الصحافة الإنسانية

مئات الألوف من العراقيين اللاجئين في سورية يرقبون عاجزين العمليات العسكرية ضد المدنيين

شهود استثنائيين للأحداث, يشكون بين الدعم للشعب أو الخوف من الطرد إلى بغداد, حيث يخافون من الانتقام

كثير منهم يفضلون الفرار ولكن لا يوجد مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو العراقيين التي تتطلب تأشيرة دخول في كل الشرق الأوسط

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

المغتربون السوريون يومئون برفع العلم الوطني السوري خلال المظاهرة التي نظمتها القبائل الأردنية تضامنا مع الشعب السوري في مدينة المفرق,بالقرب من الحدود الأردنية السورية, الجمعة 19, آب, 2011.AP Photo/Nader Daoud

لا أحد يعرف من الفاعل ولكن في حي القدسية, الملقب بالعراق الصغير في دمشق بسبب العدد الكبير من الالجئين الذين يعيشون في شوارعه منذ عام 2005, اللافتة القديمة التي تحمل الجملة “العراقيون معك, يا بشار الأسد” قد مزقت قبل بضعة أيام. الآن بقي منها قصاصات قماش معلنة عن نواياهم,خرقات متدلية ترمز إلى التدهور في العلاقة الجيدة التي بنيت منذ ستوات بين النظام والمجتمع العراقي, الذي استقبل من طرف سوريا بأذرع مفتوحة, على عكس بقية العالم.

الناس لا يتكلمون عنها بصوت عالي ولكن العلاقة تمر بأزمة على رغم أن العراقيين يشكرون النظام على المساعدة المقدمة لهم لإنقاذهم من الحرب الأهلية. الضحايا العشوائية من المدنيين السوريين لا تترك مجالا لأحد أن يتجاهلها. ولا حتى في القدسية, حيث أن سكانها يعرفون جيدا ما معنى الديكتاتورية الشنيعة وسقوط القنابل فوق رؤوسهم.

في مساجدهم, الجملة المشهورة التي كانوا يقولنها خلال الصلاة “الله يحفظ الرئيس بشار”لم يعد ينطق بها الأئمة اليوم وكثيرون منهم غير لهجة الخطاب. ” يوم الجمعة الماضي, نقد الإمام النظام بشكل واضح عندما قال:” نحن في رمضان ورمضان هو شهر الرحمة. ولكن النظام ليس عنده أي رحمة في مدينة حماة”. عندها صرخ شاب “الله أكبر”. الإمام رجاه عدم التحريض داخل المسجد و أن ينتظر الخروج منه”, شرح أبو محمد, لاجئ عراقي مقيم في القدسية.

الكبح الموجود في داخل الجامع ليس معناه الضبط في خارجه. ففي اليوم الأول من رمضان, 1 من آب, عاش الجامع العمري في حي القدسية احتجاجات, بسبب الشهر الفضيل, أصبح حدثا يوميا. قبل ذلك,كان الذين يتواعدون في يوم الجمعة لا يصلون إلى خمسين شخص,لكن اليوم 1 من آب بلغوا 150 شاب بين 17 و24 عاما, كلهم سوريون, تجمعوا, و بدلا من الذهاب كالعادة إلى البازار –منطقة يصعب على رجال الأمن دخولها- توجهوا نحو أقرب مقر للبلدية , معرضين انفسهم للمراقبة من قبل الأمن .

كان مزيج من الشجاعة بين التحدي والانتحار. ” كان يوجد سيارات شرطة عليها صور لبشار, ولكن الشرطة كان يظهر عليهم الاضطراب, ومن الواضح أنهم كانوا يفضلون لو لم يكونوا هناك”. ذهبت الشرطة أخيرا وتركت المتظاهرين وحدهم و كانوا يصرخون “حرية”. وكم كان عاليا الصوت. “الله, حرية وبس– صرخوا. أيضا “بالروح, بالدم, نفديك يا حماة”. كان أهالي الحي ينظرون إليهم متهامسين. احد العراقيين قال: “إنهم حقا شجعان ويتستحقون النصر”. كانت امرأتان تشتريان خضروات في أحد المحلات وتشيران إليهم بقلق. ” ماذا يريدون؟ أن يحصل لنا ما حدث في العراق؟”. ولكن منذ ذلك اليوم كنا ننتظر كانوا المتظاهرين, كل يوم, في نفس الوقت. بعض العائلات باركتهم بقذفهم بالمياه من الشرفات عندما يصرخون “مافي ناموس إللي ما بشارك”.

لا يسمح النظام الدخول إلى سورية لأي صحفي أجنبي عندما يصرح عن هويته. الدكتاتورية لا تمنح تأشيرات دخول وهي دقيقة جدا لمنع دخول صحفيين عن طريق غير قانوني. ولكن أي مواطن عراقي بإمكانه الدخول إلى البلد الجار وبشكل قانوني وعادي, ولقد إحتضنت سورية حوالي مليونان من اللاجئين خلال الأحداث الأخيرة وتتابع ايواء وحماية مئات الألوف. كثير منهم يقيمون في سورية, وآخرون يزرونها كل صيف حتى يلتقون بعائلاتهم هناك.

أبو محمد واحد منهم, ولكن هو ليس أي عراقي. فهو كان مترجمي, وحاميني, مساعدي وموضع ثقتي خلال السنوات الصعبة في بعداد, وخلال الأشهر الأخيرة من نظام صدام حسين, الغزو, الحرب ضد الاحتلال وجانب من الصراع المدني, حتى الاختطافات, التعذيب والتهديد بالقتل جعلوه ينتقل مع عائلته إلى دمشق. هناك تابعنا العمل معا خلال سنوات, عندما كان النظام يسمح بدخول الصحافة و بدون خوف, حتى أبو محمد –الذي يحفي هويته الحقيقية لتجنب الاعمال الانتقامية, مثل كل الذين يعملون في هذا التقرير- هذا وقد قبل طلبه للجوء إلى إحدى الدول الأوروبية حيث, بعد تعلم اللغة, انتهى به المطاف للعمل كصحفي في جريدة يومية محلية.

رجع أبو محمد إلى سوريا هذا الصيف مثل كل سنة, فوجد بلدا مختلفا عن ما يعرفه, في حالة من التوتر, يكافح ضد كميات كبيرة من الدعاية وقمع لم يسبق له مثيل في بلد كان دائما مميزا بوجود أجهزة المخابرات. وخلال أسابيع حصل على معلومات و أجرى مقابلات مع اللاجئين كان قد كلف بها من قبل الصحافة الإنسانية لمساعدتنا تفهم دور العراقيين, ولكنه حضر أيضا بعض الاحتجاجات و عانى القيود في الاتصالات و الحملة الإعلامية المكثفة للنظام. النتيجة هي حكاية غير عادية عن الوضع في بلد بشار الأسد, محاصر من قبل نفس شعبه.

“إن العراقيون يشعرون بالخوف. كثير منهم يفكرون جدييا في الخروج من البلد وكثيرون منهم لم يأتوا هذه السنة من العراق, على رغم أنه مقصد طبيعي لقضاء الصيف فيه, عندما ترتفع درجة الحرارة في بغداد نأتي لزيارة الأهل و الأصدقاء في سوريا. إن أسعار الايجارات  للبيوت منخفضة الآن, و يوجد بيوت كثيرة حالية” يشرح لنا, موضحا إنه منذ بضع سنوات كان من المفروض دفع 1000 دولار أجرة غرفة واحدة في القدسية: لأن الطلب كان عاليا. ولأن كثير من العراقيين ليس لديهم مكان للذهاب بسبب السياسة العربية نحو اللاجئين –الذين يحتاجون تأشيرات دخول في كل المنطقة- بينهم أعضاء كثيرة من المقاومة مطلوبون في العراق.

وهذا هو حال سالم من الميليشيا العراقية منذ عام 2008 يعيش في دمشق . وصل مع زوجته لقضاء عطلتهم الصيفية عندما أخبروه أن الجيش الأمريكي يسأل عنه في بغداد. لم يرجع إلى البلد أبدا. “الحكومة السورية ضغطت علينا لمعرفة موقفنا تجاه ما يجري من الأحداث, ولا نعرف ماذا نقول. ومن الصعب معرفة  إذا كان هذا النظام سيتحمل أو سيسقط, و في الحقيقة نحن الذين نعيش هنا كلنا فارين من العراق. يجب علينا أن نتجنب أي تدخل في نشطات ضد النظام, لأنه من المحتمل أن يسلمونا إلى بلدنا انتقاما منا, و هذا يعني الموت.

و هذا نفس ما يفكر به عبد الله, صحفي عراقي  يعيش منذ خمسة سنوات في دمشق. قد سجن في العراق وهو مهدد بالقتل في وطنه الذي ولد فيه. “كل شيء ممكن. إذا النظام (العلوي الشيعي, المقرب من طهران) يفقد السيطرة ويحتاج إلى قوات أكثر, يمكن أن يطلب مساعدة المليشيات العراقية مرطبتة مع إيران كقوات بدر, جيش المهدي أو أهل عصب الحق. احتمال آحر أن النظام يسلم العراقيين الموجودين هنا. نسمع الأخبار بقلق عن المساعدة التي تمنحها إيران إلى سورية, 6.000 مليون دولار (في الحقيقة, هو عقد الغاز قيمته 10.000 مليون, وقع بين العراق, سوريا و إيران) و المساعدة التي تقدمها بغداد إلى دمشق, لأن الثمن الذي سيدفع ليس فقط الدعم السياسي إنما تسليم العراقيين المطلوبين (كعسكريين سابقيين أو أعضاء لاجئين من حزب البعث). احتمال آخر هو ضغط النظام على أفراد الجيش العراقي السابق لرد المعروف بالمساعدة في خبرتهم, تحت التهديد بترحيلهم”.

و الخوف الذي يرتاب منهم العراقيين ليس فقط فقدان الوضع الراهن الذي هم يستمتعون به الآن. لديهم خوف أن يصبحوا أداة تستعمل لصالح أو ضد النظام, و أن يكونوا غارقين في حرب أهلية أخرى كما عانوا منها في بلدهم مع مئات الألوف من الضحايا, حتى تغيير في النظام و تسليم السلطة إلى زعماء متعاطفين مع الأمريكيين منهين بهذه الطريقة الحملة ضد المقاومة التي أفشلتها سوريا باستضافتها للمتشددين.لكن حسب الأدلة التي تم جمعها إن أغلب العراقيين وبشكل خاص الذين يعيشون في المناطق, الأكثر تضررا من القمع, لا يتعاطفون مع النظام.

أبو محمد يتحدث مع ثلاثة إخوة عراقيين يعيشون في حمص, وصلوا إلي دمشق لزيارة عائلاتهم. لجأوا في عام 2006, بعد سنة من قتل الميليشيات والده من أصل سوري في النزاع الأهلي. “في حمص المظاهرات قوية جدا. المتظاهرون يتحكمون غالبا على الشوارع. وضد ما يقولون, لا يوجد سلفيين ولا أجانب. كلهم سوريون, ومن حمص. “نحن العراقيون لا نشارك معهم لأننا لسنا سوريين, و لأن النظام سلم خمسة عراقيين كانوا قد انضموا إلى المظاهرة. الآن نحن نبقى في البيت كل الوقت,  نخرج فقط لشراء الطعام. وإن التجربة التي حصلو عليها من الغزو والحرب الأهلية نفعتهم بحمايتهم من الاستغلال. “نحن نتخذ احتياطاتنا لتخبئة أموالنا والأشياء الثمينة حتى لا تسرقها منا الشرطة عندما يدخلون إلى البيت للتفتيش”.

سالم, المقاتل الذي ذكرناه سابقا, يفعل نفس الشيء للاحتياط. “منذ أيام, كان يوجد احتجاجات في الحي. وبما أن شقتي تقع أمام الجامع, استطعنا أن نشاهد كل ما يحدث من شرفتنا. الشرطة و الشبيحة (ميليشيات النظام)كانوا يدخلون إلى البيوت ويخرجون ومعهم أشياء مثل هواتف محمولة ونقود. ومنذ فترة سرقت الشرطة نقودا كثيرة من أحد أصدقائنا العراقيين بعد مداهمة منزله.

ودورهم كشهود استثنائيين حول الاضطرابات الاجتماعية التي تمتد في كل سوريا. عمر عراقي يقيم في حماة منذ عام 2006, عندما هرب من العراق. متوجها إلى دمشق منذ عدة أسابيع وعندما أراد الرجوع كان الوقت متأخرا, حيث كانت المداخل مقطوعة من قبل قوات الأمن. “في حماة الناس لا تشعر بالخوف من الحكومة. المدينة توجد تحت سيطرة اتحاد التنسيقيات المحلية. إن المتظاهرين يشعرون بالفخر لأنهم  أبناء و أحفاد شهداء حماة (من القمع عام 1982 عندما قتلوا بين 10.000 و20.000 شخص, حسب التقديرات) و من هنا تنبع قوتهم عند وقت التظاهر”. ويقال أن أول مظاهرة عظيمة جمعت حوالي 400.000 شخص في الشوارع والنظام قابلها بمظاهرة كبيرة لصالح النظام معظمهم من الشبيحة, موظفون حزب البعث وأفراد الأمن. “هم حرقوا سيارات و أبنية. مسببين أضرار, وبعدها التقطوا صورا لعرضها على شاشة التلفاز ليتهمون المتظاهرين الذين يطالبون بالحرية. ولكن مظاهراتهم كلها سلمية.

حسب عمر, إن النظام الدكتاتوري ارتكب مجازر في حماة. “وأنا بنفسي حملت جرحى إلى المستشفيات. وقد شاهدت كثير من الضحايا, عشرات القتلى… المتظاهرين لا يحملون السلاح, فقط يحملون بعض السكاكين, للدفاع عن أنفسهم.  وليسوا بسلفيين, و في الحقيقة يوجد بينهم إخوان مسلمون وقول النظام أنهم سلفيون دعاية كاذبة.” حسب فهم هذا الشاهد, في حماة لايوجد الآن صور أو تماثيل لعائلة الأسد. ولا حتى الشرطة و لا الجيش, متجمعين خارج المدينة في انتظار الغزو الذي حصل أخيرا منذ أيام بسبب بداية رمضان.

والشيء الجديد والهام الذي حصل في سوريا الثورة والقمع هو فقدان الخوف الذي كان مهيمنا على الشعب السوري بالنسبةإلى أبو محمد. “إن جدار الخوف قد وقع. عندما وصلنا إلى سورية, منذ خمسة سنوات, لا أحد كان ينتقد النظام. الأن حتى سائقي التكسي صاروا يتكلمون عن الثورة وينتقدون الدكتاتورية. أحد الأيام,كنت مع سائق تاكسي يبلغ 60 عام قال إنه كان يعيش في داريا, على مشارف دمشق. حسب ما قاله, أن المظاهرات في الحي الذي يعيش فيه شارك حوالي 10.000 شخص.ويتابع: لم يبقى صور ولا تماثيل للأسد, ويعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون انشقاق الجيش ضد النظام, بدعم من علماء السنة. ” بشار أحمق, هو ليس ذكي كوالده. في الثمانينات, عندما كان رفعت الأسد (شقيق الرئيس) يبدأ حملة ضد الحجاب و كان رجاله ينزعون الحجاب في الشوارع, حافظ اوقفه و خلال بضعة ساعات كان يطلب المعذرة من الشعب. لكن بشار,ليس فقط يرتكب الجرائم ولا يشعر بالندم بعده ويتابع التهديد بالمزيد.

ساعد على ذلك حقيقة النظام والمحاصرة المطبقة عليه, وتكون ردة فعله مثل حيوان جريح على وشك الموت, يقوم بالعض مسببا في كل مرة أكثر معارضة. “أمس, في منتصف الليل, عند عودة أمي وأختي إلى البيت بعد تناول الإفطار, وجدوا مجموعة من الشباب, لا يتجاوزون العشرة, متجمعين مقابل بناية سيرياتيل (شركة هاتف في القدسية) وفي الحال ظهرت مجموعة من قوات الأمن في اللباس المدني, وهاجموا الشباب بمسدسات كهربائية وأدخلوهم إلى الحافلات, يتابع أبو محمد.

مثله مثل كل العراقيين فهو يتابع الثورة بايدي مربوطة لا نستطيع المشاركة ولا اعطاء أية معلومات لأنه يجازف بالطرد أو شيئا اسوأ من ذلك, ومن أجل الحصول على معلومات أو الاتصال مع العالم الخارجي يتصرف مثل السوريون. حيث يلجأ إلى مقهى الانترنت الذي تربطه بصاحبها صداقة –حيث يقوم بفتح له الصفحات المقفلة من جانب النظام- ويتركه يبحر في الشبكات الاجتماعية من أجل تعليق صور أو فيديو مأخوذة خلسة.” فقط يأتون مستعملين موثوق منهم, يسألون عن فيسبوك والمالك يقوم بتعيين حاسوب لهم, يقومون بعدها بإرسال رابط من المكتب يسمح بالدخول إلى الشبكة الاجتماعية”. ويذهب إلى بيوت يوجد فيها أطباق للأقمار الصناعية لمشاهدة قنوات عالمية مثل الجزيرة, العربية ويستعمل الهاتف للاتصال بأصدقائه المنتشرين في أماكن مختلفة في كل سوريا و لجمع المعلومات. وهذا ما يفعله السوريون أيضا, بواسطة الأقمار الصناعية ومعلومات مباشرة تسهلها لهم عائلاتهم وأصدقائهم في مدن أخرى”, خلال الليل الاتصالات معقدة جدا. وفي ساعة المظاهرات الشبكات التلفونية تتوقف عن العمل”, يشرح.

العراقيون يتقاسمون الخوف وعدم الاستقرار السياسي وأيضا حرب أهلية في سوريا التي تقترب يوما بعد يوم. لكن سائق التاكسي المذكور عبر عن تفاؤله “سوريا لن تكون مثل العراق, السنيون هنا أغلبية ونحن نعلم جيدا ما حصل في العراق ولن نسمح أن يجري ما حصل هناك”. ولكن الحقيقة أن بشار الأسد ليس فقط يحرك الصراع الطائفي ليحتفظ بالسلطة, بل يهدد بحرب اقليمية تحرق كل الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن كابوس العراقيين والسوريين وبقية العرب ما هو إلا في أول البداية.