الصحافة الإنسانية

نشطاء سوريون ينشؤن شبكة خاصة للعناية الطبية من أجل علاج ضحايا القمع في منازل خاصة

حسب منظمة العفو الدولية, في المستشفيات الحكومية المرضى يعتقلون ويستجوبون ويعذبون, حتى من الطاقم الطبي

بعض الجرحى ينقلون إلى شمال لبنان, حيث شبكة أخرى تتكفل إدخالهم المستشفيات ودفع التكاليف الناجمة عنها

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

YouTube Preview Image

طرابلس (لبنان) أربعة شباب يحتلون غرفتين في إحدى المستشفيات الرئسية الحكومية في طرابلس, غرف مضيئة ونظيفة, جميع المرضى أصيبوا بجراح خلال القمع السوري وعولجوا في بيوت خاصة من قبل أطباء وممرضات خوفا من الذهاب إلى مستشفى حكومي, متحولة هذه إلى “قواعد عسكرية” حسب النشطاء السوريين والجمعيات الخيرية مثل  AVAAZ أو منظمة العفو الدولية.

واحد منهم أمسكت أمه بيده تعبيرا عن ابتهاجها كما لو أنها تريد بهذا محو هذه الشهور الأخيرة من ذاكرتها. لكن تعبير إبنها محمد 23 سنة مقطب وحزين. يعطي الانطباع أنه ما زال في تلكلح, والذي وصل منها متأثرا بجرح رصاصة في وركه. و ينطبق الشيء نفسه على أبو ياسين 21 سنة مصاب في ساقيه منذ أسبوعين في حمص:هو اجسه لم تهرب بعد من الأخطار التي قاساها في حي باب عمرو, حيث أن ثمانية من أصدقائه تحولوا إلى نفايات إنسانية.

“كنا ثمانية أشخاص المجموعة المكلفة بإدخال ما يلزم إلى الحي. هذا الحي كان محاطا بالدبابات ولهذا فإن الوسيلة الوحيدة كانت الخروج بشكل فردي وتجميع أكبر كمية ممكنة من المواد الغذاية والأدوية من أحياء مجاورة”, يشرح لنا هذا الشاب السوري بجهد. “والمدخل الوحيد الذي نستطيع النفاذ منه كنا نسميه الحدائق, ومن هناك تجري المحاولات. وكان يوجد طائرة مروحية مقاتلة تطلق الرصاص بشكل عشوائي, و بجانبي وقعت قنبلة مسمارية. بعض من أصدقائي تمزقوا على أثر الإنفجار. ستة قتلوا, آخر فقد ساقيه, فقط بقيت أنا على قيد الحياة.”

الإعتناء بأحد جرحى المظاهرات (AP Photo)

حي لكن ثلاثة مسامير دخلت رأسه وساقه وجانبه. الشاب أبو ياسين لم يفكر قط الذهاب إلى مركز طبي عام. “لأن الجرحى هناك يقبض عليهم ويعذبون“, يقول لنا بعجب شديد. “لا يتذكر كيف حملوه إلى مستشفى ميداني, حيث بقيت فقط عشرة دقائق: كان بيت عادي يشرف عليه طبيبان وممرضتان. كان هناك جرحى وجثث ممددة على الأرض, لأن المقابر الإنسانية كانت محتلة من قبل الجيش. الجثث يضعوها في برادات للفواكه: وفي الليل بعض المتطوعين يحملونهم حتى الحدائق ليتم دفنهم في الليل.”

إلى جانبه الدكتور مازن ينصت إليه بإنتباه مكتوف الأيدي. “لا نستطيع الوثوق من المستشفيات العامة لأنهم حولوها إلى قواعد أمنية“, يشرح لنا هذا الشاب وهو طبيب أسنان 23 سنة, أجبرته الظروف ليصبح مساعد جراح. “في بادئ الأمر 90% من المصابين يلاقون حتفهم والباقي يلقى القبض عليهم, وخلال إقامتهم في المستشفى كانوا يعذبون. الآن لا يذهب أحد إلى المستشفيات. الناس يلجؤون إلى عيادات داخل بيوت خاصة في كل مدينة.”

هي شبكة طبية سرية, كما يشرح للصحافة الإنسانية المسؤول عن أحد الجمعيات الخيرية الرئسية السورية, لديها الآن 100 طبيب مخصصون حصريا لهذه العيادات في كل البلد, مع طلاب من كليات الطب الذين هم على وشك التخرج سنة أو سنتين –وخاصة في مدينة حمص- وهي المدينة الأكثر تضررا من قمع النظام حيت أنهم تركوا دراستهم ليكرسوا كل وقتهم لإنقاذ المواطنين. الدكتور مازن أغلق عيادته لطب الأسنان في بانياس –مسقط رأسه- بعد شهر فقط من إفتتاحها وذلك عندما بدأت قوات الأمن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين, غيروا جزريا أو لوياته.

“أنشأنا عيادة موقتة في بيت خاص مؤلف من ثلاثة غرف وصالون. وقد حصلنا على مولد للكهرباء حتى نتجنب القطع المتواصل للتيار الكهربائي وحولنا غرفة نوم إلى غرفة عمليات”, يشرح. “كنا طبيبان وعدة ممرضات. المشكلة كانت عدم حوزتنا على الدم, ولهذا شجعنا الجيران للتبرع به لوقت الحاجة, حيث بلغ عدد الجرحى في الصالون إلى ثمانية إلى جانب ستة جثث, ثلاثة منهم نساء.

العيادة دامت قليلا لأهل بانياس, حيث أن هجوم الجيش في يوم سبعة أيار بحيث أخذ البيت كهدف له واعتقلوا الجميع بمافيهم الجرحى: “اثنين منهم لاقوا حتفهم لقلة العناية الطبية”. طبيب الأسنان الشاب إعتقل لمدة شهرين في السجن, وما أن أطلقوا سراحه غادر إلى لبنان وأصبح المسؤول في بلد الأرز عن القسم الطبي في المجالس المحلية للتنسيقيات الداعية إلى الإحتجاجات السورية.

جنود سوريين في حمص (AP)

مهمة مازن أصبحت الإهتمام باللاجئين الجرحى الذين يصلون إلى لبنان حيث يقوم بإحصائهم فهم أقل من مئة. “بعضهم يموت في الطريق“, يضيف. ليس هذا بالغريب مع العلم بأن الطريق غير شرعي بين سوريا ولبنان, وادي خالد منطقة جبلية وعرة, وعلى مرأى من القناصة السورية المتمركزة على سطوح البيوت الحدودية السورية. البعض منهم الأكثر خطورة ندخلهم مستشفيات عامة, بعد جمع التبرعات لدفع المصاريف, والذين حالتهم أقل خطورة نضعهم في بيوت خاصة وبشكل سري في طرابلس معقل السنة اللبنانيين, وفي منطقة حلبا القريبة من الحدود حيث يوجد عندنا الآن ستة جرحى. وفي بيته الخاص يرعى اثنين منهم: واحد منهم ينهض بعناء ليحيي الزائرين وذراعه مربوط إلى عنقه, الآخر, حسن, في حالة صحية أفضل, لكن الجرح النفسي سوف يتأخر كثيرا بالإلتئام.

حسن 30 سنة, هو الوحيد من الجرحى الستة الذين استطعنا مقابلتهم, نقول هو الوحيد الذي دخل إلى مركز حكومي وهو مستشفى بانياس المركزي, بعد أن أعتقل في اليوم السابع من أيار.”كان جريحا على أثر طلقة دخلت في وركه. دخلت عيادة الجامعة لكن في اليوم التالي اقتحمه الجيش واتهمونا بالهرب من الخدمة الالزامية: فاعتقلونا جميعا بما فيه الخمسة جرحى.” جالس فوق فراش موضوع على الأرض في غرفة باردة في حي أبو سمرة, بدأ يرتعش كلما دخل أكثر في الحديث. “وعند مدخل المستشفى بينما كانوا يخرجوننا من سيارة الإسعاف كانوا ينهالون علينا ضربا: الشبيحة, الأطباء, الممرضات, المخابرات… بعدها قيدونا على سرائرنا من الأيدي والأرجل, وخلال اربعة أيام لم يعطونا أي علاج طبي ولا حتى طعام ولا ماء. لم يدعونا حتى النوم, كانوا  بضربوننا كلما أطبقت أجفاننا. الممرضات يشكوننا بالإبر. مرة طلبت من أحد الجنود قليلا من الماء: لم يكن منه إلا أن أنزل فتحة بنطاله وتبول في وجهي”.

مقتل متظاهرين في سوريا.

إن إتهام الأطباء بسوء المعاملة لم يكن يصدق لو لا التقرير الذي نشرته منظمة العفو الدولية الشهر الماضي أكتوبر. الذي يبين فيه الاتهامات لأطباء من قبل نفس زملائهم. يتهمونهم بسوء معاملة وتعذيب المتظاهرين الجرحى وحسب التقرير, أن المستشفيات الحكومية تحولوا إلى مراكز اعتقال وتعذيب للجرحى. “إن المسؤولين السوريين حولوا المستشفيات والعاملين فيه من الأطباء إلى أداة للقمع عاملين كل جهدهم لسحق الاحتجاجات الهائلة”. ومن بين الاتهامات نستطيع قراءة كل هذه التقارير للمنظمات منها. “الاعتداء الجسدي واللفظي وفي بعض الحالات رفض الإسعاف” في هذا التقرير, يوجد تصريحات تتمزق لها القلوب, مثل الحالة التي جرت في مستشفى عسكري في حمص لأحد الشباب 28 سنة في منتصف شهر أيار, حيث قال له الدكتور: لن أنظف لك الجرح. وسوف أنتظر حتى يتعفن قدمك لأقوم بقطعه.”

حسن نقل إلى مستشفى الباسل في طرطوس, حسب منظمة العفو الدولية تحت إشراف عسكري”. “منذ اليوم الذي أصبت به لم يقم أحد بغسلي, لذلك كانت رائحة الدم الناشف المخلوط مع الطين والعرق والأوساخ”, يذكر لنا مرتعشا. “أحد الأطباء قال لي أن رائحتي تشبه رائحة المجاري الصحية. حتى هو كان يستغرب هذه المعاملة. رفضوا اعطائنا أدويه ولم يكشفوا عن جراحنا بل حملوني إلى الأمن العسكري لأجل استجوابي. لكن كلما حولت الجلوس يغمى علي من جراء ألم جراحي.” وبعد 17 يوما نقلت إلى دمشق وأدخلوني إحدى الزنزانات مع 40 شخصا, عارين بشكل كامل. “كانوا دائما ينهالون علينا ضربا بالهراوات والأسلاك الكهربائية. مرة عندما كانوا يستجوبونن كنت جالسا على ركبتي أمام الشرطي فما كان منه إلا أن وضع إبريق الشاي الذي كان يغلي فوق  رأسي”. بعدما مررت بعدة سجون خلال شهرين. وضعوا اسمي ضمن لائحة عفومن النظام و أطلق سراحي, ولم أتأخر طويلا حتى لذت بالفرار من سوريا.

المستشفيات العامة أصبحت مجازر“, يقول لنا بحقد الدكتور مازن, طبيب الأسنان. إن إسعاف الجرحى خارج المستشفيات العامة غير قانوني و هذا يعقد مهمة الإختصاصيين الذين أقسم أقسموا الإبقراطي حيث يدعو الإهتمام بالمرضى بدون النظر إلى عرقهم أو ميولهم السياسي. وحسب ما قال لنا, أن له صديق طبيب كسروا يداه الإثنان بعد أن علموا أنه يعتني بالمتظاهرين الجرحى في بيوت خاصة.

إن الجرحى الأربعة الذين دخلوا المستشفى في طرابلس مروا بهذا النوع من العيادات السرية.”كنت في إحدى المظاهرات في تلكلح عندما فتح النار علينا الشبيحة وبشكل عشوائي”, يشرح لنا بهدوء محمد مهنته كهربائي, مع والدته التي كانت تستمع إلى كل كلمة يقولها باهتمام. ” حملوني إلى بيت خاص حيث أجروا لي الإسعافات الأولية. كنت أنزف كثيرا, فقدت وعي وعندما إستيقظت وجدت نفسي هنا في هذه الغرفة البسيطة. “مستشفى تلكلح محتل من قبل الشبيحة ولم يخطر ببالنا الذهاب إلى هناك”.

(AP /Amateur vídeo)

أبو ياسين ليس بإستطاعته إحصاء عدد البيوت الخاصة التي دخلها لمعالجة جراحه. “أعتقد أنني مررت على ثمانية بيوت مختلفة, وفي كل يوم كانوا ينقلونني إلى بيت آخر.” والسبب هو البحث الدائم من قبل الجيش عن النشطاء الجرحى و غير الجرحى, مما يسبب تعطيل هذه العيادات السرية السورية وإجبارهم إنشاء بيوت أخرى جديدة لهذا الغرض.

وهناك وراء بضعة غرف يوجد شابان مستلقيان, خالد 21 سنة, أصيب خلال إحتجاجات بمرافقة 15 من أصدقائه, وحسين الذي تلقى تسعة طلقات في جسده. وفي هذه الأثناء دخلتا إمرأتان في القاعة يبحثون عن الإبن والأخ, وصلوا في التو و الدموع ما زالت في اعينهم. المريض يطلب بصوت متقطعة وبصعوبة أن تكون المقابلة قصيرة. “كنت في إحدى المظاهرات في باب عمرو عندما وصلت عدة سيارات مليئة بالشبيحة وهاجمونا. حاولنا الفرار لكن أطلقوا علينا الرصاص” ومن عجائب الصدف كان أبو ياسين الذي تحمل جر جسدي الجريح حتى العيادة السرية: حصل هذا قبل يوم واحد من إصباته جريحا من جراء قنبلة مسمارية. “قضيت ستة أيام في أول مستشفى مؤقت وهو بيت خاص حيث القوني على السرير وقاموا بإخراج بعض الطلقات وقطعوا جزءا من معدتي. قالوا لي أن العملية التي أجروها في غرفة النوم دامت أكثر من أربعة ساعات”, يتابع حسين ويقول أنه لا يعلم كيف وصل إلى لبنان, لكن إلى جانبه كان موجودا الذي تكفل بنقله.

“هو ثقيل جدا”, يقول لنا هذا المسؤول عن نقله بطريقة غير شرعية, رجل في الثلاثين من عمره, يلبس شندل أزرق ووجهه يطفح بالإبتسامة. يصف نفسه بأنه عضو في الجيش السوري الحر, هذه المجموعة الفاريين من الجيش والتي تقاوم نظام بشار الأسد وهو المسؤول عن نقل الجرحى من حمص, حماة وتلكلح, المدن القريبة من الحدود اللبنانية. “أحيانا نجلبهم في دراجة نارية, لكن في النهاية يجب عبور الحدود من خلال الجبال حاملين النقالات بين عدة, أو وسط حقول مزروعة بالالغام, وضعها جيش النظام”, يشرح لنا خالد متنقلا بين الجرحى الذين يكنون له كل تقدير وإحترام.

مظاهرة ضد النظام السوري في ساحة العاصي في مدينة حماة السورية

“منذ أن وصلت إلى لبنان نقلوا إلى هناك ما بين 50 وا 100 جريح”, يعترف مازن. بينما خالد يقول أنه أحصى ما يقارب 22 شخص منذ أن بدأ مهمته: اثنان منهم وافتهم المنية في الطريق. احيانا نحملهم على ظهورنا مربوطين بحزام البنطال, والحالات الخطيرة نقوم بنقلهم بواسطة كراسي متحركة أو بواسطة نقلات. وكانت حالة حسين الأكثر تعقيدا, حيث أنه كان يعاني من تسعة طلقات في جسده ومعظم معدته ممزقة, كانت فعلا حالة صعبة. “وضعناه في سيارة لكن على الأثر تعرضنا للهجوم مرة أخرى”. “فأجبرنا إخراجه بين أربعة أشخاص: والبطانية الذي كانت تضمه تقطر دما”.

“عندما تكون حالة الجرحى غير خطرة, فإن الطريق يستغرق ساعة ونصف, لكن في حالة حسين أو أبو يونس إستغرقت أكثر من ستة ساعات”, الدكتور مازن يعتبر نجاة حسين بالمعجزة, لكن المعجزات هي التي تصنع الصراع وهو يعلم ذلك مع العلم أنه شاب يافع. “لا زلت أتذكر ذلك الجريح الذي كان يعاني بطلقة في الرأس, إستغرق نقله خمسة ساعات عبر الحدود ولا يزال حيا.”

(9) Comentarios

  1. Raquel

    I watched on Internet the brutal repression you have sufrering. I don’t have words to explain my feelings. Spanish people are with you. We have do two protests in front your embassy in Madrid.

  2. ColunasCal

  3. You ought to carry excellent care of your wok and often they don

  4. Although the commission is quite small, you have to remember that there are millions of people surfing the internet everyday.

  5. The have said that they will not allow an execution to proceed unless there is “no doubt” about guilt.

  6. Esta bibliograf

  7. This way, people will know what they are getting, and don

  8. Yea, because if not it comes out as arrogance

  9. In reality we are not capable of making decicions, we would not rather reverse the day after, for fear of potential reprisals and repression.

Deja un comentario

En periodismohumano queremos que los comentarios enriquezcan el debate o la noticia. Por eso hay unas normas de decoro a la hora de comentar. Comenta sobre contenido que acabas de leer y evita el abuso de mayúsculas. Si tu texto tiene varios enlaces, puede que tarde un rato en aparecer. Los comentarios son libres y abiertos pero eliminaremos toda referencia que consideremos insultante o irrespetuosa