الصحافة الإنسانية

الفصل الثاني من “مقالات سوريا” اجرت بشكل سري في هذه الأيام من أعياد الميلاد  من قبل مراسلتنا مونيكا بريتو  في مدينة حمص المحاصرة . قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

حمص / ضربات على الطبل وبشكل متوازن ترسم الطابع الإيقاعي للمظاهرات. شابا, 23 سنة, كان عاملا قبل انتفاضة الثورة, يهتف بالأغاني و يردد المشاركون وراءه. “يا للعار, أن يبقى بشار رئيسا وهو في الحقيقة مجرما”.” يلا ارحل يا بشار”, يأتي الجواب بأصوات مرتفعة من الحشد. بين صراخ وجوقات, صوت رجل ينبثق عبر مكبر للصوت, قائلا: ” فوق كل الأحوال, لا تقتربوا من أماكن التفتيش الحكومية, فهم يطلقون النار للقتل, ولذلك نكرره ألف مرة: لا تقتربوا منهم”.عبثا تلك النصيحة:لأن أهالي حمص تعلموا الابتعاد عن هذه الأماكن قدر الإمكان وعن الشوارع العريضة حيث أن القناصة المتمركزة هناك يطلقون النار عشوائيا على كل من يتحرك.

قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص. كل أيام الجمعة آلاف من الأشخاص يخرجون إلى الشوارع:و بقية الأيام, مئات منهم يتجمعون في أحيائهم, المعزولة واحد عن الآخر بمراكز عسكرية, من أجل إطلاق الشعارات ضد نظام بشار الأسد ورفع لافتات تطالب المجتمع الدولي من أجل الحماية.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“حرية لإخوتنا وابنائنا الذين يقبعون في السجون”.”أوقفوا هذه المجزرة”.”أين هي الجامعة العربية”. “لا شيعة لا علوية لا سنية: كلنا سوريين”. هتافات صامتة في ثورة يشكك بعضهم في شرعيتها متأثرين بالدعايات الكاذبة التي تنعت بالإرهابيين. هذا الشعب المدني والذي وحد شمله هدف واحد وهو الحرية بدون اعتبارات تميز الطبقات الإجتماعية, أو أعمارهم أو ديانتهم. شعب قرر الوصول إلى النهاية, لأن كل جريمة يرتكبها النظام تعطيهم قوة جديدة.

لا نرى سلاح في المظاهرات, إلا اذا كان احد يريد اعتبار مكبرات الصوت التي تديرهم وترشدهم كسلاح. ولا يوجد أيضا الإرهابيين المفترضين الذي يقول بشار الأسد أنه يحابرهم, فقط رجال و نساء, مراهقين وأطفال, الموجودين في الاحتجاجات والذين عقدوا العزم والإرادة على أن يسمع صوتهم عما يحدث في سورية.

YouTube Preview Image

مظاهرة في حمص, 2011 (live19820)

“في أوروبا قوات الأمن موجودة لحماية المواطنيين, بينما هنا موجودون فقط لحماية النظام المجرم”, يقول هذا طالب شاب يدرس علم اللغات, عرف نفسه فقط باسم بلال في احدى المسيرات التي عملوها قبل قليل من الهجوم الدموي على حمص في حي الإنشاءات.”لكن عملهم الاجرامي يزيدنا شجاعة” لو توقفنا لقتلونا واعتقلونا من نفس بيوتنا, هذه الحكومة أصيبت بالجنون”, يضيف أحد الجامعيين الذي كان إلى جانبه و كلاهما مثل الكثيرون الذين سألناهم يطلبون من المجتمع الدولي حظرا جويا يمنع القوات المسلحة السورية الهجوم على المتظاهرين.

منازل مهدمة في حمص. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إن رئيسنا رديء وبدون دماغ”, تقول إحدى المشاركات في الاحتجاجات تبلغ ما يقارب 50 سنة تجيد اللغة الإنكليزية بطلاقة وهي لا تزال بحالة صدمة وذلك عندما عرفت عشية هذا المساء نتائج الانفجارات التي وقعت على ثلاثة بيوت وموت خمسة أفراد من نفس العائلة, أربعة منهم أطفال في الحي المجاور باب عمرو.”أنهم يقتلوننا لكن لا أحد يهتم بنا. الشبيحة تعمل على خطف وإغتصاب بناتنا. إن سوريا تنتهك”.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

وتظهر امرأة أخرى في نفس العمر وتطلب التكلم مع الصحفية بلغة فرنسية طليقة. “كيف يستطيع إنسان عمل كل هذا مع أنه درس في أوروبا, وهو يعرف ما هي الديموقراطية؟ كيف من الممكن أن زوجته لا تقول شيئا, كيف لا تغادر هذا البلد حتى لا تكون شريكة له في هذه المجزرة؟”.”أنظري, هم يقتلوننا, حتى أنهم لا يسلموننا الجثث حتى توقع العائلة على تصريح اعتراف بأن الضحية ماتت على يد إرهابيين, زوجي مسوؤل عن مستشفى صغير خاص: دخلوا إليه في الساعة الخامسة صباحا وأخذوا ثمانية جرحى كانوا يتلقون العلاج فيها, بعضهم كان في العناية المركزة: انتزعوا منهم أنابيب التنفس الاصطناعي ورموهم على الأرض وانهالوا عليهم رفسا بالأقدام. اثنين منهم ماتوا على التو في نفس المكان والآخرين قادوهم إلى المستشفى العسكري.”

كلهم عندهم قصص أعمال وحشية يريدون التحدث عنها. عمليات قتل, اعتقالات, مفقودين, حالات تعذيب قريبة منهم. كلهم يلعنون النظام السوري, وجميعهم يجددون القوة للخروج إلى الشوارع.”نحن انتظرنا كثيرا هذه اللخظة”, تقول ليلى مدرسة في الجامعة. “بالنسبة لنا لا يزال صعب جدا مع أننا نتحملهم منذ 40 سنة عودونا على هذه الجرائم. لكن المجتمع الدولي يتباحث معه من تحت الطاولة وأن الشعب السوري ليس من أولوياتهم. والحقوق الإنسانية لا يهتمون لها”, آسفة. “نحن سنخرج في المظاهرات ما دام بشار موجود لأننا لو تركنا ذلك لاعتقلونا جميعا”.

أبو نور يعرض جروحه (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

أبو فارس, 72 سنة, يؤكد أنه طول حياته كان يطلب من الله أن يعيش هذه الثورة. هو وزوجته وأولاده وأحفاده يشاركون في المظاهرات منذ أن بدأت ويؤكد لنا أنه لن يتراجع مع العلم أن إبنه أبو نور, 35 سنة, يرقد جريحا وهي المرة الثانية التي يصاب بها من قبل القناصة في الأشهر الأخيرة. أول مرة كانت في باب عمرو في اليوم السادس من شهر مايو عندما تلقى عيارا ناريا في بطنه, والثانية أربعة أيام قبل هذه المقابلة: كان يحاول إسعاف جريح سقط في شارع عندما تلقى طلقة  أخرى في ذراعه وخرجت من ظهره.

مستلقيا في صالة الاستقبال الشعبية العربية وهي المكان الأكثر دفئا في البيت والمكان الوحيد الذي يوجد فيه مدفأة تعمل على المازوت وهي تصلح لغرفة نوم لجميع العائلة في هذه الأيام من الشتاء البارد والحصار العسكري, أبو نور يستقيم بصعوبة. “سوف أتظاهر حتى أن أموت”, يقول هذا بعد صمت قليل ناظرا إلينا مباشرة إلى العيون وإلى جانبه والده.”لا تزال هناك معركة أخيرة لخوضها”. سوف لن نستسلم ولن نتراجع حتى تأتينا المنية”, يتابع الجريح. إن كلماته تذكرنا بعبارات كتبت على جدران قرب بيته تقول :”لن نركع”.

كتابات في حمص, ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

هذه الكتابات على الجدران كانت نادرة أو معدومة في سوريا الديكتاتورية لكن الآن توجد بالآلاف في باب عمرو. يوجد مناخ من الحرية تتنفسه كل شوارع المدينة, محمية بشكل محدود من طرف الجنود المنشقيين الذين يشكلون الجيش السوري الحر حيث لهم في أحياء حمص الملاذ الوحيد في كل البلد. الأطفال يؤلفون أغاني ضد النظام ويهتفون بأعلى أصواتهم عاش الجيش السوري الحر والكبار يفعلون نفس الشيء مجتمعين في جمعات صغيرة من أهالي الحي مسلحون بمكبر صوت يصرخون عاليا ما لم يستطيعون عمله منذ 40 عاما من الديكتاتورية.

مظاهرة في حمص, ديسمبر, 2011 ( مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“نحن نريد حرية من أجل شهدائنا من أجل حقوقنا”. تشرح لنا طالبة جامعية في إحدى الاحتجاجات الليلية في هذا الحي المتمرد, والذي كان يحصل يوميا قبل الهجوم العسكري. لقد حاولنا طلب مساعدة من تركيا, من الجامعة العربية, من المجتمع الدولي لكن لا أحد يؤيد حقنا في الحرية. الآن لا نريد أحدا. الله سوف يساعدنا على تحقيق النصر لثورتنا”.

(1) Comentario

  1. أبو أكرم

    شكرا للصحفية مونيكا غارثيا..عرفناها في كتاباتها عن العراق وغيرها من دول العالم العربي…وشكرا للمترجمة ليلى محرم.

Deja un comentario

En periodismohumano queremos que los comentarios enriquezcan el debate o la noticia. Por eso hay unas normas de decoro a la hora de comentar. Comenta sobre contenido que acabas de leer y evita el abuso de mayúsculas. Si tu texto tiene varios enlaces, puede que tarde un rato en aparecer. Los comentarios son libres y abiertos pero eliminaremos toda referencia que consideremos insultante o irrespetuosa