مفكر شي شوربة, هاي العالم عما تطلع لأنها تشرب شي” “شي متل شو؟” وفي هذه اللحظة يخرج بائع جوال ينادي على بضاعته. “حبوب هلوسه, عندي جميع الحبوب! العربية, الجزيرة, فرانس 24,BBC… حبوب هلوسه!”. “شوفت إنه مش معقول”, يقول له الثاني وهو يتابع البائع بنظره.

لا يوجد ضحك معلب, لكن الجمهور مندمج جدا فالضحك يخرج تلقائيا. وهذا الحوار ينتمي إلى “حرية وبس”, ولعله أول المسلسلات من هذه القصة يجرء على السخرية من النظام السوري وحول حقيقية الثورة. وعلى الرغم من أنها قضية حساسة –1.800 شهيد وحوالي 10.000 معتقل حتى هذا التاريخ حسب الناشطين, ليست موضوع للهزل, إن روح الفكاهة عند السوريون وشوقهم إلى الحرية بكل أنواعها -وخاصة التعبيرية – وبعد 40 عاما من الحكم البعثي الديكتاتوري, مما يوضح لنا سبب نجاح هذا المسلسل الغير منتظر والذي يقدم حلقتان في الأسبوع يدوم دقيقتان أو ثلاثة دقائق وفي شهره الأول حاز على 200.000 مشاهد على قناة You tube.

“حرية وبس” تم تعريفه بسلاح السخرية الشامل, وهو طريق مفتوح موجه إلى السوريون خارج وداخل الوطن من إخراج فنانون في المنفى –مجموعة من 10 إلى 15 شخصا- تحركوا لأنهم شعروا بعجز الفنانون السوريون عن دعم الثورة, حيث أن معظمهم يؤيدون النظام“,شرح لنا هذا فرقة “حرية وبس” من خلال مقابلة اجريت معهم بواسطة البريد الإلكتروني. “كثير من الممثلين يدعون أن المتظاهرين يتعاونون مع عدو خارجي أو هم سلفيون”, يشكون.

حديثا وجوه سورية مشهورة مثل الممثل محمد الراشي أو فرس الحلو, شاركوا في حفلات تأبين ودفن بعض المتظاهرين متقربين بهذا لطرف المتمردين, لكن الأسماء المعروفة أكثر في الجانب الفني السوري متعودون على تبعيتهم إلي النظام, وما زالوا يؤيدونه, باستثناء مسيرة 30 حزيران التي قام بها فنانون ومفكرون: 200 منهم اعتقلوا فيما اطلق سراحهم في وقت لاحق.

وسائل الإعلام والدعاية في دمشق (وهي الوحيدة في البلد), يقدمون المعارضة “كأشحاص يحاولون القيام بإنقلاب إسلامي” ممول من الخارج وهذا من اهداف جماعة “حرية وبس” ليبثون الوعي بين الناس موضحين لهم عدم مصداقية وسائل الإعلام الرسمية وبأن النظام يعطي لهم أخبار لا تتوافق مع الحقيقة في الشارع.”ونحاول وضع الأحداث تحت تصرف السوريون الذين يترددون أو لم يخرجوا إلى الشارع بسبب الفوضى أو المعلومات المضللة.”

ويقومون بذلك عن طريق الهزل, إن لم يكن سخرية وهذا ما يفكر فيه هذان البطلان في مرآبهما. عندما يسأل أحدهم الآخر:ما معنى مندس؟” وذلك في إشارة واضحة إلى كيف أن النظام السوري ينعت المتظاهرين,”معناها أن نخرج إلى الشارع برأس مرفوعة ومطالبك بتكون كلها مشروعة, انت بتكون أكيد مندس”, “لا أفهم”. “يرد عليه الأول محركا رأسه, “سأشرح لك”, “تخرج للشارع رأسك مرفوع وقبضة يدك عالية وتصرخ “حرية وبس” “حرية وبس”. يقول له هذا عندما ينتصب واقفا, شارحا له مسرحيا كيف يتم تنظيم الإحتجاجات, عندها تسمع طلقة نارية ترديه قتيلا أمام أعين صاحبه الذي يقول “آآآآآه ه ه هذا أكيد مندس”.

“حرية وبس” هل هي شكل من أشكال النشاطات؟ نحن لا نريد مقاومة النظام,نريد فقط  أن تتحقق مطالب الشعب. إن الفن الدراماتيكي السوري وخاصة في التلفزيون والسينما, كان له أهمية كبيرة في العالم العربي ودائما كان يرافق الحياة اليومية للناس, ولهذا كان مفاجأة تخليهم عن هذه الثورة.

إن النجاح العظيم الذي لاقاه هذا المسلسل طفح عليهم.”حيث وصلت الأرقام على ما يزيد عن 200.000 مشاهد في شهر واحد في قناتنا الرسمية لكن هذا لا يشير إلي شيء نهائي لأن قنوات أخرى في  You Tube وفضائيات تعرض هذه الحلقات يشرح لنا المسؤولين لا يفصحون عن هويتهم ولا أين يعملون لأسباب أمنية.

ومن المستبعد جدا “حرية وبس” لا تجري متابعته في البلد المسيطر عليه من قبل ديكتاتورية بشار الأسد, (كما شرحوا) وسبب عدم انتشارها في سورية هي القيود التي تضعها الحكومة السورية على الإنترنت وهذا ما يحزننا أن عامة الشعب السوري لا يستطيع مشاهدة أعمالنا الفنية.


تل أبيب وبيروت متواجهين من أجل رسم الحدود البحرية بعد العثور على حقول كبيرة من الغاز الطبيعي تحت البحر الأبيض المتوسط


الحكومة الإسرائيلية تعلن من طرفها عن مسار حط الحدود وهذا ما اعتبره بلد الأرز بحركات تويسعية في منطقته لاستغلالها


البعض يخشى أن يستعمل هذا النزاع لاشعال فتنة الحرب القادمة


المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

المترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

أحد الاسرائيليين يصطاد قرب روش هانيقرا, في الشمال, مقابل سفينة حربية إسرائيلية. AP/ Emilio Morenatti

من المفترض أن يكون أفضل خبر تتلقياه إسرائيل ولبنان على الاطلاق لأن كلاهما سوف يتغير مستقبلهما. إن اكتشاف أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم في السنوات العشر الأخيرة والذي  كان موجودا في سواحلهم و ذلك يتعين به تغييرا جذريا في اقتصاد بلدين يعتمدان حتى هذه اللحظة على استيراد موارد الطاقة لتموين رعاياهم.

هذا سيسمح لهم بالإكتفاء الذاتي, وهذا شيئ مهم وبشكل خاص لإسرائيل لأنها محاطة ببيئة غير صديقة حيث أنها لا تحظى بأية علاقات ودية مع أغلبية جيرانها. ويفترض لإسرائيل وضع حد نهائي لحالة عدم الاستقرار في تبعيتها باستيراد هذه المواد من مصر, حيث أن رئيس الوزراء الانتقالي صرح أنه سوف يعيد النظر في الاتفاقيات بخصوص تصدير  الطاقة –بامتيازات لتل أبيب- حيث أن عمليات التخريب للمنشآت تتكرر كما يبدو للحول دون تدفق الطاقة إلى إسرائيل, والذي تقدم القاهرة الـ 40% من احتياجاتها الكهربائية: وقد حصل أربعة هجمات منذ اندلاع الثورة المصرية. وفي حالة لبنان فإنه سوف يضع نهاية لعجزها عن توليد الطاقة الكهربائية والتي هي سبب احتجاجات شعبية كثيرة. وحتى سوف يمكنهما من تصدير الغاز مما يجعلهما يحصلان على عائدات اقتصادية مهمة, هذا إن لم تكن هاتان الدولتان في حالة حرب ولبنان ليس لديها حتى مسار لخطها الحدودي البحري ليسمح لها الحصول وبشكل قانوني على هذه الموارد الطبيعية للطاقة, ولا حتى اتفاقيات للاستغلال أو البحث عن هذه الحقول في مناطقها الحدودية.

بعد خمسة سنوات من آخر حرب بين إسرائيل ولبنان, حرب أخرى جديدة تحصل تحت البحر. وبشكل مفصل ما بين 1.500 و2.500 مترا تحت الماء, هذه هي المسافة الموجودة للوصول إلى احتياطيات “القوس السوري”, وهي أراضي تبدأ من مصر إلى سورية عبر غزة واسرائيل ولبنان وتتضمن أيضا مياه قبرصية. حسب توقعات المؤسسة الأمريكية US  Geological Survey, أربع وثلاثين مليار متر مكعب من الغاز محتوى هذا الحوض, وأيضا يحتوي على 1.700 مليون برميل من البترول. لكن كل هذا من محض التوقعات: فقط الحفريات تستطيع التأكيد هذه الأرقام. فالأعمال التي أجريت مؤخرا من الجانب الإسرائيلي –والتي تستغلها منذ عام 2004- شركة أميريكية شمالية Noble Energy, تبرهن أن أحد هذه الحقول والمسمى “ليبياتن”يحتوي 450 ألف مليون مترا مكعبا من الغاز, والذي يجعل منه أكبر اكتشاف في عقد واحد: وهو دليل جيد لما تحتوي عليه سواحل البحر الأبيض المتوسط في الشرق الأوسط.

عوامة في مياه متنازع عليها تشاهد من موقع لبناني ناقورة.AP/ Mohammed Zaatari

إن وجود احتياطي الغاز معروف منذ زمن –وليس عبثا ترجع إلى 60 مليون سنة- لكن الآن فقط, حيث أن التكنولوجيا تسمح الحفريات على عمق يتراوح بين 1.500-2.000 متر وبدون تكاليف باهظة, والدول يولون اهتماماتهم في معركة الموارد الطبيعية التي تحتويها سواحلهم. ومن هنا يأتي النزاع: حيث أن الحدود البحرية اللبنانية ليست واضحة في مسارها عبر البحر الأبيض المتوسط وهذا ما يجعله عرضة للاغتصاب.

يوم الأحد الماضي الحكومة الإسرائيلية صادقت على مسار لهذه الحدود البحرية من جانبها فقط, وبعثت به إلى الأمم المتحدة على “أسس قانونية واتفاقات دولية ومنافع استغلالية اقتصادية”, وحسب رئيس الوزراء نيتانياهو “هذه الحدود هي التي تحدد المساحة التي سوف تستثمرها الدولة بموجب حقوق اقتصادية حصرية, متضمنة حقها في استغلال هذه الموارد الطبيعية البحرية”, أكد نيتانياهو ذلك أمام الصحافة الإسرائيلية, وهذا أمر مفروغ منه لأن إسرائيل تعتبر هذه الحدود البحرية لها في الواقع.

وهذا ما أغاظ اللبنانبيون فقد أرسلوا في شهر تموز من سنة 2010 للأمم المتحدة خريطة تحدد مسار المنطقة الإقتصادية التابعة لها حصريا, والتي لاقت في يومها الدعم من الولايات المتحدة وهي تتعارض مع المسار الذي وضعته إسرائيل. والفرق يتألف من 15 كم مربعا. وحسب بيروت, هذه الـ15 كم التي ضمتها إسرائيل إلى منطقة استغلالها الحصري فإنه ما يعتبر من جديد احتلالا غير مشروع.

جنود إسرائيليون خلال القصف على لبنان في حرب 2006. AP /Oded Balilty

الجواب اللبناني جاء مغتاظا. ووزير الطاقة جبران باسيل, صنفه “بالعدواني”, أما من طرف إسرائيل يخشون أن يكون هذا النزاع حول موارد الطاقة سببا يستعمله حزب الله لتبرير حرب جديدة بين البلدين. وليس عبثا أن يكون باسل-الوزير عضو من مجموعة سياسية مسيحية حليف لحزب الله وله ثقله في الحكومة اللبنانية- في تصريح له في قناة المنار “تلفزيون حزب الله”, قال “لن نتهجم على أحد ولكن بالمقابل لن نسمح بأن يهاجمنا أحدا ولو حتى بسنتمتر واحد”. وحسب باسل,”إن لبنان قد رسمت حدودها (البحرية) حسب اتفاقية مع الأمم المتحدة حول قانون البحر” و يحذر بأن “أي لبناني لن يفرط ولن يتخلى عن موارد الطاقة هذه ولا عن حقوقهم البحرية”.

أما رئيس بلد الأرز ,ميتشيل سليمان, حذر أن “أية قرارات تتخذها إسرائيل بشكل فردي حول الحدود البحرية سوف يشكل انتهاكا للقوانين العالمية وهذا ما تعودت عليه إسرائيل“, أما وزير الخارجية عدنان منصور, أعلن أن لبنان سوف ترفض “أي تأكيد عالمي ومن طرف واحد لرسم الحدود البحرية الإسرائيلية حتى ولو صدر عن الأمم المتحدة”.”لا تستطيع أية شركة أن تتعهد أعمال تنقيب على الغاز أو البترول في مناطق بحرية وهم موضوع لإجراءات قانونية, سياسية أو أمنية”, أشار منصور, حيث أعلن أن الحكومة اللبنانية في حيز التأسيس لخريطة دقيقة لتأكيد حقوقها في المنطقة الإقتصادية الحصرية في البحر الأبيض المتوسط, وعلى خط من 17 كيلومتر في المنطقة المدعوة 23″. والوزير يعتبر أن العرض الإسرائيلي “هو تهديدا للأمن القومي”.

ضواحي شيعية في بيروت, بعد تعرضها للقصف بالقنابل الإسرائيلية في عام 2006. Issam Kobeisi/AP

تعيين الحدود المقترحة من الجانب اللبناني حسب إسرائيل يتعارض مع الإتفاقية الموجودة في عام 2007 للسواحل بين لبنان وقبرص وأيضا مع الإتفاقية المبرمة بين إسرائيل وقبرص حول الحدود البحرية: وكلاهما يعينون الحدود البحرية اللبنانية وفي غياب التحطيط الرسمي. وبرهن أن الإقتراح اللبناني الذي لم يوافق عليه البرلمان بشكل رسمي –يدخل في أراضي اسرائيلية, وهذا نفس الإتهام الذي تلقيه بيروت ضد تل أبيب.”والمفهوم الإسرائيلي للحدود هو أقل مرونة”, في بيان لسركيس حلايس لتصريحات أدلى بها إلى النشرة الإقتصادية اللبنانية Le Commerce du Levant , المسؤول عن الموارد النفطية في وزارة الطاقة اللبنانية.

يعتمد توزيع الأرباح على طريقة رسم الحدود في حالة وِجود مخزونات عبر الحدود والذي وفي هذه اللحظة يجعل من المستحيل التفكير في إستغلال هذه الحقول لأنها موجودة في أراضي من الصعب تحديدها. ولو حدث هذا في أراض أخرى واضحة الملكية فإنها ستكون موضع جدل: “بعض المواقع المتاخمة لحدودنا قد حصلت على وثيقة المنح منها Noble Energy وهي (شركة تعمل على إستغلال الإحتياطيات المعروفة في الساحل الإسرائيلي). لا أملك الدراسات الزلزالية الإسرائيلية, لكن في حالة أن يكون الهيكل موجودا في هذه المناطق يوجد 90% من الإحتمالات بأن يكون هيكلا أساسيا مشتركا”.

ونظريا, إذا لم يتوصل إلى اتفاق ثنائي لاستغلال هذه المناطق سوف يكون من المستحيل أنجازه لذا فإن احتمالات الأرباح تبقى في الهواء. هذا هو الشأن بين إسرائيل ولبنان حيث أن الحوار المباشر مستحيل. وحسب الصحافة الإسرائيلية, رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو بدأ اتصالاته مع السلطة الفلسطينية من أجل استغلال السطحين الموجودين في سواحل غزة وهذا ما يتضمن عقود تقديرية من 800 مليون دولار. وما وراء السواحل الإسرائيلية,فقد كانت سورية تحاول هذا العام تحصيص عقود من أجل استغلال الاحتياطي الموجود في مياهه الإقلمية: ليس لدينا معلومات عن إذا كانت الخطة تحذو قدما نظرا إلى الحراك الداخلي.

شاب يقفز فوق البحر المتوسط في منطقة أكري, شمال إسرائيل. Zemlianichenko/AP

نجد أن الإستغلال معقد أيضا في وضع قبرص حيث أنه يوجد منازعات مع لبنان منذ سنوات حول تعيين الحدود البحرية, حيث تعثرت بالحظر التركي. أنقرة لا تعترف بالحقوق اليونانية في النصف الجنوبي من الجزيرة المقسمة في البحر المتوسط و تفشل أية إتفاقية -حتى التي أبرمت بين قبرص و إسرائيل في عام2010 – بحيث لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح التركية, ما لم تحصل وحدة شاملة في هذه الجزيرة.

وبالنسبة إلى الإتفاق المبرم بين قبرص ومصر في شهر كانون الأول الماضي لتعيين حدودهم البحرية, ما دفع تركيا إلى الاحتجاج الرسمي. ومرادهم عدم التخلي عن هذا الموضوع حتى وصلوا إلى إرسال سفن حربية على شكل تحذير عندما أقدمت سفن لبنانية لاجراء دراسات والتنقيب عن حقول موجودة في مناطق مشتركة.

لكن لبنان لن تتخلى عن أحلامها في استقلالها في مجال الطاقة وحيازتها على إحتياطي النفط . باسيل صرح شبه متأكد بالعثور على غاز “بكميات تجارية” في تصريحات له في Le Commerce du Levant. “أن الحقول اللبنانية أهم بكثير من الإسرائيلية”, مؤكدا هذا المدير العام للمنشآت النفطية سركيس هاليس. “وسوف يكون من أهم الحقول في كل حوض بلاد الشام.”


الكاتبة: كارمِن رٍنغِل / Carmen Rengel

المترجمة: ليلى محرم ري / Laila Muharram Rey

القدس

رندة عاهرة خلال 21 عاما تخفي وجهها بهذا النقاب المستعار والتي تعمل الآن في متجر.

تحقيق للأمم المتحدة يكشف عن استغلال لألف امرأة: فقر وسلطة أبوية وعنف يدفعهن إلى ممارسة الدعارة.

معظمهن مباعات من قبل عائلتهن, وهم أول من يعتدي جنسيا عليهن. النصف تقريبا كن متزوجات عند بلوغ الـ 14 عاما والـ 60% عانوا الاغتصاب في مرتهن الأولى.

غياب التشريع في هذه الأراضي يقود إلى حصانة تامة من القوادين والمافيات.

يقول الإنجيل أن يسوع شفى مريم الخاطئة من الشياطين السبعة الذين كانوا يعذبونها. كانت في قرية المجدل قرب بحيرة طبريا, منذ أكثر من 2000 سنة. رندة تسكن على بعد ساعة طويلة من هذه القرية (الآن تقول الخرائط أن اسمها “Migdal” “مجدل” وهي تابعة لإسرائيل). عمرها 38 عاما,ولها طفلان وهي فلسطينية ومسلمة وعاهرة. وما زالت تعيش بداخلها الشياطين السبعة: فقر, أمية, عنف منزلي, اعتداء جنسي, إتجار بشري, رفض الأسرة, أمراض جنسية… نقول سبعة فقط, لكن هي تروي أنهم أكثر بكثير من هذه الشياطين من يراودونها. وحالتها إحدى الحالات التي استُخدمت كقاعدة من قبل “UN Women” (هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة), وقد كتب الخبراء أول تحقيق عن الدعارة و”الإيدز” (داء نقص المناعة المكتسبة) في الضفة الغربية والقدس الشرقية, بحوالي 250 شهادة من عاملات الجنس, قوادين, زبائن وموظفي الصحة. هذه صورة نكبة مزدوجة: من جهة, استغلال المرأة تحت غطاء السلطة الأبوية وهيمنة وجوع, ومن جهة أخرى, هذا المرض المجهول,الصامت, يتجاهلها الطفاة الذين يضعون متعتهم الجنسية فوق سلامة المرأة وكرامتها.

حسب إحصائيات لأهم المنظمات الفلسطينية الغير الحكومية لمساعدة المرأة, حوالي ألف امرأة تمارس الدعارة بشكل دائم في الضفة الغربية و غزة والقدس الشرقية. كما يقولون في منظمة SAWA (كل النساء معا اليوم وغدا), “الضرورة هي أفضل المنشطات الجنسية وفلسطين والتي وصل مستوى الفقر فيها إلى 20% في أفضل الحالات, ليست حالة استثنائية”. لا يوجد عمل لهن: بالكاد تعمل 15,5% من اللواتي تسمح لهم أعمارهن بالعمل يشتغلون مقابل الـ 67% من الرجال (وهي أرقام وسطية, في غزة مثلا البطالة تتجاوز الـ45%). وهذا الرقم يؤكده الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS),والذي ما يزال في ركود منذ عقد من الزمن ولهذا تصبح الحاجة أفضل أرض خصبة للإستغلال: عائلات من سبعة أفراد وسطيا, راتب منخفض (حوالي 180 يورو في الشهر), لاجئين وحركات محدودة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية… “وهذا ما يجعل في معظم الأحوال أن تكون العائلة نفسها هي من تعرض بناتها مع علمهم بأن أي شخص غريب سيدمرها”, لكنهم بحاجة إلى حفنة الأوراق النقدية, يقول التقرير.

وهذا ما حدث لرندة (إسم مستعار), حيث اضطرت للخروج من بيتها مباشرة إلى بيت دعارة عن عمر يناهز الـ 15 عاما. كان أبوها هو الذي قرر بيعها. لا تعرف بكم باعها. فعله “بحكم الضرورة”, ستة أبناء وزوجة يجب عليه أن يقدم لهم ما يحتاجون وبراتبه الضئيل كعامل في البناء و لكن لم يتألم لقراره.إن 36,5% من الآباء هم من يدفعون ببناتهم إلى الدعارة, أو نفس أزواجهن (38,1%). ومن السخرية مايدعي الزبائن وذلك في استطلاع يقول أكثر من نصفهم أن النساء يمارسن هذه المهنة عن طوع نفس وهن اللواتي يتنظمن ويدبرن أنفسهن, وهن من قرروا المزاولة, وحتى نفس الرجال الذين يقومون في المرحلة الأولى من تجارة البشر حتى مع من هم من نفس دمهم. رندة تعمل الآن كفتاة متجر في محل في الضفة الغربية, بعد تركها مزاولة الدعارة منذ ثلاثة سنوات. كانت محظوظة: استطاعت الهروب لأنها كانت تعمل في الآونة الأخرة لحساب قواد خاص, و ليس في بيت دعارة عام, وهذا القواد توفي بداء السرطان. لم تكن تدين شيئا لأحد. لم يطالبها أحد بأي حساب تابع لرئيسها. حملت حقيبتها وغادرت إلى مدينة أخرى, وأخرى ثم أخرى. الآن تشعر بالأمان. أطفالها مبعث نورها اليومي. لا أحد منهما ولد من الحب. بل ولدوا بالإغتصاب عن طريق الزبائن. التعرف على أبائهم شىء مستحيل. وهي لا ترى فيهما بلاء, تعتمد عليهما. أبناء غير شرعيين يتبرأ المجتمع منهم كما هو حالها. اليوم هما شابان بصحبة صديقيتهما واللذين يرعيانهما ويحترمانهما. “الناس تظن أنني أرملة غزّاوي, لديّ عملي وأولادي يدرسون. ولكن هناك من يطرح أسئلة كثيرة…”, تقول رندة, وهي مساندة من موظفي المنظمة الغير حكومية الذين ساعدوها على بدء حياة جديدة.

مداهمة الشرطة في القدس الشرقية, في شهر كانون الثاني الماضي. معظم المعتقلين كانو نساء عرب ومن أوروبا الشرقية. / شرطة محلية من القدس.

قضيتها وقصتها مثل واقعي كالذي ورد في تقرير الأمم المتحدة: عانت الإعتداء في بيتها مثلها مثل الـ96,3% من العاهرات الفلسطينيات وخاصة من قبل آبائهن, حاول عمها الأكبر الإعتداء عليها مرارا ولكن في آخر لحظة تفشل خطته لوصول أحدهم ويكتفي بملامستها. أحد المساوئ السائدة نعني الأعتداء الجنسي من أفراد العائلة,وهو التي عانته ثمانية من عشرة عاهرة كالـ74% منهن, رندة لم تكمل تعليمها الابتدائي, وتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة على 11 عاما لمساعدة والدتها في الخياطة داخل البيت, دخولها في عالم الدعارة كان قسري بشكل واضح (كما في الـ64% من الحالات) و “في الحقيقة النسبة المئوية الباقية هن نساء يختارون الدعارة للضرورة الواضحة. ولذلك هن في الحقيقة لسن طوعيات على الرغم من إتخاذهن الخطوة الأولى”, يقول التحقيق.

عاهرات فلسطين هن محليات على الغالب, يتاجرون بهن داخليا بين قلقيلية, الخليل, طولكرم, بيت لحم, رام الله و القدس خاصة قبل الحصار كانوا يصلون من غزة، هناك استثناءات كمئة قليلة من نساء قدموا من أوروبا الشرقية واللواتي وصلن إلى إسرائيل وبعدها إلى فلسطين المحتلة. مع أن الضغوط الإجتماعية والدينية تجعل هذا الموضوع يخيم عليه السكوت المطبق. الأمم المتحدة وجدت أدلة واضحة على وجود خدمات جنسية, بيوت خاصة, بيوت دعارة, وشقق يفترض أنها عائلية والأغلبية منهن يمارسون الدعارة في شقق تديرها (مدام) “وهي قاسية طاغية, حيث كانت تطعمنا خبزا بحليب مرة في اليوم”, تشتكي رندة, متذكرة أول من استغلتها, والمدام التي كانت متواطئة مع أبيها. وللإختفاء عن أعين المتطفلين بعض المافيات يشترون بيوتا في مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وهي الأقل رقابة وهناك يخططون اللقاءات. وإذا كان هناك حاجة ملحة يستخدمون مباني مهجورة أو ورشات.

معظم النساء عازبات أو مطلقات, ملتقطات من أقرب الناس إليهم(عائلة أوجيران). إن الـ43% من العاهرات المتزوجات عقدوا زواجهن عندما بلغوا أقل من 14 عاما و 58,3% منهن, أول مرة مارسوا الجنس فيها لم يكن برضاهم.“لقد تعودن هؤلاء النساء على الزواج من رجل لم يعرفونه مسبقا ومن هنا تصبح العلاقة الجنسية مكرهة و هذه الطريقة مقبولة في المجتمع, إن حداثة أعمارهم و جهلهم بأجسامهم وكرامتهم وواجباتهم, وخطر العبودية…”, يشير الخبراء. كثيرات منهن مراهقات, ترعرعوا تحت الذل, كانوا رفيقات لرندة في بعض بيوت الدعارة في الضفة الشرقية. “معظمهم كان يزاول الدعارة لأن الزوج كان يجبرهم عليها حتى يستطيع دفع ديونه المتراكمة من المقامرة والمخدرات”, تقول. وهي حلقة مغلقة من الفساد:”أولا, يعتدي عليك زوجك, بعدها يقدمك إلى اصدقائه مقابل المال, بعدها يقدمك إلى الذي يدين له مالا أو إلى تاجر المخدرات للحصول عليها. وأحيانا ينتهي بك المطاف في بيت للدعارة (مدام) وأحيانا تصبحين رهينة للمخدرات حينها وعندها فلو أن زوجك لم يكن موجودا ولم يطلب منك تتابعين أنت في ممارسة الجنس من أجل دفع ادمانك على المخدرات” تضيف . UN Women لقد وجدت نساء أرامل, مدمنات على المخدرات بسبب أزواجهن, وحتى بعد بقائهم وحيدات يتابعن تقديم أجسامهن في مخيمات اللاجئين مثل الشوفات. أحيانا يقبلن 20 شيكيلا (4 يورو تقريبا). نقود, طعام, ملابس, نقود للجوال… أي شيء يساعد على العيش أو حمل نقود إلى البيت. لقد وجدنا نساء بين 15 إلى 20 عاما يحملن عبئ البيت و يرعين الصغار. وأخريات يعشن في مناطق مثل الخليل, حيث أن المصانع قد دمرت, وهن الوحيدات القادرات على الحصول على راتب. وبعضهن أزواجهن في السجون لأسباب سياسية و لهذا يرفض أحد التعاقد معه خوفا من الجنود الإسرائيلين وملاحقتهم لهن وتسبيب المشاكل. إحداهن لجأت أيضا إلى بيع الجنس حتى تدفع الرسوم الجامعية, و هي طريقة للهروب والحصول على أمكانية أخرى في هذا العالم”, يشرح التقرير. في أغلب الأحيان هن لا يقبضن مالا بل بواسطة القوادين, ولهذا لايستطعن دائما دفع ما عليهن. وفي حالات أسوء يجبروهن على البحث عن زبائن في بارات أو في مطاعم, لأنهن يجب عليهن أن يدفعن ما يستهلكن. ومن المقدر أن ما تحصل عليه هذه النساء هو ثلث المبلغ الذي تسلمته من الزبائن. وتقول الأحصائيات أن إحدى الشابات كانت تقدم خدماتها مقابل سندويش. واللواتي يشتكون يكون جزائهن الضرب والتهديد لأولادهن. “هن رهائن” يلخص الخبراء. ولا يقدمون شكوى لخوفهم على فقد صغارهم, وتحملهم مساوئ أكثر قسوة وحتى فقدانهن الحياة.

إن آليات الخداع تعمل أيضا في هذه الأرض: 15% من البنات ينتهون بممارسة الدعارة بعد حصولهن على وثائق مزورة من أجل العبور إلى رام الله أو القدس الشرقية, على افتراض عمل لهن كمنظفات. وأن المافيا ينشرون إعلانات للعمل برواتب من 2500 إلى 3500 شيكيل (بين 500 و 700 يورو, وإنه راتب ممتاز), وعندما تتقدم إليه شابة يسألونها عن نقود في حوزة عائلتها, أو كونها متزوجة, أو تعاني بعض الأمراض… “وإذا لم تكن جميلة أو بعض الشيء سمينة يرفضونها مباشرة. وبشكل واضح هم لم يكونوا يبحثوا عن عاملات للبيوت ولا سكرتيرات ولا عاملات متاجر”, كما يقولون في إعلانهم.

امرأة تستريح في مكان مخصص للقمامة في غزة. "إن الفقر هو المنشط الجنسي الأساسي", يؤكد الخبراء.

خضوع هذه العبيدات –يتابع التقرير- هنا هو أشد منه في أماكن أخرى على الكرة الأرضية حيث تأتي من مجتمع صوت المرأة لا يهم أحد مطلقا. السلطة الأبوية يحمل هذه الفلسطينيات على حمل أوراق ثانوية, و إلى تبعية مجبرة, على الضعف و الاستغلال و في الوقع إن معظم الشكايات تأتي من نساء أوروبيات, تخبر بهذا الشرطة المحلية في القدس. إلى هذا نضيف المحنة الشديدة التي عانوا منها خلال أعوام من ضرب و إساءة معاملة: حسبPCBS, 61,9% من المتزوجات يعانون سوء معاملة سيكولوجية في فلسطين الحالية, ثلثهن معاملة جسدية, و 11% جنسية. إن العنف المنزلي هو موضوع خاص, لا ينشر ولا تقدم فيه شكوى بسبب الحياء أو ضرر للشرف, وهذا ما حصد في السنة الأخيرة حياة 9 شابات، في مرتين على الأقل كنّ حاملات من إخوتهن أو آبائهن.

إن الطلاق ليس هو الحل لأن العائلات لا تفتح أبوابها لهذه النساء العائدات وعندما لا تمتلك زوج أو بيت يصلن فورا إلى الدعارة في وقت وجيز محاط باليأس. هذا بالإضافة إلى التحول والخضوع لهذه النساء. بسبب عدم ثقافتهن وجهلهن فإنهن يفهمن الجنس أنه خضوع مطلق للرجل وأنه” لن يكون رجلا اذا لم يضرب أو يخضع”. “أضف إلى ذلك مشاكل الاحتلال الإسرائلي الذي ينعكس في البيوت و منازل الدعارة. الرجال الذين يشعرون بضعف يلجؤون إلى العنف ضد عائلاتهم من أجل استرداد نفوذهم. عندما يهينوك في مراكز التفتيش من المحتمل بعدها أن تذهب إلى البيت وتضرب زوجتك وأكثر إذا كانت عاهرة والتي يعاملونها بشكل سيء ودون مسائلة من أحد”, تشير الدراسة.

فلسطين, مستقلة ذاتيا نسبيا, وعلى الأقل, وبعد بضعة أشهر ستكون مستقلة, وليس عندها قوانين تعاقب هذه السلوكيات, مع أنها لا تصحح هذا السلوك الشاذ . هناك بعض القواعد الباقية من مصر والأردن,وهي القوى التي كانت تشرف على بعض الأراضي قبل حرب 1967, وفي القدس الشرقية تطبق القوانين الإسرائيلية لكن الشك في أيهما أصح يجعل في النهاية أن يكونوا حبرا على ورق. عدة قوانين تصحيحية (معاملة سيئة, جرائم شرف,طلاق…) ولكن العقوبات ما زالت. مثلا في حالات الاعتداء الجنسي يفرقون بين ضحية عذراء و غير عذراء, وإذا كان الجرم يقع في الحالة الثانية, فإن العقاب أقل بكثير (من شهرين إلى سنتين سجن), لا يوجد عقاب ولاغرامة مالية اذا تعهد المعتدي الزواج من ضحيته ولا توجد إشارة قانونية حول الاعتداء داخل الزواج, كما يأتي في القوانين الأردنية من 1960. إذا كنت تمتلك بيت للدعارة تقع عليك ستة أشهر سجن وبين ستة أشهر وسنتان سجن للقوادين مع أن الحكم لا يجتاز السنة. وان استغلال النساء رخيص جدا. وفي حالات الدعارة الخالصة فإن القوانين لا تربطها بتجارة البشر, ولهذا لا يجري تحقيق في هذه الحالة “المجال الجنائي لا ينفصل”. ويظنون أن إرسال فتاة مراهقة داخل سيارة شاحنة وبتأشيرة مزورة إلى حي الثور في القدس الشرقية لم يكن تجارة خالصة.

(AP Photo/Farzana Wahidy)

الشرطة لا تؤدي الخدمات اللازمة: نقص في والوسائل والتربية والضمائر, كما أفاد معدوا التقرير.%94,1 من العاهرات يعتقدون بأن رجال الأمن لن يدافعوا عنهن اذا احتجن إليهم. وهناك حالات لشابات بحثوا عن حماية رجال الأمن لكن بعد ساعة, اخرجوا من مركز الشرطة بعنف من قبل بضعة من عائلاتهم طالبين الانتقام لشرفهم من هذه العاهرة. ومن المحتمل أن يكونوا هم الذين دفعوهن إلى ممارسة الدعارة والاعتداء عليهن عندما كن صغارا.”وأكثر ما يؤلم هو أن ترى كيف تفقد النساء بشكل كامل قدرتها على اختيار طريقها, يتحكمون بملبسها و يشرحون لها كيف تبحث عن رفيق, هن بحاجة إلى رجل لفتح حساب في البنك وهن مستغلات وبدون محاسبة قانونية. إن الخوف على سمعتهم والعادات الاجتماعية والتقاليد وطريقة فهم الجنس والعنف الصامت يغذون هذا الشقاء والتعاسة”, وبهذا ينتهي التقرير. واللواتي تحت القوانين الإسرائيلية لسن بأفضل منهن, بعضهن في القدس الشرقية بطريقة غير نظامية, أخريات لا يستطعن اللجوء إلى الأمن لأسباب سياسية. والنتيجة هي نفسها: العجز الكامل. بعض الأطباء يعترفون للأمم المتحدة أنهم حاولوا مساعدة هذه النساء ووجدوا الأجوبة التالية: “لا يعنيك هذا الأمر. فقط أنت طبيب. لا تنحشر بما لا يعنيك”. والذي تلقى هذه النصائح هو نفسه الذي انتهى لتوه من معالجة طفلة تبلغ تسع سنوات قاست الاغتصاب المتكرر من قبل عائلتها, و هي تحت رغبة من يريدها مع الدفع المسبق.

و يسرد التقرير مع شهادات الزبائن الصريحة مبررين الإستغلال الجنسي للنساء.“إن مجتمعنا محافظ و إذا لم تكن متزوجا لا يوجد طريقة أخرى لممارسة الجنس”. “أذهب لأنني أرغب بذلك أو لأبحث عن طرق مختلفة لممارسة الجنس”, “نحن على إتطلاع بوجود “مدام” ما عليك إلا الإتصال بها حتى ترسل لك فتاة إلى بيتك عندما ترغب.” “هذه طريقة جيدة للاتطلاع الأولي على الجنس“. “هن يفعلن ما نريد نحن أن يفعلن”. إن أغلبية الزبائن(58%) متزوجين أو عزاب لا يتحملون الصبر حتى الزواج, 32,8%. يوجد سائقين تكسي, تجار, محامين, معلمين,وحتى بعض الأجانب من الكثيرين الذين يتجولون في هذه الأراضي. هذا ويضيف التقرير (ONU) أن عدد المراهقين الذين يدخلون في هذه السلسلة اللاإنسانية يتزايد. وفي فلسطين يوجد رجل على هيئة teacher (مدرس) يقود مجموعة من الشباب المراهقين لتناول المشروبات الكحولية, والمخدرات, وبعدها يذهبون “لزيارة العاهرات”.

إن غطرسة الزبائن وجهلهم هو السبب في نقص الحماية لتلك العاهرات ومواجهة الإيدز. حسب UN WOMEN إن نقص النشرات والنصائح والعلاج و إرشادات صحية أخرى تجعلهم أمام الخيار بين سلامتهم أو اطاعة أوامر المستغل لا يستطيعون المجادلة. وليس فقط مسألة إرادة لأن معظمهن لا يعرفون شيء عن الإيدز و كيف تحصل العدوى: 39% منهن يعترفون بعدم معرفتهم بأخطار هذا الداء, مقابل 1,6% من الزبائن. أجل هم يعرفون لكن يواجهون هذه المسألة باستكبار (“هذا لا يحصل لي”): و81,2% من الرجال يعتقدون انهم بأمان من الإيدز, وهن عندما يعلمن ويفهمن يعترفون انهم معرضين له (78%).”لا يوجد الإيدز في الشرق الوسط, إن الوسائل الواقية تقلل المتعة بالإضافة أن محيطنا صحي. انا أمارسه مع شابات نظيفات وبالتأكيد ليس عندهم إيدز”. جمل كهذه, الـ64% من الزبائن يرفضون وضع الكيس الواقي. وهذا ما يقوله الشابات بينما هم ينفوا ذلك. فقط 14% يعترف بعدم استعماله مطلقا. والنسبة على الارجح أكبر من ذلك, وهذا ما يشكون منه الخبراء, لأن في أكثر من حالة الشابات يستعملون بعد اعطائهم المخدرات. “لا يعرفون ما يحل بهم”. الرجال لا يستعملون الكيس الواقي, الوسيلة الأساسية لمنع العدوى في الVIH “يشعرون بمتعة أقل”,”وهو أكثر طبعية بدونه”,”الثمن غالي”,”ينتجون عقم”, و ببساطة, لا يريدونه. والخطر يزداد بسبب السوائل الجنسية أو احتمال تبادل الدم, من جراء الجروح التي تحصل للنساء اثناء ممارسة الجنس العنفي. بالإضافة أن الشابات اللواتي يتعاطون المخدرات يصرحون ان تبادل المحاقن هو عادة منتشرة في محلات الدعارة.

ولقد سجلت وزارة الصحة للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1986 عن 19 حالة من حاملينVIH الإيدز و عن 47 حالة متطورة ومعظم الرجال الشبان إنعدوا لممارسة الجنس مع النساء. لكن منظمة الأمم للصحة تقول أن هذه الأرقام غير موثوق منها وأيضا تصل إلى مراكز الصحة الفوضى التي تعاني منها الإدارة الرسمية في كل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إن هذا الوباء ينمو بشكل دائم, فمن 200.000 حالة في عام 2001 أصبحوا 310.000 في عام 2008. ويفترض أن الحالات العلمية نحو 33 ميليون شخص يعانون الVIH. والعاهرات هن أكثر عرضة (سوء استعمال, عنف, تبادل العلاقة) يجب عليهن أن يكونوا أكثر حذرا ولكن هذا لا يحصل: فقط 18,5% من النساء أجرو الفحوصات الطبية مرة واحدة, مقابل 81,5% لم يجروا أية فحوصات. ويجهلن تماما انهم يستطعن اللجوء إلى مراكز الصحة ولهن الحق بهذه الفحوصات بسرية كاملة. يخشون أكثر من كلام الناس على أن يمسهم المرض.

رندة توافق على الأرقام التي وردت من الـONU. وصلت بها الحالة إلى الممارسة مع تسعة رجال في نفس الليلة. لم تتذكر أنها استعملت الكيس الواقي أبدا, و اذا حدث واستعملته مرة كان بطلب من مديرة بيت الدعارة. وليس رغبة عنها. فقط أجري لها فحص الإيدز عندما بلغت 21 عاما, وتم ذلك لأن رجل أعمال ألماني فرضه عليها لإعجابه بها وأصبح زبون دائم خلال بعض الوقت. وقد امضت عشرة أيام بدون عمل نتيجة العنف الذي لاقته من أحد الزبائن, ضربها بقسوة عدة مرات بعصى مطاطية. وأحيانا كانت تترك أولادها في بيت الدعارة لعدم وجود أصدقاء أو نقود حتى تضمن رعايتهم ولا تزال إلى الآن تعاني من مرض جنسي سبب لها نزيف خطير. عملت كأم لبعض العاهرات الشابات من أجل الذهاب إلى المشتريات المسموحة في القدس. هولاء الفتيات بقوا في المدينة بشكل سري ولم يعرف عنهن شيئا. وطردوها من بيت للدعارة لأنها رفضت جلب أطفال (“لا أستطيع أن أفعل هذا كما فعلو معي”) وأحد الشركاء حملها مختبأة داخل السيارة إلى إحدى القرى وتركها تعيش على مشارف المدينة في الحقل, منطقة وعرة محاطة  ببستان صغير وبئر حيث كان يجلب لها الزبائن كل ليلة وشيئا من الطعام, حتى لا يعرفها أو يراها احد كثير من الألم حتى موت آخر قواد لها, عندها تحررت. وشهادتها مغزولة من طرف الشاهدين اكثر منها. أقوال تقطع الأوصال لقساوتها. وهذه هي نتيجة الأيادي التي انهالت عليها ضربا, وحضوعها تحت القوة, والألم الذي أغرقها. وهي الآن تتطلع إلى المستقبل مع أبنائها وعملها متواضعة وبسيطة راغبة العيش بسلام. وهذا ما تتمناه لرفيقاتها السابقات ولـ4,5 مليون من النساء الذين يمارسون الدعارة إلى اليوم في العالم.

توصيات تقرير UN WOMEN

1) إنشاء قوانين عابرة في فلسطين من أجل تجنب اللاحماية للنساء العاهرات و معاقبة هذه الجريمة التي يعانون منها قبل وبعد الإستغلال.

2) تقوية دور المرأة في سوق العمل الفلسطيني, ليمنع لجوئهن لممارسة الدعارة للحاجة و يجب فتح طرق لمهن تقليدية للرجال, وإبتكار أخرى جديدة.

3) تدريب رجال الأمن ليشرفوا على الضحايا, ومنع إستغلالهن ونقلهن الغير مشروع.

4)وضع خطة وطنية ضد العنف الجنسي,والمنزلي, والدعارة المجبرة والإتجار بالبشر.

5) تقوية المساواة في التربية وفي القيم حتى لا تتكرر في البالغين هذه النماذج من الظلم والعنف,وبشكل خاص في المناطق الريفية والمناطق المفككة.

6)تسهيل الوصول إلى المعلومات حول الإيدز وتأمين فحوصات خاصة وأمينة.