الصحافة الإنسانية

تل أبيب وبيروت متواجهين من أجل رسم الحدود البحرية بعد العثور على حقول كبيرة من الغاز الطبيعي تحت البحر الأبيض المتوسط


الحكومة الإسرائيلية تعلن من طرفها عن مسار حط الحدود وهذا ما اعتبره بلد الأرز بحركات تويسعية في منطقته لاستغلالها


البعض يخشى أن يستعمل هذا النزاع لاشعال فتنة الحرب القادمة


المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

المترجمة: ليلى محرم / Laila Muharram Rey

أحد الاسرائيليين يصطاد قرب روش هانيقرا, في الشمال, مقابل سفينة حربية إسرائيلية. AP/ Emilio Morenatti

من المفترض أن يكون أفضل خبر تتلقياه إسرائيل ولبنان على الاطلاق لأن كلاهما سوف يتغير مستقبلهما. إن اكتشاف أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم في السنوات العشر الأخيرة والذي  كان موجودا في سواحلهم و ذلك يتعين به تغييرا جذريا في اقتصاد بلدين يعتمدان حتى هذه اللحظة على استيراد موارد الطاقة لتموين رعاياهم.

هذا سيسمح لهم بالإكتفاء الذاتي, وهذا شيئ مهم وبشكل خاص لإسرائيل لأنها محاطة ببيئة غير صديقة حيث أنها لا تحظى بأية علاقات ودية مع أغلبية جيرانها. ويفترض لإسرائيل وضع حد نهائي لحالة عدم الاستقرار في تبعيتها باستيراد هذه المواد من مصر, حيث أن رئيس الوزراء الانتقالي صرح أنه سوف يعيد النظر في الاتفاقيات بخصوص تصدير  الطاقة –بامتيازات لتل أبيب- حيث أن عمليات التخريب للمنشآت تتكرر كما يبدو للحول دون تدفق الطاقة إلى إسرائيل, والذي تقدم القاهرة الـ 40% من احتياجاتها الكهربائية: وقد حصل أربعة هجمات منذ اندلاع الثورة المصرية. وفي حالة لبنان فإنه سوف يضع نهاية لعجزها عن توليد الطاقة الكهربائية والتي هي سبب احتجاجات شعبية كثيرة. وحتى سوف يمكنهما من تصدير الغاز مما يجعلهما يحصلان على عائدات اقتصادية مهمة, هذا إن لم تكن هاتان الدولتان في حالة حرب ولبنان ليس لديها حتى مسار لخطها الحدودي البحري ليسمح لها الحصول وبشكل قانوني على هذه الموارد الطبيعية للطاقة, ولا حتى اتفاقيات للاستغلال أو البحث عن هذه الحقول في مناطقها الحدودية.

بعد خمسة سنوات من آخر حرب بين إسرائيل ولبنان, حرب أخرى جديدة تحصل تحت البحر. وبشكل مفصل ما بين 1.500 و2.500 مترا تحت الماء, هذه هي المسافة الموجودة للوصول إلى احتياطيات “القوس السوري”, وهي أراضي تبدأ من مصر إلى سورية عبر غزة واسرائيل ولبنان وتتضمن أيضا مياه قبرصية. حسب توقعات المؤسسة الأمريكية US  Geological Survey, أربع وثلاثين مليار متر مكعب من الغاز محتوى هذا الحوض, وأيضا يحتوي على 1.700 مليون برميل من البترول. لكن كل هذا من محض التوقعات: فقط الحفريات تستطيع التأكيد هذه الأرقام. فالأعمال التي أجريت مؤخرا من الجانب الإسرائيلي –والتي تستغلها منذ عام 2004- شركة أميريكية شمالية Noble Energy, تبرهن أن أحد هذه الحقول والمسمى “ليبياتن”يحتوي 450 ألف مليون مترا مكعبا من الغاز, والذي يجعل منه أكبر اكتشاف في عقد واحد: وهو دليل جيد لما تحتوي عليه سواحل البحر الأبيض المتوسط في الشرق الأوسط.

عوامة في مياه متنازع عليها تشاهد من موقع لبناني ناقورة.AP/ Mohammed Zaatari

إن وجود احتياطي الغاز معروف منذ زمن –وليس عبثا ترجع إلى 60 مليون سنة- لكن الآن فقط, حيث أن التكنولوجيا تسمح الحفريات على عمق يتراوح بين 1.500-2.000 متر وبدون تكاليف باهظة, والدول يولون اهتماماتهم في معركة الموارد الطبيعية التي تحتويها سواحلهم. ومن هنا يأتي النزاع: حيث أن الحدود البحرية اللبنانية ليست واضحة في مسارها عبر البحر الأبيض المتوسط وهذا ما يجعله عرضة للاغتصاب.

يوم الأحد الماضي الحكومة الإسرائيلية صادقت على مسار لهذه الحدود البحرية من جانبها فقط, وبعثت به إلى الأمم المتحدة على “أسس قانونية واتفاقات دولية ومنافع استغلالية اقتصادية”, وحسب رئيس الوزراء نيتانياهو “هذه الحدود هي التي تحدد المساحة التي سوف تستثمرها الدولة بموجب حقوق اقتصادية حصرية, متضمنة حقها في استغلال هذه الموارد الطبيعية البحرية”, أكد نيتانياهو ذلك أمام الصحافة الإسرائيلية, وهذا أمر مفروغ منه لأن إسرائيل تعتبر هذه الحدود البحرية لها في الواقع.

وهذا ما أغاظ اللبنانبيون فقد أرسلوا في شهر تموز من سنة 2010 للأمم المتحدة خريطة تحدد مسار المنطقة الإقتصادية التابعة لها حصريا, والتي لاقت في يومها الدعم من الولايات المتحدة وهي تتعارض مع المسار الذي وضعته إسرائيل. والفرق يتألف من 15 كم مربعا. وحسب بيروت, هذه الـ15 كم التي ضمتها إسرائيل إلى منطقة استغلالها الحصري فإنه ما يعتبر من جديد احتلالا غير مشروع.

جنود إسرائيليون خلال القصف على لبنان في حرب 2006. AP /Oded Balilty

الجواب اللبناني جاء مغتاظا. ووزير الطاقة جبران باسيل, صنفه “بالعدواني”, أما من طرف إسرائيل يخشون أن يكون هذا النزاع حول موارد الطاقة سببا يستعمله حزب الله لتبرير حرب جديدة بين البلدين. وليس عبثا أن يكون باسل-الوزير عضو من مجموعة سياسية مسيحية حليف لحزب الله وله ثقله في الحكومة اللبنانيةفي تصريح له في قناة المنار “تلفزيون حزب الله”, قال “لن نتهجم على أحد ولكن بالمقابل لن نسمح بأن يهاجمنا أحدا ولو حتى بسنتمتر واحد”. وحسب باسل,”إن لبنان قد رسمت حدودها (البحرية) حسب اتفاقية مع الأمم المتحدة حول قانون البحر” و يحذر بأن “أي لبناني لن يفرط ولن يتخلى عن موارد الطاقة هذه ولا عن حقوقهم البحرية”.

أما رئيس بلد الأرز ,ميتشيل سليمان, حذر أن “أية قرارات تتخذها إسرائيل بشكل فردي حول الحدود البحرية سوف يشكل انتهاكا للقوانين العالمية وهذا ما تعودت عليه إسرائيل“, أما وزير الخارجية عدنان منصور, أعلن أن لبنان سوف ترفض “أي تأكيد عالمي ومن طرف واحد لرسم الحدود البحرية الإسرائيلية حتى ولو صدر عن الأمم المتحدة”.”لا تستطيع أية شركة أن تتعهد أعمال تنقيب على الغاز أو البترول في مناطق بحرية وهم موضوع لإجراءات قانونية, سياسية أو أمنية”, أشار منصور, حيث أعلن أن الحكومة اللبنانية في حيز التأسيس لخريطة دقيقة لتأكيد حقوقها في المنطقة الإقتصادية الحصرية في البحر الأبيض المتوسط, وعلى خط من 17 كيلومتر في المنطقة المدعوة 23″. والوزير يعتبر أن العرض الإسرائيلي “هو تهديدا للأمن القومي”.

ضواحي شيعية في بيروت, بعد تعرضها للقصف بالقنابل الإسرائيلية في عام 2006. Issam Kobeisi/AP

تعيين الحدود المقترحة من الجانب اللبناني حسب إسرائيل يتعارض مع الإتفاقية الموجودة في عام 2007 للسواحل بين لبنان وقبرص وأيضا مع الإتفاقية المبرمة بين إسرائيل وقبرص حول الحدود البحرية: وكلاهما يعينون الحدود البحرية اللبنانية وفي غياب التحطيط الرسمي. وبرهن أن الإقتراح اللبناني الذي لم يوافق عليه البرلمان بشكل رسمي –يدخل في أراضي اسرائيلية, وهذا نفس الإتهام الذي تلقيه بيروت ضد تل أبيب.”والمفهوم الإسرائيلي للحدود هو أقل مرونة”, في بيان لسركيس حلايس لتصريحات أدلى بها إلى النشرة الإقتصادية اللبنانية Le Commerce du Levant , المسؤول عن الموارد النفطية في وزارة الطاقة اللبنانية.

يعتمد توزيع الأرباح على طريقة رسم الحدود في حالة وِجود مخزونات عبر الحدود والذي وفي هذه اللحظة يجعل من المستحيل التفكير في إستغلال هذه الحقول لأنها موجودة في أراضي من الصعب تحديدها. ولو حدث هذا في أراض أخرى واضحة الملكية فإنها ستكون موضع جدل: “بعض المواقع المتاخمة لحدودنا قد حصلت على وثيقة المنح منها Noble Energy وهي (شركة تعمل على إستغلال الإحتياطيات المعروفة في الساحل الإسرائيلي). لا أملك الدراسات الزلزالية الإسرائيلية, لكن في حالة أن يكون الهيكل موجودا في هذه المناطق يوجد 90% من الإحتمالات بأن يكون هيكلا أساسيا مشتركا”.

ونظريا, إذا لم يتوصل إلى اتفاق ثنائي لاستغلال هذه المناطق سوف يكون من المستحيل أنجازه لذا فإن احتمالات الأرباح تبقى في الهواء. هذا هو الشأن بين إسرائيل ولبنان حيث أن الحوار المباشر مستحيل. وحسب الصحافة الإسرائيلية, رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو بدأ اتصالاته مع السلطة الفلسطينية من أجل استغلال السطحين الموجودين في سواحل غزة وهذا ما يتضمن عقود تقديرية من 800 مليون دولار. وما وراء السواحل الإسرائيلية,فقد كانت سورية تحاول هذا العام تحصيص عقود من أجل استغلال الاحتياطي الموجود في مياهه الإقلمية: ليس لدينا معلومات عن إذا كانت الخطة تحذو قدما نظرا إلى الحراك الداخلي.

شاب يقفز فوق البحر المتوسط في منطقة أكري, شمال إسرائيل. Zemlianichenko/AP

نجد أن الإستغلال معقد أيضا في وضع قبرص حيث أنه يوجد منازعات مع لبنان منذ سنوات حول تعيين الحدود البحرية, حيث تعثرت بالحظر التركي. أنقرة لا تعترف بالحقوق اليونانية في النصف الجنوبي من الجزيرة المقسمة في البحر المتوسط و تفشل أية إتفاقية -حتى التي أبرمت بين قبرص و إسرائيل في عام2010 – بحيث لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح التركية, ما لم تحصل وحدة شاملة في هذه الجزيرة.

وبالنسبة إلى الإتفاق المبرم بين قبرص ومصر في شهر كانون الأول الماضي لتعيين حدودهم البحرية, ما دفع تركيا إلى الاحتجاج الرسمي. ومرادهم عدم التخلي عن هذا الموضوع حتى وصلوا إلى إرسال سفن حربية على شكل تحذير عندما أقدمت سفن لبنانية لاجراء دراسات والتنقيب عن حقول موجودة في مناطق مشتركة.

لكن لبنان لن تتخلى عن أحلامها في استقلالها في مجال الطاقة وحيازتها على إحتياطي النفط . باسيل صرح شبه متأكد بالعثور على غاز “بكميات تجارية” في تصريحات له في Le Commerce du Levant. “أن الحقول اللبنانية أهم بكثير من الإسرائيلية”, مؤكدا هذا المدير العام للمنشآت النفطية سركيس هاليس. “وسوف يكون من أهم الحقول في كل حوض بلاد الشام.”