الصحافة الإنسانية

Mónica G. Prieto: مونيكا ج. برياتو
Naomí Ramírez Díaz: نعومي راميريث دياث


يأتي مقطع الفيديوالذي يظهر أحد قادة الثوار وهو ينتزع قلب عسكري سوري من صدره ويعضه، بمثابة شهادة على الرعب الذي يعيشه البلد.

و كان السبب الذي أدى إلى جريمة الحرب هذه فيديو آخر يرتكب فيه العسكري الذي تم تدنيس جثته انتهاكا ضد المدنيين.

ويقول الثوار إن “السؤال الذي يجب طرحه هو كيف وصل هذا الرجل إلى درجة فقدان عقله”.

يظهر هذا المقطع المسجل يوم الخميس الماضي في قرية طلف، في محافظة حمص، جثث إمراة وأربعة أطفال قتلوا إزاء القصف. وقبل ذلك بيوم واحد قتل 15 سخصا في قرية خربة السودا. كما أنه خلّف القصف عدة ضحايا ومن بينها هذه الطفلة في حي السعن في تلبيسة يوم الإثنين الماضي. وإضافة إلى ذلك تم العثور قبل ذلك بأسبوع فقط على جثث 22 مدنيا، معظمهم أطفالا ونساء، في هذه المحافظة السورية التي ليست إلا أحد السيناريوهات المتعددة للحرب التي تعيشها سوريا منذ أن بدأ النظام يقمع المظاهرات التي أشعلت الثورة. ولكن لم يثركل هذه الصور والفيديوهات التي وثّق فيها الناشطون والصحفيون عدة انتهاكات نفس الجدل الذي أثره المقطع التي نرى فيه أبا صقار، وهو مقاتل الحمصي، يقف أمام الكاميرا وهو ينتزع بدم بارد الأعضاء الحيوية من جثة أحد مقاتلي النظام ويظهر وكأنه يعضّ قلبه.

حوّلت الصحافة العالمية جريمة حرب هذه إلى مرجعية وذلك رغم عدم تمتع أبي صقار بأي احترام في صفوف رفاقه .يقول أحد رفاقه الذي فضل أن تظل هويته مجهولة: “إنه يتصرف كالأطفال وكالمجنون. هو يحب الكاميرا كثيرا وهذا يفسر ما حدث جزئيا، غير أنه لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار المجازر التي شهدها أبو صقار منذ البداية وما رآه قبل أن يتصرف هكذا”. ويتابع: “تم تسجيل الفيديو في منتصف شهر آذار/مارس. كان رجالنا قد شنوا حملة لاسترجاع بابا عمرو وذهب أو صقار مع 50 رجلا آخر وكلما تقدم كان يترك خلفه بعض المجموعات الصغيرة حتى لم يبق معه إلا 3 مقاتلين. فتشوا ملابس أحد الشبيحة الذي كانوا فد قتلوه خلال الاشتباكات وعثروا على جواله. كان فيه تسجيل مرعب سبب ذلك التصرف”.

وفي مقابلة مع مجلة (تايم) يعترف أبو صقار نفسه بأن الفيديو الذي عثر عليه هو ما جعله يقوم بالتمثيل بالجثة ، غيرأنه لم يعط تفاصيل عن محتوى الفيديو. وحسب أحد رفاقه، “كانت هناك ثلاث نساء في غرفة: أم وبنتاها المراهقتان. كان أبو صقار يعرفهن لأنهن جاراته في بابا عمرو. كن عاريات وكان أحد الجنود يغتصبهن وهن يرجون له أن يتوقف. وبعد قليل أعطى المصور جواله لرفيقه وبدأ يغتصبهن بعضوه وبعصا. كان هو نفس الرجل الذي كان يخبئ الجوال”

لاشيء يبرر تدنيس جثة، ولكن درجة البشاعة التي استشرت في سوريا تساعد على فهم تصرف أبي صقار، رجل في الثالثة والعشرين من عمره كان يعمل في البناء في بابا عمرو وكان بين أول المشاركين في المظاهرات التي أشعلت الحي وبين أول المدنيين الذين تسلحوا لحماية المنطقة من الهجومات العسكرية.

كان سلوكه التهديدي، والمتصارع والراغب في الخروج في وسائل الإعلام يميزه منذ البداية عن الناشطين والجنود المنشقين. وبمرورالوقت، أصبح مقاتلا لا يخاف من كونه على جبهة المواجهة. ولذلك، لم يغادر بابا عمرو (وأصيب خلال الانسحاب) إلا بعد سقوط هذا الحي في أيدي النظام وذلك بعد شهر من القصف الوحشي. وهو مؤسس كتيبة عمر الفاروق المستقلة بعد انشقاقه من كتائب الفاروق.

رفاق خالد الحمد، المعروف بأبي صقار، في حالة استياء، ليس فقط بسبب الصور التي أصبحت منسوبة على كتيبتهم والثورة السورية بأكملها، بل بسبب ما يسمونه النفاق الغربي حيث تثير صورة شخص يدنس جثة ويظهر وكأنه يعض قلبه نفورا أشد مما تثيره ركام جثث الأطفال، وهذه للآسف صورة يمكن توثيقهاشطل عادي في سوريا.

يشرح رفاقه إن “هذا عمل فردي لا يمثلنا. هو قام به دون استشار أحد ولما عرفنا عن الموضوع طلبنا منه ألا يقوم بأي عمل مشابه”. وقد جعله ولعه بالكاميرات والجدل الذي أثاره عمله يسجل فيديو آخر يؤكد فيه أنه مستعد “للخضوع إلى المحاكمة بسبب أعمالي على شرط أن يتم محاكمة بشار الأسد وشبيحته على البشاعات التي ارتكبوها. رسالتي إلى العالم هي التالية: إن لم  يتم إيقاف إراقة الدماء، فستصبح كل سوريا نسخة عني “.

ويذكر أحد رفاقه إن “هذا النوع من التصرفات ممنوعة في كل قانون إنساني أو ديني”. ويقول آخر: “لقد تصرف كالمجنون غير المسؤول”. ويضيف آخر إن يحيى وهو أخو أبي صقار، قتل في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 لما كان يحاول إنقاذ امراة كانت قد أصيبت بنار أحد قناصة وأصيب هو بدوره. وقد فقد أبو صقار 25 قريبا خلال الحرب.

ويضيف ناطق باسم لواء الحق، إحدى الحركات الأكثر نشاطا في محافظة حمص إن “هذا الأمرغير مقبول بالمطلق ولكن من غير المقبول أيضا درجة نفاق الإعلام الغربي والمجتمع الدولي اللذين ينشران صورة كريهة عنا ويتجاهلان مجازر مثل مجزرتي بانياس ورأس النبع ويركزان على فعل فردي ونادر. هناك مئات الفيديوهات التي تظهر البشاعات التي يرتكبها موالوا النظام. إن استمرارالوضع هكذا سيأتي بالآلاف مثل أبي صقار”.

يشعر المقاتلون والناشطين الذين تحدثنا معهم بالإهانة بسبب عدم بث صور البيضا في بانياس وهي المنطقة التي شاهدت مجزرة في أوائل مايو والتي أدت إلى هروب المواطنين. تم ذبح مئات المدنيين، الأرقام تتراوح بين 200 و400، من قبل الميليشيات الموالية للنطام والتي يقودها أحد المدافعين عن التصفية الطائفية، كما يثبته ميراج أورال، وهو قريب من نظام الأسد، في هذا المقطع. ولكن لم يثر ذلك اهتمام الإعلام. وكأن صور الرجال والنساء والأكفال المتراكمين (بعضهم تظهر عليهم آثار السكاكين، وهناك أطفال تم بتر أعضائهم، وأطفال محروقون وجثث تم تفجير جماجمهم) لم تكن مناسبة لمعاييرالصحافة العالمية. “قالوا لنا إنها بشعة جدا للجمهور الغربي” يشكو أحد الناشطين له علاقة بالإعلام العالمي.

 يحاول أبو خالد، عضو في كبيتة الفاروق المستقلة والذي يعتبر نفسه صديقا لأبي صقار، أن يشرح (“وليس نيتي التربير) ما حدث. “لقد قمنا بكل تأكيد بفعل غير مقبول ولكن لا يمكن أن يقارن بآلاف الجرائم البشعة وغير الإنسانية التي ارتكبها النظام. العالم أجمع، وهومان رايتس واتش، والأمم المتحدة كلهم يقولون: “أه، انظروا إلى الجيش الحر كيف يتصرف كالوحش”، ويقولونها وهم يغضون النظرعن كل جريمة يرتكبها بشار الأسد في كل ساعة”.

ورغم أن هكذا تصرفات يقوم بها “رجل مجنون وغير مؤدب”، كما يتفق الجميع، لا يمثل كل الثوار السوريين، يصرّ الناشطون والمقاتلون على أن العنف على الأرض يساعد على فهم سلوك بعض عناصر من الميليشيات. ويقول أبو يوسف من منطقة القصيرالتي يقاتل فيها نفس العسكري الذي انتزع قلب الجندي، عبر الهاتف: “لا أريد أن أعذر أبا صقار عن ما فعله لأنه فعل غير مقبول”. لم يعد يريد أن يراه بعد معرفته بما حدث ولكنه أرسل شخصا لمواحهته باسمه. “لما قال له إن المجتمع الدولي أصبح الآن ضدنا، قال: فليعتذر المجتمع الدولي عما حدث لتلك الأم وبنتيها وحينئذ سأستسلم. فليحكموني بالإعدام إن استحققت ذلك ولكن لا بد أن يعتذرالمجتمع الدولي”.

ويصر أبو يوسف عبر السكايب: “السؤال الذي يجب طرحه هو كيف وصل هذا الرجل إلى درجة فقدان العقل. خلال الأشهر الستة الماضية كنا وما زلنا نرى كل يوم مشاهد تتجاوز حدود العقل. قبل أسبوع عثرنا على جثث 22 طفلا مع آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم. كان البعض قد قتل بالسكين والبعض الأخر قد تم تحريقه. كل يوم نفقد عدد من المدنيين في الجواجز، يتم قتلهم إما بالسكاكين أو بالأسلحة أو بالعصا… يحولوننا إلى مجانين، يضعوننا على أقصى حدود التحمل و لن يتوقف هذا الجنون بعد الحرب لأنها ستخلّف موجة من الانتقادات”.

يتفق خبراء علم النفس على أن الأشخاص الذين يتعرضون إلى مشاهد عنف شديد أكثر ميلا على أن يمارسوا العنف ضد الآخرين، غيرأنه ليس هناك برير لتصرف أبي صقار. للآسف أصبحت، ومنذ بداية الثورة، فيديوهات الاغتصاب، والتعذيب، وبتر الأعضاء ، والقتل بدم بارد مشاهد عادية غالبا ما نرى فيها جنود النظام أو الشبيحة. تركت فيديوهات قتل المدنيين في البيضا في بانياس أثارا شديدا على المقاتلين لأنه تم تجاهلها تماما في الخارج: ثلاثة قتلى في بوسطن أشغلت الأنظار عن المجزرة.

وشرح رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، في مقابلة مع مجلة (تايم): “لقد شاهدت مئات الفيديوهات من هذا القبيل. يقطعون الرؤوس والأقدام، والقلوت والآذان والألسنة. كما أنهم يبترون الأعضاء التناسلية. هذا ليس طبيعيا، ما يحدث غير إنساني”.

بعد أن أصحبت الثورة مسلحة منذ سنة ظهر نوع من المسابقة في الانترنيت هدفه بث صور من العنف الفاحش. يمكننا أن نرى عمليات قطع رؤوس وتحريق الأشخاص وهم أحياء، كما يمكننا أن نرى معتقلين قتلوا بالسكين وبترت أعضاؤهم بعد ذلك، وجثث مدنيين تم قتلهم بالطرق الأكثر قسوة… ومعظم تلك التسجيلات يقوم بها جنود أوعسكريون موالون للنظام كما يمكن استنتاجه من الصورنفسها. ويستعمل كل منهم لغة طائفية شبيهة باللغة التي كان يستعملها المقاتل الثائر في فيديو التدنيس.

“عندما يرى الناس هذه الأفعال البشعة وعمليات بترالأعضاء يترك ذلك ندوبا فيهم تسبب رغبة في الانتقاد. العين بالعين والسن بالسن. وفهم بعض المقاتلين في سوريا هذه العبارة بالمعنى الحرفي”، يشرح بيتير بوكارت، مدير الطوارئ في هومان رايتس واتش، والمسؤول عن التقرير الأصلي الذي أدان فيديو تدنيس الجثة. وقد طلبت هومان رايتس واتش من قيادة الجيش الحر في سوريا ومن الائتلاف الوطني أن “يتخذا الإجراءات اللازمة لكي يتم محاسبة المسؤولين عن جرائم حرب على أفعالهم ولتجنب أي انتهاكات مستقبلية من قبل أي شخص تحت أمرهم”.

وعلى الأرض، تعتبر كل من المؤسستين السابق ذكرهما دمى سياسية لا علاقة لها بأزمة لا يتأثرون بها لأنهم خارج سوريا. وبما أن كتيبة الفاروق لا تخضع لأي مجلس عسكري تالع للجيش الحر، فيمكن اعتبارها خارج سيطرته.

وإن تطول الصراع وعدم محاسبة من يرتكبون الجرائم في كل طرف بالإضافة إلى العنف المتزايد يقودون الجمهورية العربية السورية إلى المجهول المظلم. “أي شخص، وأعنى ما أقوله، أي شخص يمكن أن يصبح عضوا في الجيش الحر إن كان معه أسلحة. وتم توثيق حالات من ثوار مفترضين يستغلون عضويتهم في الجيش الحر كي يسرقوا في المخابز من أجل القضية، أوكي لا يدفعوا تعريفة التقل أو كي ينهبوا البيوت”، شرح محمد، أحد المقاتلين في حلب في شهر تشرين الأول/نوفمبر الماضي. ويضيف أبو أحمد، أحد الناشطين في حماه: “هناك ناس كثيرون، ليس لهم مبادئ، حصلت على الأسلحة ولا يمكن توقفهم”. وثم يتنبأ: “سوف نرى أكثر من هذه الجرائم لأن العنف قد اختطف الثورة”.

وتزداد التصرفات الإجرامية مع مرور الوقت، وقد تم وصف في صحيفة الغاريان ميل الكتائب الثورية إلى النهب، وهي ممارسات تم توثيقها في صفوف النظام منذ وقت طويل ويعرف عنها إنها كانت في بعض الحالت السبب الوحيد لشن حملات عسكرية. يعترف بعض علماء النفس الذين يعملون في منظمات غير حكومية بأن بعض الثوار صاروا ينسحبون من صفوف الجيش الحر مرعوبين بالطبيعة الإجرامية لممارسات بعض عناصرهم.

كان أبو أحمد خلال سنة هو المسؤول عن مركز صحفي في أحد المدن الرئيسية في شمال سوريا وعندما أصبح تعبان من التعامل مع الصحفيين (كان بينهم من ليس مهتما بمأساتهم بل بالحصول على خبر خاص)، قرر ترك نشاطه والانضمام إلى كتيبة ضد النظام. بعد شهرين، قرر ترك الميليشيا. “نحن نضيع البوصلة”، قال عبر الهاتف من شمال سوريا في مقابلة تشبه محاولة الترفيه عن النفس. “كان بعض رفاقي يأتون بأطفالهم إلى الاشتباكات ويدربونهم على استعمال الأسلحة. أحدهم كان يأتي بابنه الذي لا يتجاوزعمره ثلاث سنوات. أي جيل جديد هذا؟ ماذا سيحدث معهم؟”

ويذكر الناشك عمر شاكر، والذي كان مع أبي صقار في شوارع بابا عمرو خلال أكثر من سنة أن “هذا هو ثالث أو رابع فيديو من انتهاكات مرتكبة من قبل المقاتلين يتم بثه “. ومن بين الأسوأ سمعة هناك فيديو تم تسجيله في دير الزور، شرق سوريا، حيث يستلم طفل أوامر ذبح رجل موال للنظام. وهناك أيضا هذا الذي تم تسجيله في الرقة، حيث من يفترض أنهم موالون للنظام يتم إعدامهم من قبل المتطرفين. ويتابع “ولكن كل يوم تصل فيديوهات تظهر البشاعات التي ترتكبها الحكومة ولا يتم إدانتها. في مثل هذه الثورة التي تضم أعداد كبيرة من الجمهور، سيكون هناك دائما من يتصرف مثل المجنون ولكنهم لا يمثلون الحراك”.

يعتقد عمر أن أبا صقار يجب أن يحاكم على جريمته أمام محكمة دولية. “إلى من يمكن أن نشكو؟ نحن في ثورة غير منظمة وفوضوية ولا أحد ساعدنا كي نغير ذلك. خلال سنتين حمى المجتمع الدولي نظاما مجرما في حين كان الناس يتسلحون للدفاع عن أنفسهم. كل سوري تقريبا فقد شخصا في هذه الحرب. أبو صقار لا يمثل أحدا ولكن أحشى أن نرى أكثر من أبي صقار واحد في سوريا”.

وفي غضون ذلك، في محافظة حمص، يشعر أبو يوسف بالحزن الشديد ويشرح كيف سقوط القصير والقرى ال20 المجاورة في أيدي النظام أمر حتمي حتى ولو لم يتطرق الإعلام إلى الموضوع. “هذا أمر أيام وليس أسابيع. هناك 40.000 مدني محاصر نحاول إخراجهم شيئا فشيئا. وكل يوم يقتل بعضهم خلال عملية الخروج”.

يؤكد أبو خالد، ومعه آخرون، أن العنف الطائفي الذي يشجعه النظام في دمشق قد اختطف الثورة منذ وقت طويل. “أصبح الوضع خارج السيطرة ويشعرمن أشعل الثورة بالوحدة، وأن المجتمع الدولي والمعارضة السياسية قد تركانا، خاصة الأخيرة التي تعقد اجتماعات كل يوم كي لا تفعل شيئا في حين يقوم الطيران والمدفعية بقصفنا بشكل يومي و يدخل السبيحة القرى مدمرين كل ما يجدونه في طريقهم، الأغنام والحقول الزراعية أيضا”.

ويضيف: “لقد تجاوزنا الخط الفاصل بين الإنسانية  والوحشية. لا أفهم كيف ولكن أصبح أبو صقار وحشا لا تهمه جرائم الحرب. وقد تحدثت مع الكثير من الناس عن هذا الموضوع وكلهم يقولون نفس الشيء: خراء على المجتمع الدولي. لا يساعدوننا، لا يدافعون عن أهالينا، لماذا نهتم بما يعتقدون؟ كم طفلة تم اغتصابها؟ كم طفل تم إعدامه؟ ماذا فعلوا لتجنب موت واحد فقط؟ كم فيديو يظهر تلك الجرائم تم بثه؟ كم مرة تم إدانته؟”

وحسب أبي خالد فإنه فقط في المناطق المحيطة بالقصير يقتل ما بين 15 و30 مدنيا كل يوم. ويقول بأسف عبر الهاتف: “هذه عملية إبادة جماعية، يقوم النظام بتطبيق سياسة الأرض المحروقة ونفس ما شاهدناه في بانياس يحدث كل يوم في حمص وأماكن أخرى في سوريا. لقد بدأنا الثورة ونحن نطالب بالديمقراطية، والتسامح والمساواة ولم نحصل إلا على أن نكون متساويين في الموت. يتم قتلنا كلنا: رجال ونساء وأطفال وشيوخ.

 


الجزء الخامس من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

يهم محمد الدالوب، وهو  عامل في الثالثة والعشرين من عمره،  بالغناء جاثماً على منصة. يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء.

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” بهذا يفسر الدالوب الدافع لمتابعة المسيرة.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: أمان دوغان

مغني حي بابا عمرو في حمص أثناء مظاهرة (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

جاثماً على منصة، يهم محمد الدالوب،وهو عامل في الثالثة والعشرين من العمر يرتدي قميصاً حمراً، بغناء نشيداً أصبح معروفاً لدى مئات الأشخاص اللذين يشاركون يومياً في مظاهرات بابا عمرو في مدينة حمص السورية. “يالله إرحل يا بشار. ما تفعله سيئ. دع سوريا وشأنها” يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص على قرع طبل محمد درموش، وهو دهان في الثالثة والعشرون من العمر، كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء لأن قوات الأمن تحاول منذ حوالي التسعة شهور اسكات الأصوات المنادية للحرية.

جمع من الشباب في مظاهرة في بابا عمرو،حمص. كانون الأول 2011 (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

عادةً ما تبدأ المظاهرات في سوريا بالموسيقى وتنتهي على وقع الرصاص. في كل حي من أحياء حمص، المدينة المحاصرة منذ 5 شهور، تقام مظاهرات ليلية مناهضة للنظام. لم تعد المظاهرات عفوية كما كانت عند بداية الثورة فكلٌ منها لديها مغنيها الثوريين كالدالوب أو زميله زاكية أحمد، عامل في الثاني والعشرين من عمره، اللذين يقضون ساعات النهار برفقة درموش لتأليف والتمرن على الأغاني الثورية التي سيلقونها في المساء.

يفسر أحمد: “في البداية كانت الفوضى عارمة، وكان الثوار يرددون شعارات دون تنسيق. ولكن تدريجياً بدأنا نبحث عن صاحب أفضل صوت وأقواه لكي تكون أصواتنا حافزاً للناس”. هكذا ولدت فكرة تعين مغنين للمظاهرات، تكون وسيلة بديلة  لهم للقتال من أجل الحرية. و يكمل:”أنا أطالب بحقوقي بالصراخ. أغني للحرية إنتقاماً من جرائم الأسد”.

متظاهرون يغنون ويرقصون في حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” هكذا يفسر الدالوب إستمرار الاحتجاجات رغم القمع. بالنسبة لهؤلاء الشباب، وظائفهم الجديدة، النابعة من حاجات الثورة هي أكثر من مجرد هواية.”قبل الثورة،لاستحالت تلك المقابلة. بل وحتى لقائنا هذا لكان إنتهى بنا في الاعتقال.يمنع علينا النظام أن نقيم الخيم.أما الأن فأصبح من المستحيل أن لا ننزل إلى الشوارع”. و يوضح الدالوب “كيف لنا إن ننسى طعم الحرية بعد أن ذقناه؟” يوافقه درموش الرأي:”نعيش في سجنٍ كبير. وأخيراً تغلبنا على الخوف. الأن نستطيع أن نتكلم بصوتٍ عالٍ، لنثبت اننا بغنى عن بشار، وننشد اكرماً لحماة”

مجزرة حماة في الثمانينات عندما سحق النظام ما سماه بالتمرد الإسلامي و التي وقع ضحيتها ما بين  10.000 و 20.000 حسب التقديرات المختلفة  لم يكن لديها صداً قوياً خارج سوريا بسبب قلة الصحفيين وإنعدام الانترنت والهواتف النقالة. أما بالنسبة للسوريين ما تزال كجرحاً مفتوحاً، ومثالٌ على ما يمكن أن يفعله النظام ليفرض طاعته. والظهور النسبي لما يحصل في سوريا بفضل الشبكات الإجتماعية والسوابق التي خلقتها بقية الثورات العربية يمثلون أكبر دافع للإستمرار حتى الوصول إلى الحرية. لذلك يارون “أن لا عودة إلى الوراء”.

يشكل مغني الأغاني السياسية ظاهرة جديدة نابعة من الثورة وهي اخذة في التطور. فقد نجحو في إنشاء شبكة عبر الفيسبوك  للتواصل  والتنسيق في ما بينهم على طول مساحة سوريا فيتبادلون المعلومات عن المظاهرات ويتفقون على الشعارات وعلى كلمات الأغاني.

منزل مدمر جراء القصف على حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

كما هي الحال في بقية حمص، يعاني هؤلاء الشبان الثلاث من عواقب وخيمة بسبب مشاركتهم في الثورة: هجوم بسلاح ار بي جي على منزل محمد أدى إلى حرق يداه ومقتل صديق له. أما محمد درموش فاعتقلت قوات أمن الأسد شقيقه.”أصابوه في ساقه واعتقلوه. وقالوا لنا أنهم لن يتلقوا سراحه إلى أن أسلم نفسي. اعطاهم الجواسيس إسمي، مع أنهم يستطيعون التعرف علي من خلال أفلام الفيديو. وكلنا محامي، ولكن كل ما إستطاع فعله هو أن يزوره. ومن خلاله أوصاني أخي “لا تتوقف عن التظاهر والنزول إلى الشوارع، لا تقلق، سأكون بخير”

يؤكد زكيه أحمد إبن الثانية والعشرون ربيعاً “حتى الذين لا يشاركون في المظاهرات يموتون في بيوتهم.أفضل الموت وأنا أطالب بحقوقي على أن أموت صامتاً” المخاطرة كبيرة فوجوه الشبان الثلاث أصبحت معروفة لانتشار التسجيلات على صفحات الانترنت منذ أشهر.

يضيف درموش “لو اعتقلوني لقطعوا رأسي” يختلف معه الدالوب “بل يقتلعون حناجرنا”  مذكراً بحالة ابراهيم القاشوش الشهيرة. وهو من كان يحمس المتظاهرين في حماة إلى أن تم إلقاء القبض عليه وإستئصال حباله الصوتية. وحالة خالد إكرهيد مشابهة إلا أنه كان من حي باب هود في قلب مدينة حمص. اعتقلوه وعذبوه “أعادوه إلى عائلته جثةً صعب التعرف عليها من كثرة التشويه”.

كل ذلك لم يردعهم من المتابعة في تحميس المتظاهرين بأصواتهم وقرع طبولهم. كما يقول محمد الدالوب “عندما ترى الجرائم التي يرتكبها النظام، لا تستطيع أن تبقى مكتوف اليدين متحسراً. عليك عمل كل ما تستطيع لإيقافه. وعندما لا تستطيع فعل

شيء بيديك،إستعمل  لسانك لتندد، وإن لم تستطيع فاستعمل قلبك. نحن نغني من قلبنا: يا بشار ما تفعله خاطئاً، إرحل ودع سوريا بشأنها”.

طفلة من حمص في مظاهرة. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية


“مشفى المعجزات”

الجزء الثالث من سلسلة “تقارير من سورية” التي اجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

غرفة مهلهلة تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش و مشرحة مشفى حي بابا عمرو الميداني في مدينة حمص المحاصرة.

“مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

مونيكا بريتو (حمص, سورية)

ترجمة: أمان دوغان

أثار دماء عدد من المواطنين في حمص اللذين اصيبوا جراء قصف جيش نظام الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

يعمل أبو بري بكد لعلاج مصابة بالرصاص والكوفية ملفوفة حول جبينه كي لا يعيق العرق عمله. يقوم بعملية قسطرة لتنظيف الاصابة بينما تصدح صرخات الجريحة في ارجاء الغرفة المهلهلة التي تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش وحتى مشرحة مشفى بابا عمرو الميداني وهو حي من أحياء حمص ويعاني كباقي أحياء المدينة من أشهر من الحصار العسكري وإطلاق النار العشوائي من قبل القناصة كتلك الطلقة التي تمزق الجريحة ألماً وبكاء.

“أرجوكم لا تصورونني، سيقتلوني!” رددت المرأة الجريحة عند رؤية الكاميرا بينما تتلقى العلاج الطبي العاجل وهي ممسكة بيد أحد أقاربها الذي وقف يراقب الوضع بلا حول ولا قوة. بجانب الفرشة الملقاة على الأرض، تقوم ليلى بالترجمة بينما تحضر البنج الموضعي الذي تحقنه بسرعة في ساق الجريحة، وتهمس: ”مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

في تلك الأثناء يجاهد سليمان بإخراج جريح أخر من شاحنة صغيرة تلطخ داخلها بالدماء. يضع ضمادات ضاغطة لوقف النزف ويبحث في الجوارير عن العلاج المناسب. ليس ممرضاً، إنه إبن عم أبو بري وإبن أبو سليمان وهو رجل قوي البنية مسؤول عن غسل وتحنيط الجثث.

سليمان جندي منشق قرر إلقاء سلاحه في بداية الثورة ليتفرغ إلى إنقاذ الأرواح بدلاً من حصادها بإسم الدكتاتورية. بل وهو أيضاً جزء لا غنى عنه في عمليات إنقاذ الجرحى والمساعدة الطبية، في تنظيف الدماء وفي أي عمل قد يحتاج  إليه المشفى.

رجل مصاب يتم حمله إلى المستشفى الميداني في حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

ليلى هي أيضا ليست بممرضة، ولكن تعمل في مختبر. أبو بري هو الطبيب الوحيد الذي يعنى بجرحى الحرب في الحي حيث يقطن ٢٨٠٠٠ نسمة رغم أنه لم يدرس الطب يوماً. قبل الثورة كان مجرد عامل بناء يقوم بتثبيت الأرضيات والسجاد، ولكن عندما بدأت المظاهرات شارك فيها إلى أن قرر أن يعمل بطريقة أكثر فاعلية فتحدث مع صديق طبيب.

“طلبت منه أن يسمح لي مرافقته لمدة أسبوع في غرفة العمليات لعلاج الإصابات…هو وتجربة الحرب علماني كل ما أعرفه” يقول أبو بري بينما يحضرجبس مرتجل على طاولة من خشب ليثبت عليها ساق المريضة. يخشى أن تكون مكسورة لكنه لا يستطيع التأكد في غياب جهاز ألتصوير الشعاعي  ”الأن أنا مسؤول عن كل شيء. وصلنا بالأمس مئة جريح جراء القصف. لكن الله معنا. هذا هو الشيء الوحيد الذي يفسر أنه لم يمت إلا عشرة مصابين في تلك الغرف” يقول في إشارة إلى نهار السبت الفائت حين قصفت بابا عمرو بالقذائف الثقيلة.

منزل مدمر جراء قصف جيش الأسد على حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

بالإضافة إلى عدة مدنيين متطوعين، ليلى، سليمان، أبو سليمان، وأبو بري هم الوحيدين الذين يشرفون على المشفى الميداني في بابا عمرو، وهو أكبر مشفى ميداني في حمص. لا تفرغ غرفه أبداً. يقوم الجيران والأصدقاء بالعمل معا في جميع أنواع المهام: من إعداد الحقن، وتعليق اللواصق الطبية للجروح لتكون جاهزة دوماً.

في الغرفتين الأخرتين المتبقيتين في المشفى الميداني المرتجل يكمن الجرحى الذين تم انعاشهم وإستقر وضعهم الصحي. حينما يصبح من الممكن نقلهم، يقوم سليمان وعمر بذلك في سيارتهم إلى بيوتهم تحت القصف. امتلأ حوض الحمام باكياس المصل وتحول المخزن إلى صيدلية. وبحسب تقديرهم لكانت انتهت المؤن والأدوية في مهلة ثلاثة أيام بسبب الحصار الذي إبتداء نهار الخميس  لولا وصول بعثة المراقبين العرب  وتخفيف الحصار والسماح بدخول الإمدادات ولو سراً.

الدكتور أبو بري على الأرض يقوم بمعالجة إثنين من المدنيين المصابين بجروح خطرة من جراء شظايا قذيفة اطلقها جيش الأسد في حمص، سورية. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

المعجزة وحدها تستطيع تفسير ما يحدث في تلك الغرف. يوضح أبو بري “لم ننم منذ ثلاثة أيام، ولا نأكل إلا عندما يتثنى لنا”  ننام ونأكل في نفس الصالة حيث يرقد جريحان هما وحتى لحظة كتابة هذا التقرير: إمرأة أجرى لها هذا الرجال الذي اجبرته الظروف على أن يكون طبيباً عملية ثقب القصبة الهوائية ورجل فتح بطنه بشظايا وامتلأت ساقه بالمسامير من قنبلة مسمارية اصابته: وتلك القنابل محرمة دولياً فهي عندما تنفجر تطلق المسامير في كل ألإتجاهات مما يسبب بسقوط العديد من الضحايا وأثارها الصحية بالغة الخطورة.

في غمرة الحديث وصل العديد من الجرحى إلى غرفة الطوارئ: رجل إحترق وجهه ويده في إنفجار، أخر أصيب بطلق في ساقه وثالث أصابه قناص في كتفه و خرجت الطلقة من خصره، امرأتين مع أطفالهن في الرابعة والسادسة من العمر، اصيبا جراء قصف طال منطقة ريفية يقطنون فيها، إمرأة مسنة اصيبت في المنطقة ذاتها، رأت ابنها يموت في نفس الهجوم.

هذا لا شيء مقارنة باليوم السابق، عندما استخدمت قذائف الهاون و كثف القناصة هجومهم على المدنيين في حمص. تقول ليلى “من إجمالي الجرحى اللذين احضروا إلينا 15 كانو اطفالا و الكثير من النساء، مات منهن اثنتين” وتكمل “أصبنا بالصدمة عند رؤية الوضع، لم نستطيع تغطية كل الحاجات. بسبب قلة الأماكن اضطررنا إلى وضع الجرحى على الأرض، فلم يكن لدينا فسحة كافية  للعمل”. في نهار اليوم التالي، الأثنين الماضي، عادوا ليعيشوا نفس التجربة: توفي 23 شخصاً بسبب إطلاق النار والقصف، وتجاوز عدد الجرحى المئة جريح.

رجل مصاب في حمص أصيب بطلق بسبب قصف جيش الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

قبل بضعة أيام حضر إلى المشفى للمساعدة صيدلي من الحي يقوم بدور الطبيب خشية أن تكون الإصابات كثيرة وبالغة بسبب شدة القصف. “كان إسمه محمد العوض. إستغل وقف إطلاق النار لإيصال الدواء إلى عائلة كانت قد نقلت قبل ساعات قليلة. عند خروجه من منزله أصابه قناص في صدره. حاول صديقه إستعادة جثته لكنه لم يستطع بسبب كثرة إطلاق النار. قضى نصف ساعة ملقى على الطريق إلى أن استطاعو انتشاله” تفسر ليلى بينما كانت متطوعة تعمل في المشفى تريني على هاتفها النقال شريط مسجل عن جثة العوض في المشرحة الواقعة في ممر المشفى و اغرورقت عيونها بالدمع.

في نهار السبت لم يتوقف وصول المصابين بين الساعة السابعة مساءً والعاشرة مساءً. نهار الإثنين كان أسوأ حيث كان أرض المشفى ملطخ بالدماء كل النهار. لم تكن تلك المرة الأولى التي يمر أبو بري بهكذا تجربة: في اواخر شهر تشرين الثاني الماضي وصل أكثر من 70 جريح. يقول:”كلما هدأت وتيرة وصول الضحايا، كنت اذهب إلى المسجد المجابه للمشفى للصلاة. كنت أدخل و أنا حامل حذائي الملطخ بالدم تحت إبطي في حال وصول سيارة مع جرحى جدد”.

يسكن أبو بري في المستشفى منذ حوالي الشهرين. قبل ذلك كان يتلقى الجرحى في منزله. “لمدة ثلاثة أشهر وقبل إنشاء هذا المركز في تشرين الأول الماضي، كانت عائلتي تساعدني في التمريض. كنت أحضر الجرحى إلى منزلي وبعد الانعاشات الأولية كانت عائلتي تقوم بالإهتمام والرعاية بهم باطعامهم وتنظيفهم و إلى ما هناك…قمنا بشفاء ما لا يقل عن 2000 جريح” من هنا اكتسبوا جميعاً هو وعمه وأبناء عمه الخبرة في شفاء الجرحى.

وفقاً للدعاية الرسمية للنظام، المدنيين اللذين يصابون بقذاف الهاون والرصاص جميعهم ارهابيين وطبعاً الشاب أبو بري مطلوب من قبل قوات الأمن. “وجد الجيش العيادة عندما اقتحم بابا عمرو في تشرين الثاني الماضي.  دمرها بالكامل ولكن لم يجدوه” تقول ليلى المخبرية. يذكر أبو بري كيف احتجزوا والدته لمدة اسبوعين وعمه لمدة شهر لكي يكتشفوا مكان تواجده. تم إطلاق سراحهم والأن يعملون معه في المستشفى الميداني.

جثة إمرأة اصيبت بإنفجار قنبلة في مستشفى حمص الميداني (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية

يعمل المسعف بمهارة مثيرة للعجب. يقوم بعمليات قسطرة،وتنظيف جروح وإخراج شظايا القذاف والرصاص. في علبة فحص البول يحفظ عشرات الرصاصات التي أخرجها من الجرحى في الأيام الماضية. يقوم بقطب الجروح بخيط للخياطة يحفظه في ظرف محكم الإغلاق. من حوله يقوم المتطوعين بمساعدته باحتراف عالي علماً أن خبرتهم ومعرفتهم  جميعاً جاءت من تجربة الحرب.

تتحسر ليلى “كم نستطيع الصمود في هذا الوضع؟” و يحدد أبو بري “نحن في حاجة للأمصال والمضادات الحيوية والبنج والدم…” ثم يفسر طريقة تأمين إحتياط الدم “عندما تنخفض الهجمات يأتي الجيران للتبرع بالدم. نقوم بتحليل فئة الدم ونسجل إسم المتبرعين وأرقام هواتفهم. عندما ينفذ الاحتياطي نتصل بهم حسب الحاجة فيأتون للتبرع”. عندما يفيض المشفى بالجرحى تقوم الجوامع بالنداء لدعوة الناس للتبرع.

الحاجة أم الاختراع: “مرة لم يكن لدينا قساطر لتصريف الدم فقمنا بقص وتعقيم حبل نرجيلة وبذلك استطعنا الاستمرار لبضعة أيام” تجرى عمليات ثقب القصبات الهوائية والبتر بالسكاكين. بسبب نجاح العمليات يأتي إلي مستشفى أبو بري الميداني الجرحى من أحياء أخرى الذي فأصبح بحكم الحاجة أشهر مشفى في حمص. يذكر أبو بري كيف أن خلال أسوأ الهجمات في شهر رمضان أجرى عملية استغرقت 3 ساعة “اجريت عملية على  إمرأة بطنها مفتوح. بعد أربعة أيام وعند تخفيف الحصار جاء طبيب من حمص للمساعدة إندهش بالعملية”

مستشفى بابا عمرو الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

تقول ليلى: “في أول أشهر القمع، عندما نفذنا من الضمادات استعملنا قطع ثياب” في فترات الهدوء يقومون بالتخزين والتموين. إضطر أبو بري إلى معالجة كل أنواع  الجروح إلا عندما تكون الإصابة في الرأس أو الصدر “عندها لا نستطيع فعل شيء ويجب نقل الجريح إلى المستشفيات  الحكومية” رغم المخاطرة بإمكانية إلقاء القبض عليهم من قبل قوات الأمن التي تسيطر على تلك المستشفيات كما يشتكي الناس ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية.

لا يقوم المستشفى بحفظ الاحصاءت لكن في شهر تشرين الثاني قرر إحصاء عدد الأطفال. يتحسر أبو بري “احصينا أكثر من 100 طفل ميت”. يستعملون ثلاث سيارات خاصة للإسعاف، يقودها تحت القصف سليمان وعمر وعندما تخف الهجمات يزور أبو بري جرحاه في بيوتهم مستعيناً بدراجة نارية.أشرف على خمس عمليات ولادة أربعة منهم ولادة قيصرية اخرها ليلة عيد الميلاد. ” 80 شخصاً قضوا حتفهم تحت يدي حتى الأن.  لكن تذهب أرواح وتأتي أرواح جديدة” يبتسم الطبيب بمرارة “أعمل ما استطيع لكنني أعرف أن كل حياة انقذها انقذها بمعجزة”

بعد يوم واحد على كتابة هذا التقرير، عانت بابا عمرو من أفظع الهجمات منذ بداية الثورة. تكوم الجرحى والقتلى في المستشفى الميداني، لم يتوقف سليمان من احضار المصابين. نصف ساعة بعد احضاره أخر جريح، عاد الى المشفى محمولاً بسبب اصابته بالرصاص  في ساقه. عندما وضعوه على السرير نظر إلي و كأنه يطمئنني بأن جرحه بسيط.

علبة تخزين الأدوية (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

بعد ساعة على اصابته، عاد حسين إلى المساعدة في نقل الجرحى في حي الانشاءت المجاور لحي بابا عمرو. ولكن هذه المرة أصيب في بطنه. لم يستطيع أبو بري فعل شي إلا انعاشه ونقله إلى المشفى الحكومي. “اصابته بالغة، يحتاج إلى عملية صعبة جداً” يقول أبو بري  و قد امتلأت عيناه بالدمع. “من غير المرجح أن يبقى على قيد الحياة”. أخذن الممرضات بالبكاء خفيةً في صالة التمريض. “قبل مغادرته طلب منا أن  لا نبكي. قال أن الموت سنة الحياة وأنه مستعد للموت” تشهق ليلى. توفي بعد ساعة. لم يستطيع مشفى المعجزات من انقاذه.

(سليمان، الممرض المتطوع، على أيسر الصورة يقوم بمساعدة نقل جريح إلى المستشفى الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)