الصحافة الإنسانية

“مشفى المعجزات”

الجزء الثالث من سلسلة “تقارير من سورية” التي اجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

غرفة مهلهلة تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش و مشرحة مشفى حي بابا عمرو الميداني في مدينة حمص المحاصرة.

“مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

مونيكا بريتو (حمص, سورية)

ترجمة: أمان دوغان

أثار دماء عدد من المواطنين في حمص اللذين اصيبوا جراء قصف جيش نظام الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

يعمل أبو بري بكد لعلاج مصابة بالرصاص والكوفية ملفوفة حول جبينه كي لا يعيق العرق عمله. يقوم بعملية قسطرة لتنظيف الاصابة بينما تصدح صرخات الجريحة في ارجاء الغرفة المهلهلة التي تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش وحتى مشرحة مشفى بابا عمرو الميداني وهو حي من أحياء حمص ويعاني كباقي أحياء المدينة من أشهر من الحصار العسكري وإطلاق النار العشوائي من قبل القناصة كتلك الطلقة التي تمزق الجريحة ألماً وبكاء.

“أرجوكم لا تصورونني، سيقتلوني!” رددت المرأة الجريحة عند رؤية الكاميرا بينما تتلقى العلاج الطبي العاجل وهي ممسكة بيد أحد أقاربها الذي وقف يراقب الوضع بلا حول ولا قوة. بجانب الفرشة الملقاة على الأرض، تقوم ليلى بالترجمة بينما تحضر البنج الموضعي الذي تحقنه بسرعة في ساق الجريحة، وتهمس: ”مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

في تلك الأثناء يجاهد سليمان بإخراج جريح أخر من شاحنة صغيرة تلطخ داخلها بالدماء. يضع ضمادات ضاغطة لوقف النزف ويبحث في الجوارير عن العلاج المناسب. ليس ممرضاً، إنه إبن عم أبو بري وإبن أبو سليمان وهو رجل قوي البنية مسؤول عن غسل وتحنيط الجثث.

سليمان جندي منشق قرر إلقاء سلاحه في بداية الثورة ليتفرغ إلى إنقاذ الأرواح بدلاً من حصادها بإسم الدكتاتورية. بل وهو أيضاً جزء لا غنى عنه في عمليات إنقاذ الجرحى والمساعدة الطبية، في تنظيف الدماء وفي أي عمل قد يحتاج  إليه المشفى.

رجل مصاب يتم حمله إلى المستشفى الميداني في حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

ليلى هي أيضا ليست بممرضة، ولكن تعمل في مختبر. أبو بري هو الطبيب الوحيد الذي يعنى بجرحى الحرب في الحي حيث يقطن ٢٨٠٠٠ نسمة رغم أنه لم يدرس الطب يوماً. قبل الثورة كان مجرد عامل بناء يقوم بتثبيت الأرضيات والسجاد، ولكن عندما بدأت المظاهرات شارك فيها إلى أن قرر أن يعمل بطريقة أكثر فاعلية فتحدث مع صديق طبيب.

“طلبت منه أن يسمح لي مرافقته لمدة أسبوع في غرفة العمليات لعلاج الإصابات…هو وتجربة الحرب علماني كل ما أعرفه” يقول أبو بري بينما يحضرجبس مرتجل على طاولة من خشب ليثبت عليها ساق المريضة. يخشى أن تكون مكسورة لكنه لا يستطيع التأكد في غياب جهاز ألتصوير الشعاعي  ”الأن أنا مسؤول عن كل شيء. وصلنا بالأمس مئة جريح جراء القصف. لكن الله معنا. هذا هو الشيء الوحيد الذي يفسر أنه لم يمت إلا عشرة مصابين في تلك الغرف” يقول في إشارة إلى نهار السبت الفائت حين قصفت بابا عمرو بالقذائف الثقيلة.

منزل مدمر جراء قصف جيش الأسد على حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

بالإضافة إلى عدة مدنيين متطوعين، ليلى، سليمان، أبو سليمان، وأبو بري هم الوحيدين الذين يشرفون على المشفى الميداني في بابا عمرو، وهو أكبر مشفى ميداني في حمص. لا تفرغ غرفه أبداً. يقوم الجيران والأصدقاء بالعمل معا في جميع أنواع المهام: من إعداد الحقن، وتعليق اللواصق الطبية للجروح لتكون جاهزة دوماً.

في الغرفتين الأخرتين المتبقيتين في المشفى الميداني المرتجل يكمن الجرحى الذين تم انعاشهم وإستقر وضعهم الصحي. حينما يصبح من الممكن نقلهم، يقوم سليمان وعمر بذلك في سيارتهم إلى بيوتهم تحت القصف. امتلأ حوض الحمام باكياس المصل وتحول المخزن إلى صيدلية. وبحسب تقديرهم لكانت انتهت المؤن والأدوية في مهلة ثلاثة أيام بسبب الحصار الذي إبتداء نهار الخميس  لولا وصول بعثة المراقبين العرب  وتخفيف الحصار والسماح بدخول الإمدادات ولو سراً.

الدكتور أبو بري على الأرض يقوم بمعالجة إثنين من المدنيين المصابين بجروح خطرة من جراء شظايا قذيفة اطلقها جيش الأسد في حمص، سورية. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

المعجزة وحدها تستطيع تفسير ما يحدث في تلك الغرف. يوضح أبو بري “لم ننم منذ ثلاثة أيام، ولا نأكل إلا عندما يتثنى لنا”  ننام ونأكل في نفس الصالة حيث يرقد جريحان هما وحتى لحظة كتابة هذا التقرير: إمرأة أجرى لها هذا الرجال الذي اجبرته الظروف على أن يكون طبيباً عملية ثقب القصبة الهوائية ورجل فتح بطنه بشظايا وامتلأت ساقه بالمسامير من قنبلة مسمارية اصابته: وتلك القنابل محرمة دولياً فهي عندما تنفجر تطلق المسامير في كل ألإتجاهات مما يسبب بسقوط العديد من الضحايا وأثارها الصحية بالغة الخطورة.

في غمرة الحديث وصل العديد من الجرحى إلى غرفة الطوارئ: رجل إحترق وجهه ويده في إنفجار، أخر أصيب بطلق في ساقه وثالث أصابه قناص في كتفه و خرجت الطلقة من خصره، امرأتين مع أطفالهن في الرابعة والسادسة من العمر، اصيبا جراء قصف طال منطقة ريفية يقطنون فيها، إمرأة مسنة اصيبت في المنطقة ذاتها، رأت ابنها يموت في نفس الهجوم.

هذا لا شيء مقارنة باليوم السابق، عندما استخدمت قذائف الهاون و كثف القناصة هجومهم على المدنيين في حمص. تقول ليلى “من إجمالي الجرحى اللذين احضروا إلينا 15 كانو اطفالا و الكثير من النساء، مات منهن اثنتين” وتكمل “أصبنا بالصدمة عند رؤية الوضع، لم نستطيع تغطية كل الحاجات. بسبب قلة الأماكن اضطررنا إلى وضع الجرحى على الأرض، فلم يكن لدينا فسحة كافية  للعمل”. في نهار اليوم التالي، الأثنين الماضي، عادوا ليعيشوا نفس التجربة: توفي 23 شخصاً بسبب إطلاق النار والقصف، وتجاوز عدد الجرحى المئة جريح.

رجل مصاب في حمص أصيب بطلق بسبب قصف جيش الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

قبل بضعة أيام حضر إلى المشفى للمساعدة صيدلي من الحي يقوم بدور الطبيب خشية أن تكون الإصابات كثيرة وبالغة بسبب شدة القصف. “كان إسمه محمد العوض. إستغل وقف إطلاق النار لإيصال الدواء إلى عائلة كانت قد نقلت قبل ساعات قليلة. عند خروجه من منزله أصابه قناص في صدره. حاول صديقه إستعادة جثته لكنه لم يستطع بسبب كثرة إطلاق النار. قضى نصف ساعة ملقى على الطريق إلى أن استطاعو انتشاله” تفسر ليلى بينما كانت متطوعة تعمل في المشفى تريني على هاتفها النقال شريط مسجل عن جثة العوض في المشرحة الواقعة في ممر المشفى و اغرورقت عيونها بالدمع.

في نهار السبت لم يتوقف وصول المصابين بين الساعة السابعة مساءً والعاشرة مساءً. نهار الإثنين كان أسوأ حيث كان أرض المشفى ملطخ بالدماء كل النهار. لم تكن تلك المرة الأولى التي يمر أبو بري بهكذا تجربة: في اواخر شهر تشرين الثاني الماضي وصل أكثر من 70 جريح. يقول:”كلما هدأت وتيرة وصول الضحايا، كنت اذهب إلى المسجد المجابه للمشفى للصلاة. كنت أدخل و أنا حامل حذائي الملطخ بالدم تحت إبطي في حال وصول سيارة مع جرحى جدد”.

يسكن أبو بري في المستشفى منذ حوالي الشهرين. قبل ذلك كان يتلقى الجرحى في منزله. “لمدة ثلاثة أشهر وقبل إنشاء هذا المركز في تشرين الأول الماضي، كانت عائلتي تساعدني في التمريض. كنت أحضر الجرحى إلى منزلي وبعد الانعاشات الأولية كانت عائلتي تقوم بالإهتمام والرعاية بهم باطعامهم وتنظيفهم و إلى ما هناك…قمنا بشفاء ما لا يقل عن 2000 جريح” من هنا اكتسبوا جميعاً هو وعمه وأبناء عمه الخبرة في شفاء الجرحى.

وفقاً للدعاية الرسمية للنظام، المدنيين اللذين يصابون بقذاف الهاون والرصاص جميعهم ارهابيين وطبعاً الشاب أبو بري مطلوب من قبل قوات الأمن. “وجد الجيش العيادة عندما اقتحم بابا عمرو في تشرين الثاني الماضي.  دمرها بالكامل ولكن لم يجدوه” تقول ليلى المخبرية. يذكر أبو بري كيف احتجزوا والدته لمدة اسبوعين وعمه لمدة شهر لكي يكتشفوا مكان تواجده. تم إطلاق سراحهم والأن يعملون معه في المستشفى الميداني.

جثة إمرأة اصيبت بإنفجار قنبلة في مستشفى حمص الميداني (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية

يعمل المسعف بمهارة مثيرة للعجب. يقوم بعمليات قسطرة،وتنظيف جروح وإخراج شظايا القذاف والرصاص. في علبة فحص البول يحفظ عشرات الرصاصات التي أخرجها من الجرحى في الأيام الماضية. يقوم بقطب الجروح بخيط للخياطة يحفظه في ظرف محكم الإغلاق. من حوله يقوم المتطوعين بمساعدته باحتراف عالي علماً أن خبرتهم ومعرفتهم  جميعاً جاءت من تجربة الحرب.

تتحسر ليلى “كم نستطيع الصمود في هذا الوضع؟” و يحدد أبو بري “نحن في حاجة للأمصال والمضادات الحيوية والبنج والدم…” ثم يفسر طريقة تأمين إحتياط الدم “عندما تنخفض الهجمات يأتي الجيران للتبرع بالدم. نقوم بتحليل فئة الدم ونسجل إسم المتبرعين وأرقام هواتفهم. عندما ينفذ الاحتياطي نتصل بهم حسب الحاجة فيأتون للتبرع”. عندما يفيض المشفى بالجرحى تقوم الجوامع بالنداء لدعوة الناس للتبرع.

الحاجة أم الاختراع: “مرة لم يكن لدينا قساطر لتصريف الدم فقمنا بقص وتعقيم حبل نرجيلة وبذلك استطعنا الاستمرار لبضعة أيام” تجرى عمليات ثقب القصبات الهوائية والبتر بالسكاكين. بسبب نجاح العمليات يأتي إلي مستشفى أبو بري الميداني الجرحى من أحياء أخرى الذي فأصبح بحكم الحاجة أشهر مشفى في حمص. يذكر أبو بري كيف أن خلال أسوأ الهجمات في شهر رمضان أجرى عملية استغرقت 3 ساعة “اجريت عملية على  إمرأة بطنها مفتوح. بعد أربعة أيام وعند تخفيف الحصار جاء طبيب من حمص للمساعدة إندهش بالعملية”

مستشفى بابا عمرو الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

تقول ليلى: “في أول أشهر القمع، عندما نفذنا من الضمادات استعملنا قطع ثياب” في فترات الهدوء يقومون بالتخزين والتموين. إضطر أبو بري إلى معالجة كل أنواع  الجروح إلا عندما تكون الإصابة في الرأس أو الصدر “عندها لا نستطيع فعل شيء ويجب نقل الجريح إلى المستشفيات  الحكومية” رغم المخاطرة بإمكانية إلقاء القبض عليهم من قبل قوات الأمن التي تسيطر على تلك المستشفيات كما يشتكي الناس ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية.

لا يقوم المستشفى بحفظ الاحصاءت لكن في شهر تشرين الثاني قرر إحصاء عدد الأطفال. يتحسر أبو بري “احصينا أكثر من 100 طفل ميت”. يستعملون ثلاث سيارات خاصة للإسعاف، يقودها تحت القصف سليمان وعمر وعندما تخف الهجمات يزور أبو بري جرحاه في بيوتهم مستعيناً بدراجة نارية.أشرف على خمس عمليات ولادة أربعة منهم ولادة قيصرية اخرها ليلة عيد الميلاد. ” 80 شخصاً قضوا حتفهم تحت يدي حتى الأن.  لكن تذهب أرواح وتأتي أرواح جديدة” يبتسم الطبيب بمرارة “أعمل ما استطيع لكنني أعرف أن كل حياة انقذها انقذها بمعجزة”

بعد يوم واحد على كتابة هذا التقرير، عانت بابا عمرو من أفظع الهجمات منذ بداية الثورة. تكوم الجرحى والقتلى في المستشفى الميداني، لم يتوقف سليمان من احضار المصابين. نصف ساعة بعد احضاره أخر جريح، عاد الى المشفى محمولاً بسبب اصابته بالرصاص  في ساقه. عندما وضعوه على السرير نظر إلي و كأنه يطمئنني بأن جرحه بسيط.

علبة تخزين الأدوية (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

بعد ساعة على اصابته، عاد حسين إلى المساعدة في نقل الجرحى في حي الانشاءت المجاور لحي بابا عمرو. ولكن هذه المرة أصيب في بطنه. لم يستطيع أبو بري فعل شي إلا انعاشه ونقله إلى المشفى الحكومي. “اصابته بالغة، يحتاج إلى عملية صعبة جداً” يقول أبو بري  و قد امتلأت عيناه بالدمع. “من غير المرجح أن يبقى على قيد الحياة”. أخذن الممرضات بالبكاء خفيةً في صالة التمريض. “قبل مغادرته طلب منا أن  لا نبكي. قال أن الموت سنة الحياة وأنه مستعد للموت” تشهق ليلى. توفي بعد ساعة. لم يستطيع مشفى المعجزات من انقاذه.

(سليمان، الممرض المتطوع، على أيسر الصورة يقوم بمساعدة نقل جريح إلى المستشفى الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

(2) Comentarios

  1. [...] المدينة, يعطينا فكرة واضحة عن أبعاد هذا الإعتداء, بعدها بلحظات مشاهد عن المستشفى الميداني في حمص والذي أخمد همة المشاهدين [...]

  2. [...] المدينة, يعطينا فكرة واضحة عن أبعاد هذا الإعتداء, بعدها بلحظات مشاهد عن المستشفى الميداني في حمص والذي أخمد همة المشاهدين العرب. [...]

Deja un comentario

En periodismohumano queremos que los comentarios enriquezcan el debate o la noticia. Por eso hay unas normas de decoro a la hora de comentar. Comenta sobre contenido que acabas de leer y evita el abuso de mayúsculas. Si tu texto tiene varios enlaces, puede que tarde un rato en aparecer. Los comentarios son libres y abiertos pero eliminaremos toda referencia que consideremos insultante o irrespetuosa