الصحافة الإنسانية

الجزء الخامس من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

يهم محمد الدالوب، وهو  عامل في الثالثة والعشرين من عمره،  بالغناء جاثماً على منصة. يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء.

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” بهذا يفسر الدالوب الدافع لمتابعة المسيرة.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: أمان دوغان

مغني حي بابا عمرو في حمص أثناء مظاهرة (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

جاثماً على منصة، يهم محمد الدالوب،وهو عامل في الثالثة والعشرين من العمر يرتدي قميصاً حمراً، بغناء نشيداً أصبح معروفاً لدى مئات الأشخاص اللذين يشاركون يومياً في مظاهرات بابا عمرو في مدينة حمص السورية. “يالله إرحل يا بشار. ما تفعله سيئ. دع سوريا وشأنها” يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص على قرع طبل محمد درموش، وهو دهان في الثالثة والعشرون من العمر، كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء لأن قوات الأمن تحاول منذ حوالي التسعة شهور اسكات الأصوات المنادية للحرية.

جمع من الشباب في مظاهرة في بابا عمرو،حمص. كانون الأول 2011 (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

عادةً ما تبدأ المظاهرات في سوريا بالموسيقى وتنتهي على وقع الرصاص. في كل حي من أحياء حمص، المدينة المحاصرة منذ 5 شهور، تقام مظاهرات ليلية مناهضة للنظام. لم تعد المظاهرات عفوية كما كانت عند بداية الثورة فكلٌ منها لديها مغنيها الثوريين كالدالوب أو زميله زاكية أحمد، عامل في الثاني والعشرين من عمره، اللذين يقضون ساعات النهار برفقة درموش لتأليف والتمرن على الأغاني الثورية التي سيلقونها في المساء.

يفسر أحمد: “في البداية كانت الفوضى عارمة، وكان الثوار يرددون شعارات دون تنسيق. ولكن تدريجياً بدأنا نبحث عن صاحب أفضل صوت وأقواه لكي تكون أصواتنا حافزاً للناس”. هكذا ولدت فكرة تعين مغنين للمظاهرات، تكون وسيلة بديلة  لهم للقتال من أجل الحرية. و يكمل:”أنا أطالب بحقوقي بالصراخ. أغني للحرية إنتقاماً من جرائم الأسد”.

متظاهرون يغنون ويرقصون في حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” هكذا يفسر الدالوب إستمرار الاحتجاجات رغم القمع. بالنسبة لهؤلاء الشباب، وظائفهم الجديدة، النابعة من حاجات الثورة هي أكثر من مجرد هواية.”قبل الثورة،لاستحالت تلك المقابلة. بل وحتى لقائنا هذا لكان إنتهى بنا في الاعتقال.يمنع علينا النظام أن نقيم الخيم.أما الأن فأصبح من المستحيل أن لا ننزل إلى الشوارع”. و يوضح الدالوب “كيف لنا إن ننسى طعم الحرية بعد أن ذقناه؟” يوافقه درموش الرأي:”نعيش في سجنٍ كبير. وأخيراً تغلبنا على الخوف. الأن نستطيع أن نتكلم بصوتٍ عالٍ، لنثبت اننا بغنى عن بشار، وننشد اكرماً لحماة”

مجزرة حماة في الثمانينات عندما سحق النظام ما سماه بالتمرد الإسلامي و التي وقع ضحيتها ما بين  10.000 و 20.000 حسب التقديرات المختلفة  لم يكن لديها صداً قوياً خارج سوريا بسبب قلة الصحفيين وإنعدام الانترنت والهواتف النقالة. أما بالنسبة للسوريين ما تزال كجرحاً مفتوحاً، ومثالٌ على ما يمكن أن يفعله النظام ليفرض طاعته. والظهور النسبي لما يحصل في سوريا بفضل الشبكات الإجتماعية والسوابق التي خلقتها بقية الثورات العربية يمثلون أكبر دافع للإستمرار حتى الوصول إلى الحرية. لذلك يارون “أن لا عودة إلى الوراء”.

يشكل مغني الأغاني السياسية ظاهرة جديدة نابعة من الثورة وهي اخذة في التطور. فقد نجحو في إنشاء شبكة عبر الفيسبوك  للتواصل  والتنسيق في ما بينهم على طول مساحة سوريا فيتبادلون المعلومات عن المظاهرات ويتفقون على الشعارات وعلى كلمات الأغاني.

منزل مدمر جراء القصف على حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

كما هي الحال في بقية حمص، يعاني هؤلاء الشبان الثلاث من عواقب وخيمة بسبب مشاركتهم في الثورة: هجوم بسلاح ار بي جي على منزل محمد أدى إلى حرق يداه ومقتل صديق له. أما محمد درموش فاعتقلت قوات أمن الأسد شقيقه.”أصابوه في ساقه واعتقلوه. وقالوا لنا أنهم لن يتلقوا سراحه إلى أن أسلم نفسي. اعطاهم الجواسيس إسمي، مع أنهم يستطيعون التعرف علي من خلال أفلام الفيديو. وكلنا محامي، ولكن كل ما إستطاع فعله هو أن يزوره. ومن خلاله أوصاني أخي “لا تتوقف عن التظاهر والنزول إلى الشوارع، لا تقلق، سأكون بخير”

يؤكد زكيه أحمد إبن الثانية والعشرون ربيعاً “حتى الذين لا يشاركون في المظاهرات يموتون في بيوتهم.أفضل الموت وأنا أطالب بحقوقي على أن أموت صامتاً” المخاطرة كبيرة فوجوه الشبان الثلاث أصبحت معروفة لانتشار التسجيلات على صفحات الانترنت منذ أشهر.

يضيف درموش “لو اعتقلوني لقطعوا رأسي” يختلف معه الدالوب “بل يقتلعون حناجرنا”  مذكراً بحالة ابراهيم القاشوش الشهيرة. وهو من كان يحمس المتظاهرين في حماة إلى أن تم إلقاء القبض عليه وإستئصال حباله الصوتية. وحالة خالد إكرهيد مشابهة إلا أنه كان من حي باب هود في قلب مدينة حمص. اعتقلوه وعذبوه “أعادوه إلى عائلته جثةً صعب التعرف عليها من كثرة التشويه”.

كل ذلك لم يردعهم من المتابعة في تحميس المتظاهرين بأصواتهم وقرع طبولهم. كما يقول محمد الدالوب “عندما ترى الجرائم التي يرتكبها النظام، لا تستطيع أن تبقى مكتوف اليدين متحسراً. عليك عمل كل ما تستطيع لإيقافه. وعندما لا تستطيع فعل

شيء بيديك،إستعمل  لسانك لتندد، وإن لم تستطيع فاستعمل قلبك. نحن نغني من قلبنا: يا بشار ما تفعله خاطئاً، إرحل ودع سوريا بشأنها”.

طفلة من حمص في مظاهرة. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية

Deja un comentario

En periodismohumano queremos que los comentarios enriquezcan el debate o la noticia. Por eso hay unas normas de decoro a la hora de comentar. Comenta sobre contenido que acabas de leer y evita el abuso de mayúsculas. Si tu texto tiene varios enlaces, puede que tarde un rato en aparecer. Los comentarios son libres y abiertos pero eliminaremos toda referencia que consideremos insultante o irrespetuosa