الصحافة الإنسانية

الجزء الرابع من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

المصدر الوحيد للصور من سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطن حتى تستعمل في انترنت ونشرها إلى كل العالم.

مواطنين مثل بلال حسين, عيد أبو صالح وغيرهم كثيرون تعلموا بأنه بدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. هذه هي قصتهم .

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

أحد المواطنين يقوم بتصوير القصف على منازل الأهالي في مدينة حمص. (صورة من يوتوب)

الصور التي افتتحت بها قناة الجزيرة أخبارها مساء الاثنين الماضي كانت مريعة بشكل صريح. عدة من الأهالي راقدين في الشارع الضيق لباب عمرو الذي قصف حديثا من قبل المدرعات. كلهم أموات, واحد منهم رأسه مفتوح, آخر فارق الحياة قابع بجانب الجدار, و واحد ممددا في الشارع وحوله بركة كبيرة من الدم, فيما بعد مشاهد المدرعات وهي تقصف المدينة, يعطينا فكرة واضحة عن أبعاد هذا الإعتداء, بعدها بلحظات مشاهد عن المستشفى الميداني في حمص والذي أخمد همة المشاهدين العرب.

YouTube Preview Image

صاحبة هذا الريبورتاج الصحفية مونيكا بريتو مراسلة الصحافة الإنسانية برفقة أحد المواطنين في حمص يتجنبون طلقات جيش الأسد عندما كانوا يحاولون عبور الشارع والذي كان يطاردهم بنار من قبل القناصة والجنود. هذا الفيديو صور خلال عيد الميلاد 2011 من قبل إحدى كاميرات المواطنين.

في المكاتب الذي يعيش فيها الصحفيون المواطنون في باب عمرو حيث يشاهد بإنتباه الأخبار العالمية وليس فقط للحصول على معلومات بل ليتعلموا من أخطائهم. “أحسنت يا بلال”, هذا كان التعليق على أول فيديو بينما كان صاحبه قبل ساعتين مصدوم لرؤية المجزرة, أما الآن فيشاهدها ببرودة الجراح. “لاحظ عيد مشاهدك للمدرعة” وعيد الذي لا يزال يتألم من قدميه من جراء جريه طوال اليوم ليلتقط الصور التي تبين قمع الجيش السوري ضد الحي الذي يسكن فيه ويبتسم عندما يتعرف على صوته من خلال الفيديو. حسين قضى كل اليوم في المستشفى لكنه يرى معوضة ساعات من التصوير مقابل ثواني من عرضها في الأخبار, وكما يحصل مع أبو صالح الوجه المعروف لباب عمرو وهو المواطن الوحيد الذي إختار اظهار وجه من أجل أن تحظى القنوات العربية لمراسل فوق الأرض مباشرة.

YouTube Preview Image

المدرعات تطلق النار في حي باب عمرو, حمص, 26 ديسمنر 2011 (فيديو محمل على اليوتوب من قبل SyrianSolidarity)

المصدر الوحيد للصور في سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطنين لتغذية وسائل الإعلام الدولية. هؤلاء المواطنون الذين اختاروا توثيق الثورة مستعملين انترنت لنشرها إلى كل العالم. عندما منعت دمشق وسائل الإعلام والصحفيين من دخول البلد لم يكونوا يتخيلوا أن خيال النشطاء سوف يعوض عمل الصحفيين. مواطنين مثل بلال, حسين, عيد أبو صالح, وغيرهم كثيرون تعلموا في الحال أنه بدون مخبرين لن يراهم أحد, وبدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. “لقد حدث لنا هذا في ثورة حماة عام 1982″, يشرح عيد. “لم يكن هناك صحفيين والناس لم تكن تملك آلة تصوير أو كاميرا ولا انترنت, فلم يعلم أحد بما جرى إلا بعد عدة شهور, ولهذا نعتبر أن الصور والفيديو هو السلاح القوي ضد بشار الأسد.”

YouTube Preview Image

قصف في باب عمرو يوم اليوم الثاني من عيد الميلاد . 26 ديسمبر 2011 (من قبل MsHotspeed)

عيد يؤكد أنه في بداية الثورة كان عليه أن يختار بين شراء سلاح أو فيديو كاميرا, فاختار الثاني. لم يصور في حياته أحدا سوى في المناسبات العائلية وبواسطة الهاتف المحمول, لكنه اجتهد في التعلم الذاتي والفضل يرجع إلى الانترنت بالإضافة إلى الصحفيون القلائل ومهنيون في التلفزيون الذين مرروا في باب عمرو, هم علموني أيضا بالإضافة إلى الجهد الذي كنت أضعه لأتعلم منهم. الآن تعلمت تصويرعدة لقطات من كل حدث والتحلي بالصبر حتى العثورعلى أحسن لقطة”.

في البداية لم يكونوا أكثرا من خمسة جيران الذين استعملوا كاميراتهم لهذا الغرض لكن بدأ عددهم يتزايد حتى وصلوا الآن إلى 12 صحفي مدني في هذا الحي. أناس ملتزمون في الثورة التي تحتاج إلى شيء أكثر من التظاهر. كل حي في كل مدينة ثائرة لها طاقمها الخاص من الصحفيين الأهليين الذين كرسوا حياتهم لإيجاد دلائل تثبت القمع الذي يمارسه النطام.

YouTube Preview Image

وصول امرأة جريحة بشكل خطير إلى المستشفى السري في باب عمرو, حمص. 22 ديسمبر 2011 (من قبل Live 19820)

“في منزلي كانوا يتكلمون عن اسقاط الديكتاتورية منذ أن كنت طفلا”, يشرح لنا بلال. “ولهذا استلزمت الخروج في المظاهرات منذ أن بدأت. في البداية كنت أنقذ الجرحى الذين تلقوا طلقات رصاصية من طرف النظام. لكنني كنت أرغب عمل أكثر من ذلك وكنت أفكر دائما أن العالم يجب أن يكون على اطلاع بما يجري. حينئذ التقيت مع عيد وأعطاني كاميرا سوني. هذه الكاميرا التي تحولت إلى رفيقتي الدائمة. لا أتركها ولا للحظة مكرسا حياتي لوضع الثورة السورية في القنوات العربية.”

ومنذ ذلك الحين يعيش بلال مع عشرة ناشطين / صحفيين في المعسكر العام داخل باب عمرو. عدة غرف حيث يوجد شاحنين البطاريات, الهواتف المحمولة مفتوحة دائما, عشرات من الحواسيب تتزاحم المكان مع منافض السجائر المليئة باعقابها وكاسات الشاي المنتشرة في كل مكان مع القهوة العربية.

YouTube Preview Image

القصف في العيد . بعض النساء و الأطفال يصرخون خلال سماعهم سقوط الصواريخ على الحي. 24 ديسمبر 2011 (من قبل 999mahony)

هذه المنظمة تذكرنا بوكالة أنباء. عيد يوزع كل يوم أصدقائه المصويرين الأهليين على المناطق مبتدأ بنفسه تاركا أخطر مهمة له بالذات, ويترك خمسة من أعضاء المجموعة مسؤولية الإتصال مع وسائل الاعلام العربية والعالمية لنشر كل المعلومات عن الوضع العام واحصائيات الشهداء والجرحى, يستعملون الهواتف المحمولة من أجل تنظيم حركتهم حسب تطور الأحداث.

بلال مثل الآخرين يستطيع التقاط خمسة إلى سبعة فيديو في اليوم, عيد علمني كل ما أعرف والباقي تعلمته من التجربة اليومية. لقد تعلمت عدم اقترابي كثيرا من الهدف ولقد كلفني كثيرا فهم أنني لا أستطيع عرض مشاهد قاسية جدا ومن الأفضل عرض عواطف وهذا شيء صعب في مكان مثل سورية حيث الأهالي يرفضون التصوير لخوفهم من التعرف عليهم وبالتالي القبض عليهم من قبل النظام ومن هنا جاء تخصص الصحفيين الأهليين في حمص إلى البحث عن منظر عام لكاميراتهم وبدون تمييز ملامح الوجوه.

YouTube Preview Image

امرأة تبكي وهي تداعب وجه زوجها الشهيد. (من قبل SyrianDaysofRage)

إذا كان لأحد الصحفيين حماية عبر الكاميرات مقابل الحقيقة التي يواجهونها, لكن هؤلاء الصحفيين الموطنين لا يضيف عليهم أية حماية على العكس تماما “لو وجدوني مع الكاميرا لقطعوني قطعا صغيرة ويعملون سلطة مع الباقي”, يقول بلال وهو يضحك بصوت عالي. “هذه الكاميرا تجعلني موضع المطلوبين من النظام لأن النظام يعتقد أنها سلاح تهديم شامل”.

عدة كاميرات يصورون مظاهرة من شرفة في حمص, سورية. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

زميل له يتذكر كيف أنه في الهجمات الأولى للجيش في شوارع باب عمرو حجز الجنود على الكاميرات التي وجدوها.”امتلاك كاميرا أو بخاخ دهان ممنوع في حمص وهي جريمة امتلاك هذه الأشياء”, يقول لنا ذلك وهو يداعب كاميراته الحمراء.

YouTube Preview Image

باسل السيد يصور لحظة موته. 28 ديسمبر 2011 (من قبل syriapioneer)

وأن الخطر الذي يتعرضون إليه هو محتم. إن آخر العيون الثورية التي أغمضت بعيار ناري كان لباسل السيد, واحد من المصويرين في مجموعة عيد, كان يصور الثلاثاء الماضي في احدى نقاط التفتيش في مدخل باب عمرو عندما أطلق عليه القناص النار في رأسه.

باسل السيد

هذا اليوم كانت الهمة منخفضة جدا في مكتب الناشطون, لكن ولا واحد منهم شك ولو للحظة وضع كاميراته في جيبه والخروج مثل كل يوم إلى التصوير.

باسل السيد لم يكن الضحية الأولى التي عانت منها مجموعة المواطنين الصحفيين الاخوية والتي انبثقت في جميع سورية. عبد العزيزالنجار تلقى طلقة نارية في رأسه عندما كان يصور جنود سوريين معتليا أكتاف عيد وبمعجزة إلاهية بقي حيا وهو الآن يتلقى العلاج خارج سورية وهو في تحسن مستمر من جراحه الخطيرة. وأفضل صديق له إسمه أبو صلاح, عمره 26 سنة, منذ شهر تقريبا قرر الانضمام إليهم ليسجل بواسطة كاميراته جميع ما يجري من الحوادث واعطاء وجها واضحا للثورة.

المخبر المواطن أبو صلاح في مكتبه السري في حمص. دسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

اليوم وجهه صار معروفا في العربية, الجزيرة, وفي قنوات كبيرة عربية أخرى ينقل لهم من البيوت المهدمة بمدافع النظام, من الجوامع, حفلات تأبين الشهداء من المظاهرات يحمل معه دائما الكاميرا ومسلح بهاتف محمول فضائي, يعمل في نفس الوقت كصحفي حرب عن قناعة. “كنت من الأوائل الذين بدأوا بتصوير فيديو لأنني كنت أريد توعية الناس واطلاعهم على ما يجري في سورية. بدأت التصوير بهاتف محمول عندما كانوا كلهم خائفين حتى استطعت الحصول على كاميرا. الآن قررت تغيير العمل, يجب علينا تحمل مسوؤلية عرض ما يجري إلى الوسائل الإعلامية الأجنبية.

YouTube Preview Image

يوم عيد الميلاد. دبابات جيش الأسد يطلقون النار على حي باب عمرو. 25 ديسمبر 2011. (من قبل SyrianOgerm)

أبو صلاح نجى من الموت أربعة مرات.”مرتين اطلقوا علي النارعندما كنت أصور, ومرة ثالثة حاصروا البيت في حي الإنشاءات الذي كنت أقيم فيه ومرة أخرى هاجموا منزلي والسبب أنهم اكتشفوا موضعي عبر الفيديو الذي كنت أصوره”, يشرح لنا هذا قاصدا المخابرات السورية.”لقد فات الأوان, فهم يعرفون من أنا وإذا وجدوني أعلم أنها ستكون النهاية, لكن الثمن الذي يدفعه جيراني مرتفع جدا ويجب أن أكون على مستوى تضحياتهم”.

وهذا كان السبب الذي جعله يقرر الظهور ووضع وجه واضح للثورة. الآن كل سورية تعرفه كما أن كل البلد تعرف اسم محمد فرزال الجدبان, مصور أهلي من القصيرالذي اقتلعت قوات الأمن عينيه كرسالة مباشرة “يعذبون كل رجل يشارك في الثورة, لا أحد في مأمن في سورية“.

YouTube Preview Image

نخبة من أعمال المصورين  في باب عمرو حتى نوفمبر 2011

يوجد كثيرون بين الجرحى من المصورين وكثيرون قتلهم النظام لأنهم نشروا في انترنت الجرائم الذي يرتكبها الدكتاتورية, والغزل مع الموت دائم وليس دائما لبحثهم عن مقاطع لحوادث القمع والتعدي العسكري من قبل نظام بشار الأسد. يوم الإثنين بعد الظهر في إحدى عمليات القصف الشنيع ضد باب عمرو وقعت قذيفة فوق البيت المجاور للمنزل الذي يستعمله النشطاء, اهتزالبناء بشكل عنيف عندما كانوا معظمهم يحملون أشرطة الفيديو على انترنت في غرفة من الداخل وهي الأكثر حماية: الإنفجار صم الآذان وبشكل تقليدي أفرغت الصالة في الحال وعندما كانوا في المدخل بدأ عيد تنظيمهم. “هلموا أريد واحد في البيت المقذوف وأخر في الشارع, نحن بحاجة لتصوير أثار القذف من الخارج أيضا, ماذا تنتظرون؟

YouTube Preview Image

اليوم الثاني من أيام عيد الميلاد عدة مواطنين يرقدون في الشارع بعد قصف الجيش في باب عمرو (من قبل syrianOgerm)

والشيء الوحيد الذي يرونه صعبا هو الحفاظ على الهدوء والدم البارد أمام موت الجيران والأصدقاء. “البارحة تركت التصوير مجبرا”, يشرح لنا بلال “ففي القصف المدفعي على الحي وقعت خمسة ضحايا أربعة منهم أطفال في بيت من باب عمرو. “كانوا أولاد عمي“, لكن هذا لا يدعهم التخلي عن مرادهم. يخططون تحسين أجهزتهم. كاميرات التصوير , وبشكل دائم يعملون على تحديث المحافل في الشبكات الاجتماعية حيث يعلقون هناك التسجيلات التي يصورونها وبهذا يحافظون على إعلام الجميع.”بدون الكاميرات لم نكن نصل إلى ما نحن عليه الآن”, يقول عيد باقتناع.

مواطنين في حمص يعبرون الشارع تحت القصف الشديد من قبل جيش الأسد. ديسمبر 2011

“إن هدفنا هو أن يرى كل العالم ما يحصل في سورية بحيث أن لا يستطيع اغلاق عينيه وبحاجة ملحة أن يراه. نحن نشعر بالوحدة في هذه المعركة”, يقول متأسفا عمر شاكر وهو ناشط آخر مكلف بنقل الأحداث باللغة الإنكليزية إلى وسائل الإعلام الأجنبية وعن ما يحصل في الحي.” لم نكن نستطيع القضاء على بشار لولا كاميراتنا “,يلخص لنا عيد.

Deja un comentario

En periodismohumano queremos que los comentarios enriquezcan el debate o la noticia. Por eso hay unas normas de decoro a la hora de comentar. Comenta sobre contenido que acabas de leer y evita el abuso de mayúsculas. Si tu texto tiene varios enlaces, puede que tarde un rato en aparecer. Los comentarios son libres y abiertos pero eliminaremos toda referencia que consideremos insultante o irrespetuosa