الصحافة الإنسانية

Mónica G. Prieto: مونيكا ج. برياتو
Naomí Ramírez Díaz: نعومي راميريث دياث


يأتي مقطع الفيديوالذي يظهر أحد قادة الثوار وهو ينتزع قلب عسكري سوري من صدره ويعضه، بمثابة شهادة على الرعب الذي يعيشه البلد.

و كان السبب الذي أدى إلى جريمة الحرب هذه فيديو آخر يرتكب فيه العسكري الذي تم تدنيس جثته انتهاكا ضد المدنيين.

ويقول الثوار إن “السؤال الذي يجب طرحه هو كيف وصل هذا الرجل إلى درجة فقدان عقله”.

يظهر هذا المقطع المسجل يوم الخميس الماضي في قرية طلف، في محافظة حمص، جثث إمراة وأربعة أطفال قتلوا إزاء القصف. وقبل ذلك بيوم واحد قتل 15 سخصا في قرية خربة السودا. كما أنه خلّف القصف عدة ضحايا ومن بينها هذه الطفلة في حي السعن في تلبيسة يوم الإثنين الماضي. وإضافة إلى ذلك تم العثور قبل ذلك بأسبوع فقط على جثث 22 مدنيا، معظمهم أطفالا ونساء، في هذه المحافظة السورية التي ليست إلا أحد السيناريوهات المتعددة للحرب التي تعيشها سوريا منذ أن بدأ النظام يقمع المظاهرات التي أشعلت الثورة. ولكن لم يثركل هذه الصور والفيديوهات التي وثّق فيها الناشطون والصحفيون عدة انتهاكات نفس الجدل الذي أثره المقطع التي نرى فيه أبا صقار، وهو مقاتل الحمصي، يقف أمام الكاميرا وهو ينتزع بدم بارد الأعضاء الحيوية من جثة أحد مقاتلي النظام ويظهر وكأنه يعضّ قلبه.

حوّلت الصحافة العالمية جريمة حرب هذه إلى مرجعية وذلك رغم عدم تمتع أبي صقار بأي احترام في صفوف رفاقه .يقول أحد رفاقه الذي فضل أن تظل هويته مجهولة: “إنه يتصرف كالأطفال وكالمجنون. هو يحب الكاميرا كثيرا وهذا يفسر ما حدث جزئيا، غير أنه لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار المجازر التي شهدها أبو صقار منذ البداية وما رآه قبل أن يتصرف هكذا”. ويتابع: “تم تسجيل الفيديو في منتصف شهر آذار/مارس. كان رجالنا قد شنوا حملة لاسترجاع بابا عمرو وذهب أو صقار مع 50 رجلا آخر وكلما تقدم كان يترك خلفه بعض المجموعات الصغيرة حتى لم يبق معه إلا 3 مقاتلين. فتشوا ملابس أحد الشبيحة الذي كانوا فد قتلوه خلال الاشتباكات وعثروا على جواله. كان فيه تسجيل مرعب سبب ذلك التصرف”.

وفي مقابلة مع مجلة (تايم) يعترف أبو صقار نفسه بأن الفيديو الذي عثر عليه هو ما جعله يقوم بالتمثيل بالجثة ، غيرأنه لم يعط تفاصيل عن محتوى الفيديو. وحسب أحد رفاقه، “كانت هناك ثلاث نساء في غرفة: أم وبنتاها المراهقتان. كان أبو صقار يعرفهن لأنهن جاراته في بابا عمرو. كن عاريات وكان أحد الجنود يغتصبهن وهن يرجون له أن يتوقف. وبعد قليل أعطى المصور جواله لرفيقه وبدأ يغتصبهن بعضوه وبعصا. كان هو نفس الرجل الذي كان يخبئ الجوال”

لاشيء يبرر تدنيس جثة، ولكن درجة البشاعة التي استشرت في سوريا تساعد على فهم تصرف أبي صقار، رجل في الثالثة والعشرين من عمره كان يعمل في البناء في بابا عمرو وكان بين أول المشاركين في المظاهرات التي أشعلت الحي وبين أول المدنيين الذين تسلحوا لحماية المنطقة من الهجومات العسكرية.

كان سلوكه التهديدي، والمتصارع والراغب في الخروج في وسائل الإعلام يميزه منذ البداية عن الناشطين والجنود المنشقين. وبمرورالوقت، أصبح مقاتلا لا يخاف من كونه على جبهة المواجهة. ولذلك، لم يغادر بابا عمرو (وأصيب خلال الانسحاب) إلا بعد سقوط هذا الحي في أيدي النظام وذلك بعد شهر من القصف الوحشي. وهو مؤسس كتيبة عمر الفاروق المستقلة بعد انشقاقه من كتائب الفاروق.

رفاق خالد الحمد، المعروف بأبي صقار، في حالة استياء، ليس فقط بسبب الصور التي أصبحت منسوبة على كتيبتهم والثورة السورية بأكملها، بل بسبب ما يسمونه النفاق الغربي حيث تثير صورة شخص يدنس جثة ويظهر وكأنه يعض قلبه نفورا أشد مما تثيره ركام جثث الأطفال، وهذه للآسف صورة يمكن توثيقهاشطل عادي في سوريا.

يشرح رفاقه إن “هذا عمل فردي لا يمثلنا. هو قام به دون استشار أحد ولما عرفنا عن الموضوع طلبنا منه ألا يقوم بأي عمل مشابه”. وقد جعله ولعه بالكاميرات والجدل الذي أثاره عمله يسجل فيديو آخر يؤكد فيه أنه مستعد “للخضوع إلى المحاكمة بسبب أعمالي على شرط أن يتم محاكمة بشار الأسد وشبيحته على البشاعات التي ارتكبوها. رسالتي إلى العالم هي التالية: إن لم  يتم إيقاف إراقة الدماء، فستصبح كل سوريا نسخة عني “.

ويذكر أحد رفاقه إن “هذا النوع من التصرفات ممنوعة في كل قانون إنساني أو ديني”. ويقول آخر: “لقد تصرف كالمجنون غير المسؤول”. ويضيف آخر إن يحيى وهو أخو أبي صقار، قتل في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 لما كان يحاول إنقاذ امراة كانت قد أصيبت بنار أحد قناصة وأصيب هو بدوره. وقد فقد أبو صقار 25 قريبا خلال الحرب.

ويضيف ناطق باسم لواء الحق، إحدى الحركات الأكثر نشاطا في محافظة حمص إن “هذا الأمرغير مقبول بالمطلق ولكن من غير المقبول أيضا درجة نفاق الإعلام الغربي والمجتمع الدولي اللذين ينشران صورة كريهة عنا ويتجاهلان مجازر مثل مجزرتي بانياس ورأس النبع ويركزان على فعل فردي ونادر. هناك مئات الفيديوهات التي تظهر البشاعات التي يرتكبها موالوا النظام. إن استمرارالوضع هكذا سيأتي بالآلاف مثل أبي صقار”.

يشعر المقاتلون والناشطين الذين تحدثنا معهم بالإهانة بسبب عدم بث صور البيضا في بانياس وهي المنطقة التي شاهدت مجزرة في أوائل مايو والتي أدت إلى هروب المواطنين. تم ذبح مئات المدنيين، الأرقام تتراوح بين 200 و400، من قبل الميليشيات الموالية للنطام والتي يقودها أحد المدافعين عن التصفية الطائفية، كما يثبته ميراج أورال، وهو قريب من نظام الأسد، في هذا المقطع. ولكن لم يثر ذلك اهتمام الإعلام. وكأن صور الرجال والنساء والأكفال المتراكمين (بعضهم تظهر عليهم آثار السكاكين، وهناك أطفال تم بتر أعضائهم، وأطفال محروقون وجثث تم تفجير جماجمهم) لم تكن مناسبة لمعاييرالصحافة العالمية. “قالوا لنا إنها بشعة جدا للجمهور الغربي” يشكو أحد الناشطين له علاقة بالإعلام العالمي.

 يحاول أبو خالد، عضو في كبيتة الفاروق المستقلة والذي يعتبر نفسه صديقا لأبي صقار، أن يشرح (“وليس نيتي التربير) ما حدث. “لقد قمنا بكل تأكيد بفعل غير مقبول ولكن لا يمكن أن يقارن بآلاف الجرائم البشعة وغير الإنسانية التي ارتكبها النظام. العالم أجمع، وهومان رايتس واتش، والأمم المتحدة كلهم يقولون: “أه، انظروا إلى الجيش الحر كيف يتصرف كالوحش”، ويقولونها وهم يغضون النظرعن كل جريمة يرتكبها بشار الأسد في كل ساعة”.

ورغم أن هكذا تصرفات يقوم بها “رجل مجنون وغير مؤدب”، كما يتفق الجميع، لا يمثل كل الثوار السوريين، يصرّ الناشطون والمقاتلون على أن العنف على الأرض يساعد على فهم سلوك بعض عناصر من الميليشيات. ويقول أبو يوسف من منطقة القصيرالتي يقاتل فيها نفس العسكري الذي انتزع قلب الجندي، عبر الهاتف: “لا أريد أن أعذر أبا صقار عن ما فعله لأنه فعل غير مقبول”. لم يعد يريد أن يراه بعد معرفته بما حدث ولكنه أرسل شخصا لمواحهته باسمه. “لما قال له إن المجتمع الدولي أصبح الآن ضدنا، قال: فليعتذر المجتمع الدولي عما حدث لتلك الأم وبنتيها وحينئذ سأستسلم. فليحكموني بالإعدام إن استحققت ذلك ولكن لا بد أن يعتذرالمجتمع الدولي”.

ويصر أبو يوسف عبر السكايب: “السؤال الذي يجب طرحه هو كيف وصل هذا الرجل إلى درجة فقدان العقل. خلال الأشهر الستة الماضية كنا وما زلنا نرى كل يوم مشاهد تتجاوز حدود العقل. قبل أسبوع عثرنا على جثث 22 طفلا مع آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم. كان البعض قد قتل بالسكين والبعض الأخر قد تم تحريقه. كل يوم نفقد عدد من المدنيين في الجواجز، يتم قتلهم إما بالسكاكين أو بالأسلحة أو بالعصا… يحولوننا إلى مجانين، يضعوننا على أقصى حدود التحمل و لن يتوقف هذا الجنون بعد الحرب لأنها ستخلّف موجة من الانتقادات”.

يتفق خبراء علم النفس على أن الأشخاص الذين يتعرضون إلى مشاهد عنف شديد أكثر ميلا على أن يمارسوا العنف ضد الآخرين، غيرأنه ليس هناك برير لتصرف أبي صقار. للآسف أصبحت، ومنذ بداية الثورة، فيديوهات الاغتصاب، والتعذيب، وبتر الأعضاء ، والقتل بدم بارد مشاهد عادية غالبا ما نرى فيها جنود النظام أو الشبيحة. تركت فيديوهات قتل المدنيين في البيضا في بانياس أثارا شديدا على المقاتلين لأنه تم تجاهلها تماما في الخارج: ثلاثة قتلى في بوسطن أشغلت الأنظار عن المجزرة.

وشرح رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، في مقابلة مع مجلة (تايم): “لقد شاهدت مئات الفيديوهات من هذا القبيل. يقطعون الرؤوس والأقدام، والقلوت والآذان والألسنة. كما أنهم يبترون الأعضاء التناسلية. هذا ليس طبيعيا، ما يحدث غير إنساني”.

بعد أن أصحبت الثورة مسلحة منذ سنة ظهر نوع من المسابقة في الانترنيت هدفه بث صور من العنف الفاحش. يمكننا أن نرى عمليات قطع رؤوس وتحريق الأشخاص وهم أحياء، كما يمكننا أن نرى معتقلين قتلوا بالسكين وبترت أعضاؤهم بعد ذلك، وجثث مدنيين تم قتلهم بالطرق الأكثر قسوة… ومعظم تلك التسجيلات يقوم بها جنود أوعسكريون موالون للنظام كما يمكن استنتاجه من الصورنفسها. ويستعمل كل منهم لغة طائفية شبيهة باللغة التي كان يستعملها المقاتل الثائر في فيديو التدنيس.

“عندما يرى الناس هذه الأفعال البشعة وعمليات بترالأعضاء يترك ذلك ندوبا فيهم تسبب رغبة في الانتقاد. العين بالعين والسن بالسن. وفهم بعض المقاتلين في سوريا هذه العبارة بالمعنى الحرفي”، يشرح بيتير بوكارت، مدير الطوارئ في هومان رايتس واتش، والمسؤول عن التقرير الأصلي الذي أدان فيديو تدنيس الجثة. وقد طلبت هومان رايتس واتش من قيادة الجيش الحر في سوريا ومن الائتلاف الوطني أن “يتخذا الإجراءات اللازمة لكي يتم محاسبة المسؤولين عن جرائم حرب على أفعالهم ولتجنب أي انتهاكات مستقبلية من قبل أي شخص تحت أمرهم”.

وعلى الأرض، تعتبر كل من المؤسستين السابق ذكرهما دمى سياسية لا علاقة لها بأزمة لا يتأثرون بها لأنهم خارج سوريا. وبما أن كتيبة الفاروق لا تخضع لأي مجلس عسكري تالع للجيش الحر، فيمكن اعتبارها خارج سيطرته.

وإن تطول الصراع وعدم محاسبة من يرتكبون الجرائم في كل طرف بالإضافة إلى العنف المتزايد يقودون الجمهورية العربية السورية إلى المجهول المظلم. “أي شخص، وأعنى ما أقوله، أي شخص يمكن أن يصبح عضوا في الجيش الحر إن كان معه أسلحة. وتم توثيق حالات من ثوار مفترضين يستغلون عضويتهم في الجيش الحر كي يسرقوا في المخابز من أجل القضية، أوكي لا يدفعوا تعريفة التقل أو كي ينهبوا البيوت”، شرح محمد، أحد المقاتلين في حلب في شهر تشرين الأول/نوفمبر الماضي. ويضيف أبو أحمد، أحد الناشطين في حماه: “هناك ناس كثيرون، ليس لهم مبادئ، حصلت على الأسلحة ولا يمكن توقفهم”. وثم يتنبأ: “سوف نرى أكثر من هذه الجرائم لأن العنف قد اختطف الثورة”.

وتزداد التصرفات الإجرامية مع مرور الوقت، وقد تم وصف في صحيفة الغاريان ميل الكتائب الثورية إلى النهب، وهي ممارسات تم توثيقها في صفوف النظام منذ وقت طويل ويعرف عنها إنها كانت في بعض الحالت السبب الوحيد لشن حملات عسكرية. يعترف بعض علماء النفس الذين يعملون في منظمات غير حكومية بأن بعض الثوار صاروا ينسحبون من صفوف الجيش الحر مرعوبين بالطبيعة الإجرامية لممارسات بعض عناصرهم.

كان أبو أحمد خلال سنة هو المسؤول عن مركز صحفي في أحد المدن الرئيسية في شمال سوريا وعندما أصبح تعبان من التعامل مع الصحفيين (كان بينهم من ليس مهتما بمأساتهم بل بالحصول على خبر خاص)، قرر ترك نشاطه والانضمام إلى كتيبة ضد النظام. بعد شهرين، قرر ترك الميليشيا. “نحن نضيع البوصلة”، قال عبر الهاتف من شمال سوريا في مقابلة تشبه محاولة الترفيه عن النفس. “كان بعض رفاقي يأتون بأطفالهم إلى الاشتباكات ويدربونهم على استعمال الأسلحة. أحدهم كان يأتي بابنه الذي لا يتجاوزعمره ثلاث سنوات. أي جيل جديد هذا؟ ماذا سيحدث معهم؟”

ويذكر الناشك عمر شاكر، والذي كان مع أبي صقار في شوارع بابا عمرو خلال أكثر من سنة أن “هذا هو ثالث أو رابع فيديو من انتهاكات مرتكبة من قبل المقاتلين يتم بثه “. ومن بين الأسوأ سمعة هناك فيديو تم تسجيله في دير الزور، شرق سوريا، حيث يستلم طفل أوامر ذبح رجل موال للنظام. وهناك أيضا هذا الذي تم تسجيله في الرقة، حيث من يفترض أنهم موالون للنظام يتم إعدامهم من قبل المتطرفين. ويتابع “ولكن كل يوم تصل فيديوهات تظهر البشاعات التي ترتكبها الحكومة ولا يتم إدانتها. في مثل هذه الثورة التي تضم أعداد كبيرة من الجمهور، سيكون هناك دائما من يتصرف مثل المجنون ولكنهم لا يمثلون الحراك”.

يعتقد عمر أن أبا صقار يجب أن يحاكم على جريمته أمام محكمة دولية. “إلى من يمكن أن نشكو؟ نحن في ثورة غير منظمة وفوضوية ولا أحد ساعدنا كي نغير ذلك. خلال سنتين حمى المجتمع الدولي نظاما مجرما في حين كان الناس يتسلحون للدفاع عن أنفسهم. كل سوري تقريبا فقد شخصا في هذه الحرب. أبو صقار لا يمثل أحدا ولكن أحشى أن نرى أكثر من أبي صقار واحد في سوريا”.

وفي غضون ذلك، في محافظة حمص، يشعر أبو يوسف بالحزن الشديد ويشرح كيف سقوط القصير والقرى ال20 المجاورة في أيدي النظام أمر حتمي حتى ولو لم يتطرق الإعلام إلى الموضوع. “هذا أمر أيام وليس أسابيع. هناك 40.000 مدني محاصر نحاول إخراجهم شيئا فشيئا. وكل يوم يقتل بعضهم خلال عملية الخروج”.

يؤكد أبو خالد، ومعه آخرون، أن العنف الطائفي الذي يشجعه النظام في دمشق قد اختطف الثورة منذ وقت طويل. “أصبح الوضع خارج السيطرة ويشعرمن أشعل الثورة بالوحدة، وأن المجتمع الدولي والمعارضة السياسية قد تركانا، خاصة الأخيرة التي تعقد اجتماعات كل يوم كي لا تفعل شيئا في حين يقوم الطيران والمدفعية بقصفنا بشكل يومي و يدخل السبيحة القرى مدمرين كل ما يجدونه في طريقهم، الأغنام والحقول الزراعية أيضا”.

ويضيف: “لقد تجاوزنا الخط الفاصل بين الإنسانية  والوحشية. لا أفهم كيف ولكن أصبح أبو صقار وحشا لا تهمه جرائم الحرب. وقد تحدثت مع الكثير من الناس عن هذا الموضوع وكلهم يقولون نفس الشيء: خراء على المجتمع الدولي. لا يساعدوننا، لا يدافعون عن أهالينا، لماذا نهتم بما يعتقدون؟ كم طفلة تم اغتصابها؟ كم طفل تم إعدامه؟ ماذا فعلوا لتجنب موت واحد فقط؟ كم فيديو يظهر تلك الجرائم تم بثه؟ كم مرة تم إدانته؟”

وحسب أبي خالد فإنه فقط في المناطق المحيطة بالقصير يقتل ما بين 15 و30 مدنيا كل يوم. ويقول بأسف عبر الهاتف: “هذه عملية إبادة جماعية، يقوم النظام بتطبيق سياسة الأرض المحروقة ونفس ما شاهدناه في بانياس يحدث كل يوم في حمص وأماكن أخرى في سوريا. لقد بدأنا الثورة ونحن نطالب بالديمقراطية، والتسامح والمساواة ولم نحصل إلا على أن نكون متساويين في الموت. يتم قتلنا كلنا: رجال ونساء وأطفال وشيوخ.

 


لجزء السادس والأخير من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

وجه نور مغطى بالعلم السوري, حمص, ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

حمص.- من النساء الأكثر احتراما من جانب أهالي حمص تذهب دون أن يلاحظها آحد. قصيرة القامة, حياءها يظهر من خلال صوتها الذي يأخد شكل الهمس ومؤكدة بهذه الابتسامة الخجولة كلما ذكر أحد الدور المهم الذي تلعبه في هذه الثورة. “هي بطلتنا”, يقولون عنها. لكن هي تشتت النظر وتحوله  إلى الأرض في حياء واضح. لكن كسبت الاعجاب الغير مشروط وشامل من قبل الرجال العرب ولكونها امرأة فهو حظ كبير لن يحظى به إلى القليلات من الشجعات وبدون شك نور الحمصي هي منهن.

ثلاثة هواتف محمولة ترافقها لا يتوقفون عن الرنين حول الوضع في المدينة, طلبات مساعدة أو طلب نصائح حول تنظيم وتوزيع الطعام حتى إرسال مواد طبية.” هي روح هذه الثورة, إذا إعتقلت فستكون نهاية مدينة حمص”, يقول لنا أحد رفقائها.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

وعندما نور تجد الثقة الكافية لشرح قصتها, نفهم عندها لماذا تولد هذه الهالة من احترام الذين من حولها. هي تقف خلف المظاهرات, هي التي تنظم الشعارات واللافتات, توزيع الفيديو والتنظيم الشعبي في حمص وهي التي تمنع تحول هذه المدينة والذي يبلغ عدد سكانها مليون ونصف محاصرون ومهاجمون منذ عدة أشهر من طرف الجيش, بأن تعاني نقصا في ما يلزمها.

“ولماذا أطلقنا هذه الثورة؟ لأننا هنا في سورية لا نستطيع فتح أفواهنا إلا لتناول الطعام”, تشرح لنا بهدوء.”لا يسمحوا لنا حتى التنفس, لا يوجد حرية, بشار مجرم مثلما كان والده وقد حان الأوان أن يذهب”, تقول لنا في أحد المكاتب في حمص محاطة بناشطين آخرين حيث أنهم يعاملونها بطريقة مختلفة تظهر مدى أهمية هذه المرأة التي تحمل البكالوريوس, عمرها 31 سنة وقد قررت وضع نهاية على عملها من أجل الانخراط الكامل في الثورة التي طورت التاريخ السوري.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إلهامنا بزغ من تونس”, معترفة بذلك بعد أن تناولت جرعات من كأس الشاي. في مقر عملها في منظمة عالمية والتي تفضل عدم زكر اسمها وذلك لوضع أمني. بدأت توسع فكرة اعادة التجربة التونسية بين رفقائها الذين يشاركونها هذا الطموح الديموقراطي. “كنت أفعله بصوت عالي وبدأت أيضا نشر هذه الفكرة الثورية في الجامعة وكثير من الناس كانت لهم نفس الفكرة. تكلمت بهذا مع كل أنواع السوريين بما فيهم صديقاتي العلويات, شارحا لهم عن حاجتنا جميعا إلى الحرية. الأسد سوف يذهب, لكن نحن باقون.”

نور تعترف بأن إنتسابها الإجباري لحزب البعث كان مرغما لجميع السوريين الذين يرغبون الالتحاق في بعض الكليات الجامعية أو الحصول على عمل في الحكومة, هذا الانتساب ساعدها على ابعاد الشبهة عنها. وبنيتها البريئة كان له أكبر الفضل. لكن بدون شك كانت هي وراء الدعوة بواسطة فيسبوك إلى أول الاحتجاجات في دمشق, والذي قال عنها النظام أنها نظمت من قبل لبنانيون في بيروت لا يتعاطفون مع النظام ولأجل تهديد استقرار بشار. الحملة الأمنية الذي أطلقها النظام كانت كبيرة جدا ولهذا انتهت بالفشل: وإن الأفراد القليلة من المتظاهرين الذين لبو الدعوة لم يستطيعوا التجمع أبدا لأنهم علموا بأنهم سوف يعتقلون.

كان اليأس سيد الموقف ومن كثرة الألم الذي شعرت به فكرت اشعال النار في جسدي مثلما فعل بوعزيزي حتى أكرر ثورته. لكن الثورة تفجرت في درعا لحسن حظي و التغيير طرأ ليس فقط على حياة نور ولكن على جميع سورية.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

في مدينة درعا الجنوبية, في أوائل شهر مارس (آذار) مجموعة من الطلاب طرأت لهم فكرة تقليد جيرانهم التونسيين والمصريين فكتبوا على جدران مدارسهم عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام”, هذا الشعار الذي حرك تلك الثورتين. ألقي القبض على هؤلاء الأطفال المراهقين, فخرجت عائلاتهم وجيرانهم إلى الشوارع طالبين إطلاق سراحهم. النظام قابل هذه الجرأة في الاحتجاجات بعنف, وكلما زاد اطلاق الرصاص على المحتجين زادت عمليات المشاركة في تأبيين الشهداء والتي تحولت سريعا إلى مظاهرات. الأطفال المراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و 15 سنة, في النهاية, أفرج عنهم, بعد تعرضهم للتعذيب, والمظاهرات التالية طالبت النظام محاسبة المسؤلين. فما كان من الجيش إلا أن دخل درعا وحاصر الجامع الذي كان مصدر خروج المظاهرات. في سورية غير مسموح قانونيا تجمع أشخاص إلى في الأماكن المخصصة للعبادة, وبدأ بهجوم دموي. مشاهد الأهالي وهي تخرج مع ارتفاع عدد الضحايا الذي امتد إلى كل البلد, بدأت مظاهرات التأييد لمدينة درعا مطالبين وقف الحصانة والفساد.

كان هذا أصل الثورة, ونور عرفت كيف تنشرها. “في بادئ الأمر, الناس كانوا خائفيين. بدأنا بمجموعة من عشرة أشخاص – اربعة رجال وستة نساء- بهدف توعية الآخرين: كل واحد كان ينشر الثورة إلى 20 شخصا, واذا حسبنا أن هؤلاء سيفعلون نفس الشيء الذي قاموا به. فلو أن أحدا قبض عليه كان من غير المحتمل أن يستطيع الوصول إلى الباقين”. الأمن في دولة ديكتاتورية مثل سورية والتي تملك خمسة عشرة فرع للأمن من مهمتهم كبت أي إشارة لمعارضة سياسية, وهذا يتطلب الأخذ باحتياطات كثيرة. كثير من الأهالي, تقول نور, كانوا يأتون ليسلموننا مساعدات. “نريد المساعدة ولكن سرا. ارسلوا هذه المعونات إلى درعا”, كانوا يقولون, سلموا هذه البطانيات والأغذية. “لم يكن بالإمكان فعل ذلك, كانوا محاصرون من قبل الجيش. لكن قررنا الحفاظ على هذه المساعدة واستعمالها عند حاجتنا لها في حمص.”

حمص. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

المظاهرات توسعت ومعها القمع. نور الحمصي عرفت منذ البداية  أن الثورة السورية سوف تكلف ضحايا أكثر بكثير من تونس أومصر. “لقد كنا نعلم أنه سيموت ناس كثيرون و أكثر من الجرحى, ولهذا تعلمت منذ البداية شكرا لانترنت كيف نحمي أنفسنا من القنابل الدخانية, كيف تصنع الكمامات, وفوق كل ذلك ركزنا على المسائل الطبية. وكثير من المهنيين دربوا وشكلوا ناشطيين كثيرين على المساعدات الأولية ووزعناهم على المدن لكي لا يبقى ولا حي واحد إلا و له حماية”. الشابة السورية تقدر عدد الذين شكلوا ودربوا بحوالي 900 شخص في مدينة حمص وحدها.

“في بادئ الأمر كان اسعاف الجرحى يضعهم موضع الخطر, لم يكونوا بعرفون عن الكيفية الآمنة وخوفهم من الطلقات النارية كان يجعلهم يتصرفون بأي طريقة: أما الآن فهم يعرفون كيف ينقلون الجرحى إلى المستشفى بدون أن يلحقه أذى”. وحسب نور إن هؤلاء العاملين الصحيين المؤقتين يعرفون جيدا كيف يفتحون طرق وكيف يغلقون ويخيطون الجروح.

هذه الشابة ومجموعتها عملوا على امتلاك طاقم من وسائل الاسعافات الأولية ووزعوها في كل مدينة حمص وضواحيها. “مواد طبية للاسعافات الأولية وحليب للأطفال, لأننا كنا نعلم الحاجة الماسة لهذه المواد في درعا”. وتجربة هذه المدينة الجنوبية حملهم على تخزين أدوية من الصيدليات والاتصال مع أطباء في عياداتهم الخاصة ليضعوا ما لديهم تحت تصرف الثورة.

وفي الثامن من أبريل, خرج المواطنون في حمص إلى الشوارع كل يوم جمعة كان يخرج آلاف الأشحاص إلى الشوارع مطالبين إسقاط النظام. نور وطاقمها كانوا يتكفلون بتحضير الشعارات وصنع اللافتات وابتكار الشعارات التي يهتف بها الناس وكان القمع يلاحقهم في كل يوم جمعة بالنار.

دبابات في أحد نقاط التفتيش العسكرية التي تحيط حي باب عمرو في حمص, سورية. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية).

وفي اليوم السادس من شهر مايو أحاط الجيش المدينة و كانت بداية الحصار العسكري والذي كان يخفف لفترات معينة, حتى شهر رمضان, عندما وجدوا عدم استطاعتهم القضاء على الاحتجاجات اتخذوا اجراءات أقوى. عشرات من الدبابات أغلقوا كل المداخل جاعلين من المستحيل الدخول أو الخروج بدون اذن من الجيش. ومئات من مراكز المراقبة العسكرية تتحكم في الطرقات مطلقين النار على كل سيارة تحاول استعمال هذه الطرق.

منذ بداية الثورة في حمص وضواحيها سقط 2113 ضحية (شهيد) وحتى 22 ديسمبر بشكل إحصائي وموئف. “هذه أرقام لجثث قمنا بتصويرها وتحديدها مع إثبات هوية كل منها, لكن يوجد الكثير من المدفونين في حدائق وخاصة في الأماكن المحيطة, ولا نعلم عددهم. هذا بالإضافة أن الجيش إعتاد خطف الجثث والجرحن ولا نعلم ماذا حل بهم. عدد المفقودين كبير جدا”, يقول أبو هنين أحد الناشطين الذين يعملون مع نور.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إحتاطاتنا من الأدوية بقيت قليلة وكان من اللازم البحث عن حل”, تتابع هذه الشابة, طلب من الصيدليات أن يقوموا بطلبيات إلى صيدليات أخرى في غير مدن من البلد وبطريقة رسمية, متطوعين من حلب ومن دمشق قاموا بطلبيات إلى شركات صيدلانية طالبين منهم التسليم في حمص: وهي طريقة الحصول على إمدادات وبصورة قانونية, بالإضافة أنهم إستطاعوا رشوة الجنود في المراكز العسكرية على أن يغضوا النظر عندما تمربهم هذه الإمدادات. “أحيانا تكون الرشوة طعام فقط, لأنكم لا تعلمون الحالة البائسة التي يعيش فيها جيش بشار الأسد”.

وكلما زاد ضغط الحصار إزدادت الصعوبات للحصول على الإمدادات ولهذا سافرت نور إلى البلد المجاور لبنان حتى تنظم دخول هذه المواد وبشكل خفي ومستور. ومن أجل إدخالها إلى المدينة في البداية إستعملوا سيارات بداخلها نساء, لكن خلف إعتقال إحداهن وضبط معها الأدوية التي كانت تحملها في صندوق السيارة وحجزها المدة شهرين, قرروا تغيير الطريقة. نور قامت يتهريب إمدادات ونقود على الأقل 20 مرة.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

كانت نور وراء إنشاء المستشفى الميداني في باب عمرو وبالتأكيد هو الحي الأكثر معانات في حمص. “حصلنا على حمالات عن طريق وسطاء الذين كانوا يشترونها مستعملة من المستشفيات العامة مقابل مبالغ كبيرة من المال” إستفادوا من الفساد من أجل إقامة من لا شيء هذا المستشفى. وهو لايزال المركز الطبي الوحيد في باب عمرو, والذي يبلغ عدد سكانه 28.000 شخص وهذا قبل القمع الذي حمل بعضهم إلى الهرب.

خلال أسابيع نور كانت تحتل مكان في سيارة الإسعاف في حمص وتؤكد لنا أنهم في عدة مرات كانوا عرضة للطلقات النارية من طرف النظام: وفي إحدى المرات أطلقوا النار على سيارة الإسعاف من أربعة جهات مختلفة, واحد من رفقائها مات في الحال, واثنين جرحى.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

لم تكن اللحظة الأخطر التي تعرضت لها منذ أن بدأت الثورة. بل إن أسوأ ذكرى مدرت بها كان لحظة إعتقالي, قضيت خمسة ساعات معتقلة في مركز أمني داخلي معروف تحت الإستجواب. “سألوني عن خمسة أسماء, هذه الأسماء الخمسة هي أسماء مستعارة كنت أستعملها منذ أن بدأت الثورة. أقسمت لهم أنني لا أعرف هؤلاء البنات ولم أتورط في أي نشاط معاد للنظام”, كان من المحتمل أن أقضي عدة شهور في السجن, لكن إحدى الشبكات بدأت تتحوك حتى الحوصول على المال الكافي لشراء حريتي”. إنها قيمة بالنسبة لنا وليس فقط بما يتعلق بنشاطاتها بل المعلومات التي تحوز عليها: هي تعرف جميع الأسماء الحقيقية لجميع الذين يعملون منذ بداية الثورة”, يشرح لنا أحد الناشطين.  أحد الموظفين الحكوميين في دمشق قبل المال وأصدر الأمر لإخلاء سبيلي. “لم أعرف مطلقا الكمية المدفوعة”, تضيف الشابه.

طابور الخبز حمص, ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

ومن بين نشاطاتها الرئيسية, توزيع الأطعمة على المدنيين والجنود المنشقين, الإتصال مع وسائل الإعلام العالمية, وحديثا إصداد مجلة “سوريا الحرية, توزع في حمص واحدة من كثير من وسائل الإعلام الأهلية التي بدأت بالظهور مشجعة بالثورة. لكن منذ بضعة شهور نجدها تركز على توثيق جرائم النظام. المنظمات عالمية لحقوق الإنسان والذي منع النظام دخولهم إلى سورية.

ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

عائلتها ليس فقط لاتعارض نشاطها داخل الثورة السورية بل تشجع نور على متابعة عملها “أشقائي يشاركون أيضا في المظاهرات, الصغير فقط يحضر والأكبر منه 22 عاما يعمل هو وأصدقائه للبحث عن مخرج آمن يسمح للناس الهرب من القمع العسكري ” .لهذه الشابه ليس هناك عودة إلى الوراء. “فقط لدينا خياران: النصر في هذه الثورة أو الموت على أيدي النظام”.


الجزء الخامس من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

يهم محمد الدالوب، وهو  عامل في الثالثة والعشرين من عمره،  بالغناء جاثماً على منصة. يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء.

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” بهذا يفسر الدالوب الدافع لمتابعة المسيرة.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: أمان دوغان

مغني حي بابا عمرو في حمص أثناء مظاهرة (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

جاثماً على منصة، يهم محمد الدالوب،وهو عامل في الثالثة والعشرين من العمر يرتدي قميصاً حمراً، بغناء نشيداً أصبح معروفاً لدى مئات الأشخاص اللذين يشاركون يومياً في مظاهرات بابا عمرو في مدينة حمص السورية. “يالله إرحل يا بشار. ما تفعله سيئ. دع سوريا وشأنها” يردد وراءه جوقةٌ من الرجال والنساء والأطفال ويبدأون بالرقص على قرع طبل محمد درموش، وهو دهان في الثالثة والعشرون من العمر، كما لو أنهم في حفلة. ولكن حفلةٌ كهذه، كما هي الحال في باقي أنحاء سوريا، غالباً ما تنتهي بحمام دماء لأن قوات الأمن تحاول منذ حوالي التسعة شهور اسكات الأصوات المنادية للحرية.

جمع من الشباب في مظاهرة في بابا عمرو،حمص. كانون الأول 2011 (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

عادةً ما تبدأ المظاهرات في سوريا بالموسيقى وتنتهي على وقع الرصاص. في كل حي من أحياء حمص، المدينة المحاصرة منذ 5 شهور، تقام مظاهرات ليلية مناهضة للنظام. لم تعد المظاهرات عفوية كما كانت عند بداية الثورة فكلٌ منها لديها مغنيها الثوريين كالدالوب أو زميله زاكية أحمد، عامل في الثاني والعشرين من عمره، اللذين يقضون ساعات النهار برفقة درموش لتأليف والتمرن على الأغاني الثورية التي سيلقونها في المساء.

يفسر أحمد: “في البداية كانت الفوضى عارمة، وكان الثوار يرددون شعارات دون تنسيق. ولكن تدريجياً بدأنا نبحث عن صاحب أفضل صوت وأقواه لكي تكون أصواتنا حافزاً للناس”. هكذا ولدت فكرة تعين مغنين للمظاهرات، تكون وسيلة بديلة  لهم للقتال من أجل الحرية. و يكمل:”أنا أطالب بحقوقي بالصراخ. أغني للحرية إنتقاماً من جرائم الأسد”.

متظاهرون يغنون ويرقصون في حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

“عندما تقرع الحرية على الباب، يختفي الخوف” هكذا يفسر الدالوب إستمرار الاحتجاجات رغم القمع. بالنسبة لهؤلاء الشباب، وظائفهم الجديدة، النابعة من حاجات الثورة هي أكثر من مجرد هواية.”قبل الثورة،لاستحالت تلك المقابلة. بل وحتى لقائنا هذا لكان إنتهى بنا في الاعتقال.يمنع علينا النظام أن نقيم الخيم.أما الأن فأصبح من المستحيل أن لا ننزل إلى الشوارع”. و يوضح الدالوب “كيف لنا إن ننسى طعم الحرية بعد أن ذقناه؟” يوافقه درموش الرأي:”نعيش في سجنٍ كبير. وأخيراً تغلبنا على الخوف. الأن نستطيع أن نتكلم بصوتٍ عالٍ، لنثبت اننا بغنى عن بشار، وننشد اكرماً لحماة”

مجزرة حماة في الثمانينات عندما سحق النظام ما سماه بالتمرد الإسلامي و التي وقع ضحيتها ما بين  10.000 و 20.000 حسب التقديرات المختلفة  لم يكن لديها صداً قوياً خارج سوريا بسبب قلة الصحفيين وإنعدام الانترنت والهواتف النقالة. أما بالنسبة للسوريين ما تزال كجرحاً مفتوحاً، ومثالٌ على ما يمكن أن يفعله النظام ليفرض طاعته. والظهور النسبي لما يحصل في سوريا بفضل الشبكات الإجتماعية والسوابق التي خلقتها بقية الثورات العربية يمثلون أكبر دافع للإستمرار حتى الوصول إلى الحرية. لذلك يارون “أن لا عودة إلى الوراء”.

يشكل مغني الأغاني السياسية ظاهرة جديدة نابعة من الثورة وهي اخذة في التطور. فقد نجحو في إنشاء شبكة عبر الفيسبوك  للتواصل  والتنسيق في ما بينهم على طول مساحة سوريا فيتبادلون المعلومات عن المظاهرات ويتفقون على الشعارات وعلى كلمات الأغاني.

منزل مدمر جراء القصف على حمص. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

كما هي الحال في بقية حمص، يعاني هؤلاء الشبان الثلاث من عواقب وخيمة بسبب مشاركتهم في الثورة: هجوم بسلاح ار بي جي على منزل محمد أدى إلى حرق يداه ومقتل صديق له. أما محمد درموش فاعتقلت قوات أمن الأسد شقيقه.”أصابوه في ساقه واعتقلوه. وقالوا لنا أنهم لن يتلقوا سراحه إلى أن أسلم نفسي. اعطاهم الجواسيس إسمي، مع أنهم يستطيعون التعرف علي من خلال أفلام الفيديو. وكلنا محامي، ولكن كل ما إستطاع فعله هو أن يزوره. ومن خلاله أوصاني أخي “لا تتوقف عن التظاهر والنزول إلى الشوارع، لا تقلق، سأكون بخير”

يؤكد زكيه أحمد إبن الثانية والعشرون ربيعاً “حتى الذين لا يشاركون في المظاهرات يموتون في بيوتهم.أفضل الموت وأنا أطالب بحقوقي على أن أموت صامتاً” المخاطرة كبيرة فوجوه الشبان الثلاث أصبحت معروفة لانتشار التسجيلات على صفحات الانترنت منذ أشهر.

يضيف درموش “لو اعتقلوني لقطعوا رأسي” يختلف معه الدالوب “بل يقتلعون حناجرنا”  مذكراً بحالة ابراهيم القاشوش الشهيرة. وهو من كان يحمس المتظاهرين في حماة إلى أن تم إلقاء القبض عليه وإستئصال حباله الصوتية. وحالة خالد إكرهيد مشابهة إلا أنه كان من حي باب هود في قلب مدينة حمص. اعتقلوه وعذبوه “أعادوه إلى عائلته جثةً صعب التعرف عليها من كثرة التشويه”.

كل ذلك لم يردعهم من المتابعة في تحميس المتظاهرين بأصواتهم وقرع طبولهم. كما يقول محمد الدالوب “عندما ترى الجرائم التي يرتكبها النظام، لا تستطيع أن تبقى مكتوف اليدين متحسراً. عليك عمل كل ما تستطيع لإيقافه. وعندما لا تستطيع فعل

شيء بيديك،إستعمل  لسانك لتندد، وإن لم تستطيع فاستعمل قلبك. نحن نغني من قلبنا: يا بشار ما تفعله خاطئاً، إرحل ودع سوريا بشأنها”.

طفلة من حمص في مظاهرة. كانون الأول 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية


الجزء الرابع من سلسلة “تقارير من سوريا” التي أجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

المصدر الوحيد للصور من سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطن حتى تستعمل في انترنت ونشرها إلى كل العالم.

مواطنين مثل بلال حسين, عيد أبو صالح وغيرهم كثيرون تعلموا بأنه بدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. هذه هي قصتهم .

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

أحد المواطنين يقوم بتصوير القصف على منازل الأهالي في مدينة حمص. (صورة من يوتوب)

الصور التي افتتحت بها قناة الجزيرة أخبارها مساء الاثنين الماضي كانت مريعة بشكل صريح. عدة من الأهالي راقدين في الشارع الضيق لباب عمرو الذي قصف حديثا من قبل المدرعات. كلهم أموات, واحد منهم رأسه مفتوح, آخر فارق الحياة قابع بجانب الجدار, و واحد ممددا في الشارع وحوله بركة كبيرة من الدم, فيما بعد مشاهد المدرعات وهي تقصف المدينة, يعطينا فكرة واضحة عن أبعاد هذا الإعتداء, بعدها بلحظات مشاهد عن المستشفى الميداني في حمص والذي أخمد همة المشاهدين العرب.

YouTube Preview Image

صاحبة هذا الريبورتاج الصحفية مونيكا بريتو مراسلة الصحافة الإنسانية برفقة أحد المواطنين في حمص يتجنبون طلقات جيش الأسد عندما كانوا يحاولون عبور الشارع والذي كان يطاردهم بنار من قبل القناصة والجنود. هذا الفيديو صور خلال عيد الميلاد 2011 من قبل إحدى كاميرات المواطنين.

في المكاتب الذي يعيش فيها الصحفيون المواطنون في باب عمرو حيث يشاهد بإنتباه الأخبار العالمية وليس فقط للحصول على معلومات بل ليتعلموا من أخطائهم. “أحسنت يا بلال”, هذا كان التعليق على أول فيديو بينما كان صاحبه قبل ساعتين مصدوم لرؤية المجزرة, أما الآن فيشاهدها ببرودة الجراح. “لاحظ عيد مشاهدك للمدرعة” وعيد الذي لا يزال يتألم من قدميه من جراء جريه طوال اليوم ليلتقط الصور التي تبين قمع الجيش السوري ضد الحي الذي يسكن فيه ويبتسم عندما يتعرف على صوته من خلال الفيديو. حسين قضى كل اليوم في المستشفى لكنه يرى معوضة ساعات من التصوير مقابل ثواني من عرضها في الأخبار, وكما يحصل مع أبو صالح الوجه المعروف لباب عمرو وهو المواطن الوحيد الذي إختار اظهار وجه من أجل أن تحظى القنوات العربية لمراسل فوق الأرض مباشرة.

YouTube Preview Image

المدرعات تطلق النار في حي باب عمرو, حمص, 26 ديسمنر 2011 (فيديو محمل على اليوتوب من قبل SyrianSolidarity)

المصدر الوحيد للصور في سوريا هي التسجيلات التي يقوم بها المواطنين لتغذية وسائل الإعلام الدولية. هؤلاء المواطنون الذين اختاروا توثيق الثورة مستعملين انترنت لنشرها إلى كل العالم. عندما منعت دمشق وسائل الإعلام والصحفيين من دخول البلد لم يكونوا يتخيلوا أن خيال النشطاء سوف يعوض عمل الصحفيين. مواطنين مثل بلال, حسين, عيد أبو صالح, وغيرهم كثيرون تعلموا في الحال أنه بدون مخبرين لن يراهم أحد, وبدون دلائل مثبتة للقمع ليس لهم مصداقية من أحد. “لقد حدث لنا هذا في ثورة حماة عام 1982″, يشرح عيد. “لم يكن هناك صحفيين والناس لم تكن تملك آلة تصوير أو كاميرا ولا انترنت, فلم يعلم أحد بما جرى إلا بعد عدة شهور, ولهذا نعتبر أن الصور والفيديو هو السلاح القوي ضد بشار الأسد.”

YouTube Preview Image

قصف في باب عمرو يوم اليوم الثاني من عيد الميلاد . 26 ديسمبر 2011 (من قبل MsHotspeed)

عيد يؤكد أنه في بداية الثورة كان عليه أن يختار بين شراء سلاح أو فيديو كاميرا, فاختار الثاني. لم يصور في حياته أحدا سوى في المناسبات العائلية وبواسطة الهاتف المحمول, لكنه اجتهد في التعلم الذاتي والفضل يرجع إلى الانترنت بالإضافة إلى الصحفيون القلائل ومهنيون في التلفزيون الذين مرروا في باب عمرو, هم علموني أيضا بالإضافة إلى الجهد الذي كنت أضعه لأتعلم منهم. الآن تعلمت تصويرعدة لقطات من كل حدث والتحلي بالصبر حتى العثورعلى أحسن لقطة”.

في البداية لم يكونوا أكثرا من خمسة جيران الذين استعملوا كاميراتهم لهذا الغرض لكن بدأ عددهم يتزايد حتى وصلوا الآن إلى 12 صحفي مدني في هذا الحي. أناس ملتزمون في الثورة التي تحتاج إلى شيء أكثر من التظاهر. كل حي في كل مدينة ثائرة لها طاقمها الخاص من الصحفيين الأهليين الذين كرسوا حياتهم لإيجاد دلائل تثبت القمع الذي يمارسه النطام.

YouTube Preview Image

وصول امرأة جريحة بشكل خطير إلى المستشفى السري في باب عمرو, حمص. 22 ديسمبر 2011 (من قبل Live 19820)

“في منزلي كانوا يتكلمون عن اسقاط الديكتاتورية منذ أن كنت طفلا”, يشرح لنا بلال. “ولهذا استلزمت الخروج في المظاهرات منذ أن بدأت. في البداية كنت أنقذ الجرحى الذين تلقوا طلقات رصاصية من طرف النظام. لكنني كنت أرغب عمل أكثر من ذلك وكنت أفكر دائما أن العالم يجب أن يكون على اطلاع بما يجري. حينئذ التقيت مع عيد وأعطاني كاميرا سوني. هذه الكاميرا التي تحولت إلى رفيقتي الدائمة. لا أتركها ولا للحظة مكرسا حياتي لوضع الثورة السورية في القنوات العربية.”

ومنذ ذلك الحين يعيش بلال مع عشرة ناشطين / صحفيين في المعسكر العام داخل باب عمرو. عدة غرف حيث يوجد شاحنين البطاريات, الهواتف المحمولة مفتوحة دائما, عشرات من الحواسيب تتزاحم المكان مع منافض السجائر المليئة باعقابها وكاسات الشاي المنتشرة في كل مكان مع القهوة العربية.

YouTube Preview Image

القصف في العيد . بعض النساء و الأطفال يصرخون خلال سماعهم سقوط الصواريخ على الحي. 24 ديسمبر 2011 (من قبل 999mahony)

هذه المنظمة تذكرنا بوكالة أنباء. عيد يوزع كل يوم أصدقائه المصويرين الأهليين على المناطق مبتدأ بنفسه تاركا أخطر مهمة له بالذات, ويترك خمسة من أعضاء المجموعة مسؤولية الإتصال مع وسائل الاعلام العربية والعالمية لنشر كل المعلومات عن الوضع العام واحصائيات الشهداء والجرحى, يستعملون الهواتف المحمولة من أجل تنظيم حركتهم حسب تطور الأحداث.

بلال مثل الآخرين يستطيع التقاط خمسة إلى سبعة فيديو في اليوم, عيد علمني كل ما أعرف والباقي تعلمته من التجربة اليومية. لقد تعلمت عدم اقترابي كثيرا من الهدف ولقد كلفني كثيرا فهم أنني لا أستطيع عرض مشاهد قاسية جدا ومن الأفضل عرض عواطف وهذا شيء صعب في مكان مثل سورية حيث الأهالي يرفضون التصوير لخوفهم من التعرف عليهم وبالتالي القبض عليهم من قبل النظام ومن هنا جاء تخصص الصحفيين الأهليين في حمص إلى البحث عن منظر عام لكاميراتهم وبدون تمييز ملامح الوجوه.

YouTube Preview Image

امرأة تبكي وهي تداعب وجه زوجها الشهيد. (من قبل SyrianDaysofRage)

إذا كان لأحد الصحفيين حماية عبر الكاميرات مقابل الحقيقة التي يواجهونها, لكن هؤلاء الصحفيين الموطنين لا يضيف عليهم أية حماية على العكس تماما “لو وجدوني مع الكاميرا لقطعوني قطعا صغيرة ويعملون سلطة مع الباقي”, يقول بلال وهو يضحك بصوت عالي. “هذه الكاميرا تجعلني موضع المطلوبين من النظام لأن النظام يعتقد أنها سلاح تهديم شامل”.

عدة كاميرات يصورون مظاهرة من شرفة في حمص, سورية. ديسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

زميل له يتذكر كيف أنه في الهجمات الأولى للجيش في شوارع باب عمرو حجز الجنود على الكاميرات التي وجدوها.”امتلاك كاميرا أو بخاخ دهان ممنوع في حمص وهي جريمة امتلاك هذه الأشياء”, يقول لنا ذلك وهو يداعب كاميراته الحمراء.

YouTube Preview Image

باسل السيد يصور لحظة موته. 28 ديسمبر 2011 (من قبل syriapioneer)

وأن الخطر الذي يتعرضون إليه هو محتم. إن آخر العيون الثورية التي أغمضت بعيار ناري كان لباسل السيد, واحد من المصويرين في مجموعة عيد, كان يصور الثلاثاء الماضي في احدى نقاط التفتيش في مدخل باب عمرو عندما أطلق عليه القناص النار في رأسه.

باسل السيد

هذا اليوم كانت الهمة منخفضة جدا في مكتب الناشطون, لكن ولا واحد منهم شك ولو للحظة وضع كاميراته في جيبه والخروج مثل كل يوم إلى التصوير.

باسل السيد لم يكن الضحية الأولى التي عانت منها مجموعة المواطنين الصحفيين الاخوية والتي انبثقت في جميع سورية. عبد العزيزالنجار تلقى طلقة نارية في رأسه عندما كان يصور جنود سوريين معتليا أكتاف عيد وبمعجزة إلاهية بقي حيا وهو الآن يتلقى العلاج خارج سورية وهو في تحسن مستمر من جراحه الخطيرة. وأفضل صديق له إسمه أبو صلاح, عمره 26 سنة, منذ شهر تقريبا قرر الانضمام إليهم ليسجل بواسطة كاميراته جميع ما يجري من الحوادث واعطاء وجها واضحا للثورة.

المخبر المواطن أبو صلاح في مكتبه السري في حمص. دسمبر 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

اليوم وجهه صار معروفا في العربية, الجزيرة, وفي قنوات كبيرة عربية أخرى ينقل لهم من البيوت المهدمة بمدافع النظام, من الجوامع, حفلات تأبين الشهداء من المظاهرات يحمل معه دائما الكاميرا ومسلح بهاتف محمول فضائي, يعمل في نفس الوقت كصحفي حرب عن قناعة. “كنت من الأوائل الذين بدأوا بتصوير فيديو لأنني كنت أريد توعية الناس واطلاعهم على ما يجري في سورية. بدأت التصوير بهاتف محمول عندما كانوا كلهم خائفين حتى استطعت الحصول على كاميرا. الآن قررت تغيير العمل, يجب علينا تحمل مسوؤلية عرض ما يجري إلى الوسائل الإعلامية الأجنبية.

YouTube Preview Image

يوم عيد الميلاد. دبابات جيش الأسد يطلقون النار على حي باب عمرو. 25 ديسمبر 2011. (من قبل SyrianOgerm)

أبو صلاح نجى من الموت أربعة مرات.”مرتين اطلقوا علي النارعندما كنت أصور, ومرة ثالثة حاصروا البيت في حي الإنشاءات الذي كنت أقيم فيه ومرة أخرى هاجموا منزلي والسبب أنهم اكتشفوا موضعي عبر الفيديو الذي كنت أصوره”, يشرح لنا هذا قاصدا المخابرات السورية.”لقد فات الأوان, فهم يعرفون من أنا وإذا وجدوني أعلم أنها ستكون النهاية, لكن الثمن الذي يدفعه جيراني مرتفع جدا ويجب أن أكون على مستوى تضحياتهم”.

وهذا كان السبب الذي جعله يقرر الظهور ووضع وجه واضح للثورة. الآن كل سورية تعرفه كما أن كل البلد تعرف اسم محمد فرزال الجدبان, مصور أهلي من القصيرالذي اقتلعت قوات الأمن عينيه كرسالة مباشرة “يعذبون كل رجل يشارك في الثورة, لا أحد في مأمن في سورية“.

YouTube Preview Image

نخبة من أعمال المصورين  في باب عمرو حتى نوفمبر 2011

يوجد كثيرون بين الجرحى من المصورين وكثيرون قتلهم النظام لأنهم نشروا في انترنت الجرائم الذي يرتكبها الدكتاتورية, والغزل مع الموت دائم وليس دائما لبحثهم عن مقاطع لحوادث القمع والتعدي العسكري من قبل نظام بشار الأسد. يوم الإثنين بعد الظهر في إحدى عمليات القصف الشنيع ضد باب عمرو وقعت قذيفة فوق البيت المجاور للمنزل الذي يستعمله النشطاء, اهتزالبناء بشكل عنيف عندما كانوا معظمهم يحملون أشرطة الفيديو على انترنت في غرفة من الداخل وهي الأكثر حماية: الإنفجار صم الآذان وبشكل تقليدي أفرغت الصالة في الحال وعندما كانوا في المدخل بدأ عيد تنظيمهم. “هلموا أريد واحد في البيت المقذوف وأخر في الشارع, نحن بحاجة لتصوير أثار القذف من الخارج أيضا, ماذا تنتظرون؟

YouTube Preview Image

اليوم الثاني من أيام عيد الميلاد عدة مواطنين يرقدون في الشارع بعد قصف الجيش في باب عمرو (من قبل syrianOgerm)

والشيء الوحيد الذي يرونه صعبا هو الحفاظ على الهدوء والدم البارد أمام موت الجيران والأصدقاء. “البارحة تركت التصوير مجبرا”, يشرح لنا بلال “ففي القصف المدفعي على الحي وقعت خمسة ضحايا أربعة منهم أطفال في بيت من باب عمرو. “كانوا أولاد عمي“, لكن هذا لا يدعهم التخلي عن مرادهم. يخططون تحسين أجهزتهم. كاميرات التصوير , وبشكل دائم يعملون على تحديث المحافل في الشبكات الاجتماعية حيث يعلقون هناك التسجيلات التي يصورونها وبهذا يحافظون على إعلام الجميع.”بدون الكاميرات لم نكن نصل إلى ما نحن عليه الآن”, يقول عيد باقتناع.

مواطنين في حمص يعبرون الشارع تحت القصف الشديد من قبل جيش الأسد. ديسمبر 2011

“إن هدفنا هو أن يرى كل العالم ما يحصل في سورية بحيث أن لا يستطيع اغلاق عينيه وبحاجة ملحة أن يراه. نحن نشعر بالوحدة في هذه المعركة”, يقول متأسفا عمر شاكر وهو ناشط آخر مكلف بنقل الأحداث باللغة الإنكليزية إلى وسائل الإعلام الأجنبية وعن ما يحصل في الحي.” لم نكن نستطيع القضاء على بشار لولا كاميراتنا “,يلخص لنا عيد.


“مشفى المعجزات”

الجزء الثالث من سلسلة “تقارير من سورية” التي اجريت بطريقة سرية خلال فترة عيد الميلاد من مدينة حمص التي تعاني من الحصار والقصف.

غرفة مهلهلة تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش و مشرحة مشفى حي بابا عمرو الميداني في مدينة حمص المحاصرة.

“مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

مونيكا بريتو (حمص, سورية)

ترجمة: أمان دوغان

أثار دماء عدد من المواطنين في حمص اللذين اصيبوا جراء قصف جيش نظام الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

يعمل أبو بري بكد لعلاج مصابة بالرصاص والكوفية ملفوفة حول جبينه كي لا يعيق العرق عمله. يقوم بعملية قسطرة لتنظيف الاصابة بينما تصدح صرخات الجريحة في ارجاء الغرفة المهلهلة التي تستعمل كغرفة عمليات وإنعاش وحتى مشرحة مشفى بابا عمرو الميداني وهو حي من أحياء حمص ويعاني كباقي أحياء المدينة من أشهر من الحصار العسكري وإطلاق النار العشوائي من قبل القناصة كتلك الطلقة التي تمزق الجريحة ألماً وبكاء.

“أرجوكم لا تصورونني، سيقتلوني!” رددت المرأة الجريحة عند رؤية الكاميرا بينما تتلقى العلاج الطبي العاجل وهي ممسكة بيد أحد أقاربها الذي وقف يراقب الوضع بلا حول ولا قوة. بجانب الفرشة الملقاة على الأرض، تقوم ليلى بالترجمة بينما تحضر البنج الموضعي الذي تحقنه بسرعة في ساق الجريحة، وتهمس: ”مرت ثلاثة أيام على خروجها من البيت وكانت في حاجة إلى شراء حفاضات أطفال. أصابها القناص عند باب منزلها”

في تلك الأثناء يجاهد سليمان بإخراج جريح أخر من شاحنة صغيرة تلطخ داخلها بالدماء. يضع ضمادات ضاغطة لوقف النزف ويبحث في الجوارير عن العلاج المناسب. ليس ممرضاً، إنه إبن عم أبو بري وإبن أبو سليمان وهو رجل قوي البنية مسؤول عن غسل وتحنيط الجثث.

سليمان جندي منشق قرر إلقاء سلاحه في بداية الثورة ليتفرغ إلى إنقاذ الأرواح بدلاً من حصادها بإسم الدكتاتورية. بل وهو أيضاً جزء لا غنى عنه في عمليات إنقاذ الجرحى والمساعدة الطبية، في تنظيف الدماء وفي أي عمل قد يحتاج  إليه المشفى.

رجل مصاب يتم حمله إلى المستشفى الميداني في حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

ليلى هي أيضا ليست بممرضة، ولكن تعمل في مختبر. أبو بري هو الطبيب الوحيد الذي يعنى بجرحى الحرب في الحي حيث يقطن ٢٨٠٠٠ نسمة رغم أنه لم يدرس الطب يوماً. قبل الثورة كان مجرد عامل بناء يقوم بتثبيت الأرضيات والسجاد، ولكن عندما بدأت المظاهرات شارك فيها إلى أن قرر أن يعمل بطريقة أكثر فاعلية فتحدث مع صديق طبيب.

“طلبت منه أن يسمح لي مرافقته لمدة أسبوع في غرفة العمليات لعلاج الإصابات…هو وتجربة الحرب علماني كل ما أعرفه” يقول أبو بري بينما يحضرجبس مرتجل على طاولة من خشب ليثبت عليها ساق المريضة. يخشى أن تكون مكسورة لكنه لا يستطيع التأكد في غياب جهاز ألتصوير الشعاعي  ”الأن أنا مسؤول عن كل شيء. وصلنا بالأمس مئة جريح جراء القصف. لكن الله معنا. هذا هو الشيء الوحيد الذي يفسر أنه لم يمت إلا عشرة مصابين في تلك الغرف” يقول في إشارة إلى نهار السبت الفائت حين قصفت بابا عمرو بالقذائف الثقيلة.

منزل مدمر جراء قصف جيش الأسد على حمص (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

بالإضافة إلى عدة مدنيين متطوعين، ليلى، سليمان، أبو سليمان، وأبو بري هم الوحيدين الذين يشرفون على المشفى الميداني في بابا عمرو، وهو أكبر مشفى ميداني في حمص. لا تفرغ غرفه أبداً. يقوم الجيران والأصدقاء بالعمل معا في جميع أنواع المهام: من إعداد الحقن، وتعليق اللواصق الطبية للجروح لتكون جاهزة دوماً.

في الغرفتين الأخرتين المتبقيتين في المشفى الميداني المرتجل يكمن الجرحى الذين تم انعاشهم وإستقر وضعهم الصحي. حينما يصبح من الممكن نقلهم، يقوم سليمان وعمر بذلك في سيارتهم إلى بيوتهم تحت القصف. امتلأ حوض الحمام باكياس المصل وتحول المخزن إلى صيدلية. وبحسب تقديرهم لكانت انتهت المؤن والأدوية في مهلة ثلاثة أيام بسبب الحصار الذي إبتداء نهار الخميس  لولا وصول بعثة المراقبين العرب  وتخفيف الحصار والسماح بدخول الإمدادات ولو سراً.

الدكتور أبو بري على الأرض يقوم بمعالجة إثنين من المدنيين المصابين بجروح خطرة من جراء شظايا قذيفة اطلقها جيش الأسد في حمص، سورية. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية))

المعجزة وحدها تستطيع تفسير ما يحدث في تلك الغرف. يوضح أبو بري “لم ننم منذ ثلاثة أيام، ولا نأكل إلا عندما يتثنى لنا”  ننام ونأكل في نفس الصالة حيث يرقد جريحان هما وحتى لحظة كتابة هذا التقرير: إمرأة أجرى لها هذا الرجال الذي اجبرته الظروف على أن يكون طبيباً عملية ثقب القصبة الهوائية ورجل فتح بطنه بشظايا وامتلأت ساقه بالمسامير من قنبلة مسمارية اصابته: وتلك القنابل محرمة دولياً فهي عندما تنفجر تطلق المسامير في كل ألإتجاهات مما يسبب بسقوط العديد من الضحايا وأثارها الصحية بالغة الخطورة.

في غمرة الحديث وصل العديد من الجرحى إلى غرفة الطوارئ: رجل إحترق وجهه ويده في إنفجار، أخر أصيب بطلق في ساقه وثالث أصابه قناص في كتفه و خرجت الطلقة من خصره، امرأتين مع أطفالهن في الرابعة والسادسة من العمر، اصيبا جراء قصف طال منطقة ريفية يقطنون فيها، إمرأة مسنة اصيبت في المنطقة ذاتها، رأت ابنها يموت في نفس الهجوم.

هذا لا شيء مقارنة باليوم السابق، عندما استخدمت قذائف الهاون و كثف القناصة هجومهم على المدنيين في حمص. تقول ليلى “من إجمالي الجرحى اللذين احضروا إلينا 15 كانو اطفالا و الكثير من النساء، مات منهن اثنتين” وتكمل “أصبنا بالصدمة عند رؤية الوضع، لم نستطيع تغطية كل الحاجات. بسبب قلة الأماكن اضطررنا إلى وضع الجرحى على الأرض، فلم يكن لدينا فسحة كافية  للعمل”. في نهار اليوم التالي، الأثنين الماضي، عادوا ليعيشوا نفس التجربة: توفي 23 شخصاً بسبب إطلاق النار والقصف، وتجاوز عدد الجرحى المئة جريح.

رجل مصاب في حمص أصيب بطلق بسبب قصف جيش الأسد (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

قبل بضعة أيام حضر إلى المشفى للمساعدة صيدلي من الحي يقوم بدور الطبيب خشية أن تكون الإصابات كثيرة وبالغة بسبب شدة القصف. “كان إسمه محمد العوض. إستغل وقف إطلاق النار لإيصال الدواء إلى عائلة كانت قد نقلت قبل ساعات قليلة. عند خروجه من منزله أصابه قناص في صدره. حاول صديقه إستعادة جثته لكنه لم يستطع بسبب كثرة إطلاق النار. قضى نصف ساعة ملقى على الطريق إلى أن استطاعو انتشاله” تفسر ليلى بينما كانت متطوعة تعمل في المشفى تريني على هاتفها النقال شريط مسجل عن جثة العوض في المشرحة الواقعة في ممر المشفى و اغرورقت عيونها بالدمع.

في نهار السبت لم يتوقف وصول المصابين بين الساعة السابعة مساءً والعاشرة مساءً. نهار الإثنين كان أسوأ حيث كان أرض المشفى ملطخ بالدماء كل النهار. لم تكن تلك المرة الأولى التي يمر أبو بري بهكذا تجربة: في اواخر شهر تشرين الثاني الماضي وصل أكثر من 70 جريح. يقول:”كلما هدأت وتيرة وصول الضحايا، كنت اذهب إلى المسجد المجابه للمشفى للصلاة. كنت أدخل و أنا حامل حذائي الملطخ بالدم تحت إبطي في حال وصول سيارة مع جرحى جدد”.

يسكن أبو بري في المستشفى منذ حوالي الشهرين. قبل ذلك كان يتلقى الجرحى في منزله. “لمدة ثلاثة أشهر وقبل إنشاء هذا المركز في تشرين الأول الماضي، كانت عائلتي تساعدني في التمريض. كنت أحضر الجرحى إلى منزلي وبعد الانعاشات الأولية كانت عائلتي تقوم بالإهتمام والرعاية بهم باطعامهم وتنظيفهم و إلى ما هناك…قمنا بشفاء ما لا يقل عن 2000 جريح” من هنا اكتسبوا جميعاً هو وعمه وأبناء عمه الخبرة في شفاء الجرحى.

وفقاً للدعاية الرسمية للنظام، المدنيين اللذين يصابون بقذاف الهاون والرصاص جميعهم ارهابيين وطبعاً الشاب أبو بري مطلوب من قبل قوات الأمن. “وجد الجيش العيادة عندما اقتحم بابا عمرو في تشرين الثاني الماضي.  دمرها بالكامل ولكن لم يجدوه” تقول ليلى المخبرية. يذكر أبو بري كيف احتجزوا والدته لمدة اسبوعين وعمه لمدة شهر لكي يكتشفوا مكان تواجده. تم إطلاق سراحهم والأن يعملون معه في المستشفى الميداني.

جثة إمرأة اصيبت بإنفجار قنبلة في مستشفى حمص الميداني (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية

يعمل المسعف بمهارة مثيرة للعجب. يقوم بعمليات قسطرة،وتنظيف جروح وإخراج شظايا القذاف والرصاص. في علبة فحص البول يحفظ عشرات الرصاصات التي أخرجها من الجرحى في الأيام الماضية. يقوم بقطب الجروح بخيط للخياطة يحفظه في ظرف محكم الإغلاق. من حوله يقوم المتطوعين بمساعدته باحتراف عالي علماً أن خبرتهم ومعرفتهم  جميعاً جاءت من تجربة الحرب.

تتحسر ليلى “كم نستطيع الصمود في هذا الوضع؟” و يحدد أبو بري “نحن في حاجة للأمصال والمضادات الحيوية والبنج والدم…” ثم يفسر طريقة تأمين إحتياط الدم “عندما تنخفض الهجمات يأتي الجيران للتبرع بالدم. نقوم بتحليل فئة الدم ونسجل إسم المتبرعين وأرقام هواتفهم. عندما ينفذ الاحتياطي نتصل بهم حسب الحاجة فيأتون للتبرع”. عندما يفيض المشفى بالجرحى تقوم الجوامع بالنداء لدعوة الناس للتبرع.

الحاجة أم الاختراع: “مرة لم يكن لدينا قساطر لتصريف الدم فقمنا بقص وتعقيم حبل نرجيلة وبذلك استطعنا الاستمرار لبضعة أيام” تجرى عمليات ثقب القصبات الهوائية والبتر بالسكاكين. بسبب نجاح العمليات يأتي إلي مستشفى أبو بري الميداني الجرحى من أحياء أخرى الذي فأصبح بحكم الحاجة أشهر مشفى في حمص. يذكر أبو بري كيف أن خلال أسوأ الهجمات في شهر رمضان أجرى عملية استغرقت 3 ساعة “اجريت عملية على  إمرأة بطنها مفتوح. بعد أربعة أيام وعند تخفيف الحصار جاء طبيب من حمص للمساعدة إندهش بالعملية”

مستشفى بابا عمرو الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

تقول ليلى: “في أول أشهر القمع، عندما نفذنا من الضمادات استعملنا قطع ثياب” في فترات الهدوء يقومون بالتخزين والتموين. إضطر أبو بري إلى معالجة كل أنواع  الجروح إلا عندما تكون الإصابة في الرأس أو الصدر “عندها لا نستطيع فعل شيء ويجب نقل الجريح إلى المستشفيات  الحكومية” رغم المخاطرة بإمكانية إلقاء القبض عليهم من قبل قوات الأمن التي تسيطر على تلك المستشفيات كما يشتكي الناس ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية.

لا يقوم المستشفى بحفظ الاحصاءت لكن في شهر تشرين الثاني قرر إحصاء عدد الأطفال. يتحسر أبو بري “احصينا أكثر من 100 طفل ميت”. يستعملون ثلاث سيارات خاصة للإسعاف، يقودها تحت القصف سليمان وعمر وعندما تخف الهجمات يزور أبو بري جرحاه في بيوتهم مستعيناً بدراجة نارية.أشرف على خمس عمليات ولادة أربعة منهم ولادة قيصرية اخرها ليلة عيد الميلاد. ” 80 شخصاً قضوا حتفهم تحت يدي حتى الأن.  لكن تذهب أرواح وتأتي أرواح جديدة” يبتسم الطبيب بمرارة “أعمل ما استطيع لكنني أعرف أن كل حياة انقذها انقذها بمعجزة”

بعد يوم واحد على كتابة هذا التقرير، عانت بابا عمرو من أفظع الهجمات منذ بداية الثورة. تكوم الجرحى والقتلى في المستشفى الميداني، لم يتوقف سليمان من احضار المصابين. نصف ساعة بعد احضاره أخر جريح، عاد الى المشفى محمولاً بسبب اصابته بالرصاص  في ساقه. عندما وضعوه على السرير نظر إلي و كأنه يطمئنني بأن جرحه بسيط.

علبة تخزين الأدوية (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

بعد ساعة على اصابته، عاد حسين إلى المساعدة في نقل الجرحى في حي الانشاءت المجاور لحي بابا عمرو. ولكن هذه المرة أصيب في بطنه. لم يستطيع أبو بري فعل شي إلا انعاشه ونقله إلى المشفى الحكومي. “اصابته بالغة، يحتاج إلى عملية صعبة جداً” يقول أبو بري  و قد امتلأت عيناه بالدمع. “من غير المرجح أن يبقى على قيد الحياة”. أخذن الممرضات بالبكاء خفيةً في صالة التمريض. “قبل مغادرته طلب منا أن  لا نبكي. قال أن الموت سنة الحياة وأنه مستعد للموت” تشهق ليلى. توفي بعد ساعة. لم يستطيع مشفى المعجزات من انقاذه.

(سليمان، الممرض المتطوع، على أيسر الصورة يقوم بمساعدة نقل جريح إلى المستشفى الميداني السري (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)


الفصل الثاني من “مقالات سوريا” اجرت بشكل سري في هذه الأيام من أعياد الميلاد  من قبل مراسلتنا مونيكا بريتو  في مدينة حمص المحاصرة . قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص.

مونيكا بريتو / حمص

المترجمة: ليلى محرم

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

حمص / ضربات على الطبل وبشكل متوازن ترسم الطابع الإيقاعي للمظاهرات. شابا, 23 سنة, كان عاملا قبل انتفاضة الثورة, يهتف بالأغاني و يردد المشاركون وراءه. “يا للعار, أن يبقى بشار رئيسا وهو في الحقيقة مجرما”.” يلا ارحل يا بشار”, يأتي الجواب بأصوات مرتفعة من الحشد. بين صراخ وجوقات, صوت رجل ينبثق عبر مكبر للصوت, قائلا: ” فوق كل الأحوال, لا تقتربوا من أماكن التفتيش الحكومية, فهم يطلقون النار للقتل, ولذلك نكرره ألف مرة: لا تقتربوا منهم”.عبثا تلك النصيحة:لأن أهالي حمص تعلموا الابتعاد عن هذه الأماكن قدر الإمكان وعن الشوارع العريضة حيث أن القناصة المتمركزة هناك يطلقون النار عشوائيا على كل من يتحرك.

قبل أن يصبح القصف متواصلا, كانت الإحتجاجات دائمة في كل أنحاء حمص. كل أيام الجمعة آلاف من الأشخاص يخرجون إلى الشوارع:و بقية الأيام, مئات منهم يتجمعون في أحيائهم, المعزولة واحد عن الآخر بمراكز عسكرية, من أجل إطلاق الشعارات ضد نظام بشار الأسد ورفع لافتات تطالب المجتمع الدولي من أجل الحماية.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“حرية لإخوتنا وابنائنا الذين يقبعون في السجون”.”أوقفوا هذه المجزرة”.”أين هي الجامعة العربية”. “لا شيعة لا علوية لا سنية: كلنا سوريين”. هتافات صامتة في ثورة يشكك بعضهم في شرعيتها متأثرين بالدعايات الكاذبة التي تنعت بالإرهابيين. هذا الشعب المدني والذي وحد شمله هدف واحد وهو الحرية بدون اعتبارات تميز الطبقات الإجتماعية, أو أعمارهم أو ديانتهم. شعب قرر الوصول إلى النهاية, لأن كل جريمة يرتكبها النظام تعطيهم قوة جديدة.

لا نرى سلاح في المظاهرات, إلا اذا كان احد يريد اعتبار مكبرات الصوت التي تديرهم وترشدهم كسلاح. ولا يوجد أيضا الإرهابيين المفترضين الذي يقول بشار الأسد أنه يحابرهم, فقط رجال و نساء, مراهقين وأطفال, الموجودين في الاحتجاجات والذين عقدوا العزم والإرادة على أن يسمع صوتهم عما يحدث في سورية.

YouTube Preview Image

مظاهرة في حمص, 2011 (live19820)

“في أوروبا قوات الأمن موجودة لحماية المواطنيين, بينما هنا موجودون فقط لحماية النظام المجرم”, يقول هذا طالب شاب يدرس علم اللغات, عرف نفسه فقط باسم بلال في احدى المسيرات التي عملوها قبل قليل من الهجوم الدموي على حمص في حي الإنشاءات.”لكن عملهم الاجرامي يزيدنا شجاعة” لو توقفنا لقتلونا واعتقلونا من نفس بيوتنا, هذه الحكومة أصيبت بالجنون”, يضيف أحد الجامعيين الذي كان إلى جانبه و كلاهما مثل الكثيرون الذين سألناهم يطلبون من المجتمع الدولي حظرا جويا يمنع القوات المسلحة السورية الهجوم على المتظاهرين.

منازل مهدمة في حمص. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“إن رئيسنا رديء وبدون دماغ”, تقول إحدى المشاركات في الاحتجاجات تبلغ ما يقارب 50 سنة تجيد اللغة الإنكليزية بطلاقة وهي لا تزال بحالة صدمة وذلك عندما عرفت عشية هذا المساء نتائج الانفجارات التي وقعت على ثلاثة بيوت وموت خمسة أفراد من نفس العائلة, أربعة منهم أطفال في الحي المجاور باب عمرو.”أنهم يقتلوننا لكن لا أحد يهتم بنا. الشبيحة تعمل على خطف وإغتصاب بناتنا. إن سوريا تنتهك”.

مظاهرة في حمص, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

وتظهر امرأة أخرى في نفس العمر وتطلب التكلم مع الصحفية بلغة فرنسية طليقة. “كيف يستطيع إنسان عمل كل هذا مع أنه درس في أوروبا, وهو يعرف ما هي الديموقراطية؟ كيف من الممكن أن زوجته لا تقول شيئا, كيف لا تغادر هذا البلد حتى لا تكون شريكة له في هذه المجزرة؟”.”أنظري, هم يقتلوننا, حتى أنهم لا يسلموننا الجثث حتى توقع العائلة على تصريح اعتراف بأن الضحية ماتت على يد إرهابيين, زوجي مسوؤل عن مستشفى صغير خاص: دخلوا إليه في الساعة الخامسة صباحا وأخذوا ثمانية جرحى كانوا يتلقون العلاج فيها, بعضهم كان في العناية المركزة: انتزعوا منهم أنابيب التنفس الاصطناعي ورموهم على الأرض وانهالوا عليهم رفسا بالأقدام. اثنين منهم ماتوا على التو في نفس المكان والآخرين قادوهم إلى المستشفى العسكري.”

كلهم عندهم قصص أعمال وحشية يريدون التحدث عنها. عمليات قتل, اعتقالات, مفقودين, حالات تعذيب قريبة منهم. كلهم يلعنون النظام السوري, وجميعهم يجددون القوة للخروج إلى الشوارع.”نحن انتظرنا كثيرا هذه اللخظة”, تقول ليلى مدرسة في الجامعة. “بالنسبة لنا لا يزال صعب جدا مع أننا نتحملهم منذ 40 سنة عودونا على هذه الجرائم. لكن المجتمع الدولي يتباحث معه من تحت الطاولة وأن الشعب السوري ليس من أولوياتهم. والحقوق الإنسانية لا يهتمون لها”, آسفة. “نحن سنخرج في المظاهرات ما دام بشار موجود لأننا لو تركنا ذلك لاعتقلونا جميعا”.

أبو نور يعرض جروحه (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

أبو فارس, 72 سنة, يؤكد أنه طول حياته كان يطلب من الله أن يعيش هذه الثورة. هو وزوجته وأولاده وأحفاده يشاركون في المظاهرات منذ أن بدأت ويؤكد لنا أنه لن يتراجع مع العلم أن إبنه أبو نور, 35 سنة, يرقد جريحا وهي المرة الثانية التي يصاب بها من قبل القناصة في الأشهر الأخيرة. أول مرة كانت في باب عمرو في اليوم السادس من شهر مايو عندما تلقى عيارا ناريا في بطنه, والثانية أربعة أيام قبل هذه المقابلة: كان يحاول إسعاف جريح سقط في شارع عندما تلقى طلقة  أخرى في ذراعه وخرجت من ظهره.

مستلقيا في صالة الاستقبال الشعبية العربية وهي المكان الأكثر دفئا في البيت والمكان الوحيد الذي يوجد فيه مدفأة تعمل على المازوت وهي تصلح لغرفة نوم لجميع العائلة في هذه الأيام من الشتاء البارد والحصار العسكري, أبو نور يستقيم بصعوبة. “سوف أتظاهر حتى أن أموت”, يقول هذا بعد صمت قليل ناظرا إلينا مباشرة إلى العيون وإلى جانبه والده.”لا تزال هناك معركة أخيرة لخوضها”. سوف لن نستسلم ولن نتراجع حتى تأتينا المنية”, يتابع الجريح. إن كلماته تذكرنا بعبارات كتبت على جدران قرب بيته تقول :”لن نركع”.

كتابات في حمص, ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

هذه الكتابات على الجدران كانت نادرة أو معدومة في سوريا الديكتاتورية لكن الآن توجد بالآلاف في باب عمرو. يوجد مناخ من الحرية تتنفسه كل شوارع المدينة, محمية بشكل محدود من طرف الجنود المنشقيين الذين يشكلون الجيش السوري الحر حيث لهم في أحياء حمص الملاذ الوحيد في كل البلد. الأطفال يؤلفون أغاني ضد النظام ويهتفون بأعلى أصواتهم عاش الجيش السوري الحر والكبار يفعلون نفس الشيء مجتمعين في جمعات صغيرة من أهالي الحي مسلحون بمكبر صوت يصرخون عاليا ما لم يستطيعون عمله منذ 40 عاما من الديكتاتورية.

مظاهرة في حمص, ديسمبر, 2011 ( مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

“نحن نريد حرية من أجل شهدائنا من أجل حقوقنا”. تشرح لنا طالبة جامعية في إحدى الاحتجاجات الليلية في هذا الحي المتمرد, والذي كان يحصل يوميا قبل الهجوم العسكري. لقد حاولنا طلب مساعدة من تركيا, من الجامعة العربية, من المجتمع الدولي لكن لا أحد يؤيد حقنا في الحرية. الآن لا نريد أحدا. الله سوف يساعدنا على تحقيق النصر لثورتنا”.


نبدأ في نشر سلسلة من المقالات التي حررت خلال أيام عيد الميلاد, من طرف مراسلتنا مونيكا بريتو في مدينة حمص السورية, محاصرة و تقصف بالقنابل من قبل جيش نظام بشار الأسد.

مونيكا بريتو (حمص, سورية)

المترجمة: ليلى محرم

كان يبدو من المستحيل التعرف على الأشلاء المشوهة التي كانت ترقد على أرض المطبخ في هذا المنزل المتواضع للشاب علي أحمد الذيب. هذه النظرة الفضولية للطفل ذو 15 عاما والذي كان ينظر إلى أمه منذ بضع ساعات وهي تتذكر الفقدان المفاجئ لأخيه محمود, عمره 12 سنة, ضحية قنبلة مسمارية قذفت من دبابة سورية الشهر الماضي في نفس الشارع الذي تعيش فيه,كانت متجمدة, اختفت أعضاء الجسم,إنها الذاكرة المؤلمة لهذا الصغير علي عندما كان يساعد أم جهاد على البحث على صور أخيه, وعندما كان يحبس انفاسه عندما كانت تقول فخورة عن هذه الخسارة التي “كانت تحطم قلبها”. “لكنه مات كما يموت شهداء الثورة, الحمد الله, و أنا مستعدة لإعطاء أولادي واحد تلو الآخر للقضاء على هذه النظام. منذ طفولتي علمت من والدي أن حافظ الأسد كان مجرما قاتلا. وكنت أفكر أن ابنه كان أفضل منه لكن الآن أكتشفنا أنه أكثر إجراما من والده.”

أم جهاد لم تكن تتوقع أنه بعد الالتقاء بالصحافة الإنسانية في منزلها في باب عمرو, واحد من الأحياء المعنية في حمص, العدوان العسكري الذي قام به النظام السوري ضد أبناء شعبه سوف يحصد اثنين آخرين من ابنائها.وعلى الساعة السادسة مساء من يوم الثلاثاء 20 ديسمبر, سقط قذيفة مباشرة فوق منزلها والذي أنجم عنه ما يقال أسوأ في باب عمرو أنه أقسى وأشد مجزرة جرت في باب عمرو منذ أن قامت الثورة ضد بشار الأسد. علي أحمد كان ملقى في المطبخ حيث تحول جزعه إلى حطام و عيناه الكبيرتان تضيع في الفراغ. واحد من ذراعيه يبزغ من خلال بقايا البيت الذي حولوه إلى حطام, فقط ساعة من قبل كان منزلا واسعا وبسيطا حيث كانت أم جهاد توزع الفاكهة على الضيوف, وهو شيء فاخر في مدينة محاصرة مثل حمص. وحيث بقيت أشلائه و أشلاء أخوه الكبير, جهاد, عمره 24 عاما, كانوا قد تفرقوا مشكلين أبشع تجمع لرفات بشرية على أرض الغرفة.و في طرف آخر من المنزل يوجد علم كبير عليه بقايا من الرز الذي يسمح بالافتراض أن الانفجار الذي أفجع قلب أم جهاد مرة أخرى حصل عندما كانوا يتناولون طعام العشاء.

الجثمان المشوه لعلي أحمد الذيب, عمره 15 عاما, يرقد فوق سجادة في بيته الذي قصفه جيش الأسد. تنبيه: فقط ننشر النصف العلوي للصورة, لأن النصف السفلي يظهر فيه بقايا ممزقة من البطن وفقدان الأرجل, منزوعة على أثر الانفجار. (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

عائلة الذيب, هي معروفة في حمص, لم تكن هي الضحية الوحيدة في هذه المأساة الذي سببتها قوات بشار الأسد. قسم من المنزل المجاور, التابع لعائلة العودة, الذي تربط بينهم قرابة, انهار بفعل قوة الانفجار. الغبار الممزوج برائحة الموت والمتفجرات كان يضمخ الجو ويجعله غير صالح للتنفس, مع صراخ الجيران المذعورين جعل من هذا الجو كما لو أنه غير حقيقي.

“من هنا, من هنا!”, الدرج مغطى بالأنقاض, والذي يؤدي إلى الطابق الثاني. هناك عدة من الرجال كانوا يعملون بشكل محموم. واحد منهم كان يضيئ بفانوس, عله يضفي شيء من النور في هذه الليلة المظلمة لمدينة حمص, لأن الرئيس السوري لا يسمح  لشعبه التمتع بالكهرباء ويستعملها لمعاقبته وإذلاله لأنه رفض الخضوع لنظامه البوليسي. آخر كان يجلب بطانية. وآخر, على السطح, ينزل ,كما يستطيع, كتلة دامية : عمود فقري مع أشلاء متدلية تقطر دما. رماهم فوق البطانية و في الحال تقيأ. أما الرجل الثاني قام بلفهم و أما الآخرين فقد كانوا يبحثون عن البقايا من كانوا قبل قليل ينتظرون قضاء يوم جديد من الرعب.

مظاهرة في حي باب عمرو, 22 ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو / الصحافة الإنسانية)

مرحبا بكم في حمص التي تعاني منذ أكثر من خمسة أشهر من الحصار والقصف بالقنابل والهجوم من قبل قوى الدكتاتورية السورية, والذي يدعي النظام أنه يحارب السلفيين. وماهم إلى أطفال ونساء ورجال كل  ذنبهم أنهم طالبوا بالحرية. مرحبا بكم في حمص الحقيقية, مختلفة تماما عن ما تصفه حكومة دمشق, حيث أنها تؤكد محاربة إرهابيين مسلحين بينما لا يوجد سلاح إلا بأيدي الجنود المنشقين وبغير ذخيرة كافية للمواجهة مع الجيش المعتدي وميليشياته, الشبيحة, قوات غير نظامية تملك حصانة كاملة لإطلاق الرصاص عشوائيا وبشكل دائم, التي تسبب في كثير من الأحيان عشرات من الضحايا يوميا.

مرحبا بكم في حمص, حيث أن الأماكن الوحيدة لعلاج الجرحى يتم في منازل خاصة مجهزة كمستشفيات ميدانية والتي كان فيها أفراد من عائلتي العودة والذيب, حيث أن الجرحى يشاركون الإقامة مع أشلاء ذويهم لأن المستشفيات العامة محتلة من قبل موالين للنظام,  و أصبحت مراكز للإعتقال و التعذيب. وفي النهاية مرحبا بكم في سورية, حيث أن الجرحى لا يجرؤون إعطاء أسمائهم الحقيقية خوفا من تعرضهم هم وعائلتهم للانتقام لأنهم تلقوا طلقات نارية من هذه الحكومة الذين يعملون هم على حفظها بضرائبهم.

في مقبرة الناس القريبة من السكة الحديدية للقطار 40 قبرا يرقضون مفتوحة كجراح في الأرض.”في هذه المدينة نحن جميعا معرضين للشهادة فيجب الحفاظ على القبور جاهزة كل يوم لاحتضان شهدائنا”, يشرح لنا أبو أياد واحد من الشعب الذي كرس حياته للثورة الشعبية ضد النظام. إلى جانبه قبور حديثة تعلن أن الحظ الذي حالفة شهيد جديد. “في أغلب الأحيان يطلقون الرصاص على المشيعين ولهذا فليس من المستحسن البقاء هنا طويلا”, يعلمنا نفس الشاب. أحيانا قطعة من الكارتون تصلح لتكون شاهدة وهو رمز واضح للأشياء الموقتة العاجلة. “الشهيد مرزوق شريف الناصر, تم تعذيبه وقتله في المستشفى العسكري”, كانت تحمله واحدة منها. ”في حمص لم نعد نطلق عليه المستشفى العسكري بل المسلخ العسكري” يصرح أحد الناشطين مستفزا ابتسامة الباقيين وهو ما يعني المذبح العسكري.

بعد ساعات وفي منتصف الليل عائلتي الذيب والعودة كانوا يوارون التراب ما بقي من أشلاء ذويهم في ذلك المكان, لأن المستشفيات الميدانية لا تملك أماكن صالحة لحفظ هذه الأشلاء مدة طويلة وأكثر ما يقومون به غرفة يدعون بها الجثث ويغطونها بالثلج لحفظها حتى تذوب هذه. وفي الصباح التالي اضطروا لإجراء مراسيم أخرى لأنهم تمكنوا من العثور على أشلاء بين الحطام التي ظهرت على ضوء النهار.

جثمان أحد المواطنين الذي قتل بطلقات نارية من طرف جيش الأسد ممددا على حاملة في مدينة حمص. ديسمبر 2011. (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

المستشفى المؤقت يعمل بواسطة مولد كهرباء فقط. الكهرباء لم تكن مشكلة في حمص حتى أن بدأت الثورة والماء أيضا, الآن النظام يستعمل هذين العاملين على شكل عقاب جماعي. فقط تعمل أربعة ساعات ولا نعلم متى تبدأ ومتى تنتهي لكن في مدينة حمص وهي الثالثة في سورية هناك نقص لأشياء كثيرة. كل صباح يشكل طابور أمام حافلات المازوت وفي الأماكن التي تبيع جرات الغاز. الجيران يسألون بعضهم البعض أين يستطعون العثور على وقود لإستعماله في جهاز التدفئة الموضوع في الصالون لكل بيت وبهذا يتقون البرد القارس ودرجات الحرارة المنخفضة التي تصل أحيانا إلى درجة الصفر لأن حمص الآن تعيش في فصل الشتاء.

والمواد الطبية هي أيضا مفقودة وليس لأن المواطنين لم يجمعوها من قبل أو لم يجدوا طريقة لتهريبها من الخارج بمساعدة بعض السوريين اللاجئين أو الفارين من القمع أو المطلوبين بل لأن الحصار الحديدي الذي فرضه النظام على المدينة. الطبيب الوحيد الذي يدير المستشفى الميداني أبو بيري, هو رجل ملاحق من قبل السلطات بتهمة “السلفية”, يقول هذا وهو يطلق قهقهة كبيرة وهو يداعب لحيته وينحني قليلا فوق لينا ممرضته التي توافقه على هذه النكتة مطبطبة على ركبته. بينما تراجع ما يلزمهم “دم, مصل دم, مخدرات, مضادات حيوية, ضمادات, جهاز تنفس… نحن نجري بتر الأعضاء بواسطة سكاكين وعملية فتح القصبة نجريها بواسطة انابيب الأركيلة لنقص في المعدات. في هذا البيت من ثلاثة غرف نجري العمليات, نثبت العوامل الحيوية, نغسل الجثث حتى أننا نخيط الأكفان, فهي معجزة أننا نستطيع إنقاذ حياة.”

YouTube Preview Image

مدنيين في حمص يعبرون ركضا أحد الشوارع تحت وابل من الرصاص العشوائي من قبل قناصة وجنود جيش الأسد. (موناكا بريتو /الصحافة الإنسانية)

على ما يبدو أن كل ما يحصل في حمص هو عن طريقة المعجزة , كثير من ضحايا القمع لا يستطعون الوصول إلى المقابر بأمان وحسب أين تكون موجودة أماكن التفتيش الحكومية الأربعون, حسب تقدير الناشطين, حيث إتخذ القناصة مواضعهم لإطلاق الرصاص الحي من أعلى سطوح المدينة, ومن أين حصلت الوفاة والمسافة التي تفصلها عن موضع القناص, وفي كثير من المرات فإن الناس يجبرون على دفن موتاهم في حدائق البيوت لأن الرصاص يمنعهم الوصول إلى أبعد من ذلك. وباب عمرو تعتبر محظوظة بالنسبة لباقي المناطق في حمص, لأن الجيش الحر السوري المشكل من جنود منشقين عن النظام لرفضهم أوامر إطلاق النار على المحتجين, لا يزالون يسيطرون على الحي, ثمانية أماكن منهم يراقبون مداخل الحي وبشكل مؤقت وغير ثابت وأعضائه يراقبون كل شيء غريب يحاول الدخول إلى الحي, الوسائل هي نفسها التي كانوا يحملونها عندما إنشقوا عن الجيش: في شارع شط العرب آر بي جي (قاذف قنابل) واحد موضوعا على الجدار إلى جانب أكياس من الرمل وضعوا على شكل خندق.

أطفال في حمص ديسمبر, 2011 (مونيكا بريتو/ الصحافة الإنسانية)

إذا أراد النظام إخضاعهم بالسلاح فهو يستطيع ذلك خلال ساعات قليلة لكن عدد الضحايا سوف يكون عاليا جدا. “مهمتنا الوحيدة هنا هي الدفاع عن المدنيين ليس لنا القدرة على شن هجوم ضد جيش بشار”, وبالتأكيد فإن هذا الأمر هو الذي يمنعنا من إتخاذ هذا القرار وهذا الذي يسمح أن تكون باب عمرو الآن مسرحا للإحتجاجات اليومية المرتجلة, حيث أن الأطفال والشيوخ يهتفون بشعارات صارت معروفة من “الله, سورية, حرية وبس” نحن نفضل أن نموت أحرارا على العيش في المذلة وبدون كرامة”. مزيج من أصوات موسيقية متفقة في الشوارع يعتبرونه نسيم من الحرية.


الحكومة المكسيكة منحت 22 ترخيصا من أجل إستخراج الذهب من أراضي القرية المقدسة يوشاريكا.

ويريكوتا مكان طبيعي محمي يملك أنواع كثيرة من الأصناف المتوطنة

الحفر المفتوحة سوف تنهي الماء وسوف تلوث المنطقة بشكل خطير

المحرر: ماخو سيسكار / المكسيك
Majo Siscar

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

حسب أوتشوليين ففي ويريكوتا بدأ كل شيء. كان ذلك منذ مئات السنيين عندما رفع الأيل فوق قرنية الشمس حتى السماء من أجل أن ينقذ العالم من الظلام. إن140.211 هكتار التي تؤلف هذه المنطقة الشبه صحراويه ويريكوتا في سان لويس بوتوسي. وهم منشأ الكون بالنسبة لويشاريتاري أو أوتشوليس حتى يستمر النور, هذه البلدة القديمة التي يهاجر أهلها كل سنة حوالي 400 كم تماما كما كان يفعل أجدادهم مرشدين من قبل ماراكاآتي, شيوخ حكماء حيث أن أغانيهم تؤكد بعد الشمس عن الأرض وعدم الرجوع إلى ليل دائم, هذا الظلام الذين يشاهدون الآن عودته على أيدي شركات المناجم غير الوطنية.

إمرأة يوشاريكا تحمل عدة أنواع من الذرة حتى صحراء ويريكوتا. صورة من http://salvemoswirikuta.blogspot.com

الويشاريتاري هم من المدن القلائل الأصليين الذين لا زالوا يحتفظون بعباداتهم الأصلية قبل وصول الإسبان, معتمدين على أربعة آلهة: الذرة, النسر, الأيل والخيكوري وهو نوع من الصبار المهلوس الذي ينمو في صحراء ويريكوتا, لكن الآن آلهتهم طغت عليها آلهة أخرى أكثر بريقا للغرب ألا وهو الذهب. في عام 2009 الحكومة المكسيكية منحت 35 ترخيصا إلى شركات المناجم الكندية First Majestic من أجل استخراج هذا المعدن الثمين الكامن في هذه المنطقة 22 منها تقع في أماكن مقدسة.

“ألم شديد هذا الذي نشعر به. الدولة تقوم على قتل وخطف قلوبنا يريدون نهايتنا وقتل أمنا الأرض الحبيبة وبها تقاليدنا و قوم يوشاريكا”, يشرح سانتوس دي لا كروث مستشار محلي في يوشاريكا وعبر صدى صوته نسمع جميع المدائن الهندية التي تدافع عن أراضيها ضد هجمة رأس المال.

سانتوس دي لا كروث (على اليسار) إلى جانب أحد الماراكاآت إيشوليس في مؤتمر صحافي في مركز الحقوق الإنسانية Prodh, صورة من Prodh.

ولذلك, ففي شهر أكتوبر سانتوس دي لا كروث سلم شخصيا إلى الرئيس فيليبي كالديرون رسالة يطلب بها نقض 22 ترخيصا منجميا ممنوحا. وهذا آخر طلب من عشرات الإجراءات التي قاموا بها الإيشوليس من أجل الدفاع عن اراضهم المقدسة. هذه الأرض المقدسة التي رهنتها الحكومة المكسيكية مقابل ثلاثة مليون دولار. ومنذ ذلك الحين الويشاريتاري نوهوا إلى التضامن مع مختلف المنظمات الإجتماعية, ومع عشرون منها شكلوا العام الماضي ماسموه جبهة الدفاع عن ويريكوتا ومثل الأيل يوراريكا الذي يرفع الشمس بقرنيه حتى لا تتحق مشاريع المناجم.

لأنه ما وراء القيمة المقدسة للمنطقة في محافظة على ويريكوتا, يتنازع نموذجان متعارضان للتطور للتحفظ على البيئة محمي ومعترف به بأنه واحد من أربعة عشرة مكانا مقدسا طبيعيا من طرف اليونيسكو يفترض أنه يشاكل 0,3 % من صحراء شيهواهوا لكنها تضم تنوع بيولوجي كبير: إن نصف المقاطعة هو نباتات متوطنة 60% الثدييات و80% من الطيور بينها النسر الملكي في خطر الإنقراض.

هي جزيرة من الحيات النباتية في وسط الصحراء وهناك توجد آثار قديمة للإنسان في القارة الأمريكية, يشير أمبيرتو فرنانديث, مدير وقاية الإنسان.

YouTube Preview Image

“سوف يكون أرخص علينا بكثير دفع التعويضات إلى الشركات الخاصة من أن نتحمل تكاليف الإساءة إلى البيئة الرامزة. لا يزال ممكنا إعادة التشجير, مليء المنطقة بالحياة, إستعادة النماذج الزراعية والرعوية والمناجم المستنفذة”, شدد إدواردو غوثمان , قاضي في إحدى البلديات في المنطقة وهو أيضا عضو في الجبهة.

وبالفعل, قبل عام من منح التراحيص المنجمية, فإن حكومات الخمسة دول التي يتواجد فيها الوشوليس وقع على إتفاق هواوشا ماناكا من أجل حماية وتطور الثقافة الويشاكارية,برئاسة فيليبي كالديرون حتى أنه لبس الثياب التقليدية.

“التوقعات محزنة, مع أنها منطقة محمية من قبل الحكومات الدولية والفيديرالية لكن وبدون شك, ليس لدينا سياسة عامة لحمايتها”, يضيف غوثمان, وليس هذا فقط بل أن الدولة المكسيكية نفسها إنتهكت الإتفاقية حول حقوق سكان البلد الأصليين الذين يطالبون إستشارة شعوبهم حول إستعمال أراضيهم.

من أجل الدفاع عن أراضيهم الوشوليس تحركوا في مختلف الدول الذي يعيشون فيها وقد وصلوا إلى العاصمة المكسيكية, حيث أنهم حصلوا على تضامن معظم الهيئات الإجتماعية والسياسية والفنية. بابلو ثولايكا.

ولهذا فإن جبهة الدفاع الويريكوتا وضعت عارضة حماية أمام العدالة من أجل إلغاء التصاريح المنجمية. وقد لجؤوا إلى المحاكم, وتحريك الشارع, قرعوا أبواب الرؤساء حتى أنهم وصلوا إلى الأمم المتحدة, من أجل وقف الجشع المحطم لديارهم وطريقتهم في الحياة.

“في ويريكوتا تتواجد قلوبنا حياتنا, وحياة أجدادي”, يشرح سانتوس دي لا كروث أمام لجنة شؤون السكان الأصليين في الأمم المتحدة في نيو يورك في التاسع عشر من شهر أيار الماضي وطلب منهم أن يضغطوا على الحكومة المكسيكية لإلغاء تلك المنح والآن الأمم المتحدة كررت أنها سوف تهتم بتلك المنطقة, حسب ما أشار إليه في مؤتمر الصحفي كارلوس تشابيث من الجمعية الحاليشينسي لمؤازرة الشعوب الأصلية للبلاد.

تعتبر نشاطات المناجم الصناعية الأكثر تلوثا في الوقت الخاضر. وضمن هذه الأعمال التي تمارس في الهواء الطلق مثل الذي يعزمون عملها في ويريكوتا, و هي الأكثر تأثيرا على البيئة, ولنفس السبب فهي ممنوعة في بلاد مثل ألمانيا, اليونان, الجمهورية الشيكية وفي ولايات كثيرة من كندا والولايات المتحدة.

من أجل إستخراج الذهب من ويريكوتا, ليس فقط يجب قطع الأشجار في كل المناطق التي يود العمل فيها بالإضافة إلى استعمال كميات كبيرة من المياه والسيانيد. بينما يحتاج منجم واحد صغير إلى 250 الف لتر من الماء في ساعة, مقابل عائلة قروية تستهلك 30 لتر من الماء في اليوم. وهذا يعني أن المنجم يستهلك في ساعة واحدة نفس الكمية من الماء التي تستهلكها عائلة كاملة خلال 20 سنة. بالإضافة أن السيانيد يترسب في المياه الجوفية ويعمل على تلوث هذه المياه الجوفية وعلى تلك الأراضي التي تبقى غير صالحة للزراعة. وهذا مقلق من ناحيتين في منطقة شبه صحراوية مثل ويريكوتا التي فقدت معظم الأشجار الكثيرة الأوراق بسبب مناجم الفضة والذين أقاموها في المنطقة منذ قرنين, وعندما أغلقوا هذه المناجم معظم السكان اضطروا للهجرة لأن الأرض أصبحت عقيمة غير قابلة للزراعة. وفي دراسة حديثة في جامعة غوادالاخارا (وادي الحجارة) حول تسمم هذه المنطقة وجدوا أنه لا يزال في الوقت الحاضر كميات كبيرة مكثفة من هذه المعادن الثقيلة (الرصاص, الزئبق والزرنيق) في الأرض وجوفها في المناجم القديم للفضة. وهي مضرة جدا للصحة وبالفعل فإن ريال دي كاتورثي, القرية القديمة التي تتصدر هذه المنطقة معروفة ومروجة للسياحة بأنها قرية أشباح.

لكن سكانها لا يريدون أن يحصل مرة أخرى. مع أنه يوجد قسم من السكان يرون ذلك إيجابيا لوجود احتمال الحصول على هذا عمل بمجرد فتح المناجم, لكن الجبهة تطالب بشكل أخر من الاستثمارات. سانتوس دي لا كروث يحث الحكومة المكسيكية على “تشجيع مشاريع انتاجية أو أي شيء ينفع السكان وبدون زرع الأمراض التي تولدها المناجم”. وفي نفس الرسالة التي وجهت إلى رئيس الحكومة, الإيشوليس يقترحون تحويل ويريكوتا إلى نموذج من المساحة المحمية على مستوى عالمي. بحيث أن سكانها يشاركون في ترميميها وتطورها بواسطة أعمال كريمة وشريفة تحافظ على محيط البيئة.

الماس المغزول المعروف بـ" عيون الله" هي أكثر الأعمال المعروفة في الفن أوشولي. كل لون من ألوانها يمثل نقطة كاردينالية توفر الحماية. بابلو ثولايكا

الحكومة من جانبها تصم أذانها. إن النشاطات في أعمال المناجم لها الأولية من أجل تشجيع الإستثمارات الأجنبية, والشركة الكندية نفسها First Majestic تملك ثلاثة مشاريع أخرى لاستخراج المعادن في باقي المكسيك. 36% من الأراضي المكسيكية, مساحة واسعة أكبر من إسبانيا أو فرنسا, يحصلون على امتيازات لشركات المعادن. وبها تتضاعف المقاومة في نفس الولاية ويريكوتا المعارضين على شركة المعادن سان شابير يتحملون دفاعا قانونيا ضد الاستغلال وحفر المنطقة الذي دام أكثر من 15 سنة لكنه حصل على تأخير في زيادة مناجم جديدة في أراضيهم. واحد منهم اسم روري كارناليس وهو مقتنع “بوجود وعي وسياسة مختلفة” على رغم أنه يعترف بأن الدولة متجاوزة من قبل هذه الشركات”. الأراضي التي يحصل بها الأعمال التنجيمية هم مثل أراضي محتلة وبدون سيادة وطنية, بحيث أننا رأينا كيف أن الشركات نفسها تخلق نزاعات مسلحة في القرى من أجل الدخول لتلك المناطق ولأن رجال الأمن لا يدعون دخول المراقبين…”, يضيف.

YouTube Preview Image

وبالفعل ففي المقاطعة الجنوبية لغيريرو, الجيش والبوليس الفيديرالي القوا القبض في 25 أوكتوبر الماضي على واحد من السكان الأصليين “مي بلها”, أغوستين باريرا, من التنسيقية المحلية للسلطات المشتركة (CRAC) حيث تتخذ موقف معارض قوي ضد الشركات Hochschild و Camsim حيث أنهم يخططون مشاريع استثمارية للذهب في هذه المنطقة وفي المقابل بعد بضعةأيام فإن الرئيس كالديرون في زيارة له لغيريرو, سلط الأضواء على أن المناجم وطدت 12.000 مليون دولار من الاستثمارات خلال مدة حكمه الذي بدأ في ديسمبر من عام 2006 وإن البلد قد عاد إلى احتلال المكان المنتج الرئيسي للفضة في العالم, والتاسعة للذهب.

“لقد دعمنا بالفعل قطاع التعدين (المناجم) وهو اليوم يوجد بأحسن وقت”, كما ختم الرئيس.


نشطاء سوريون ينشؤن شبكة خاصة للعناية الطبية من أجل علاج ضحايا القمع في منازل خاصة

حسب منظمة العفو الدولية, في المستشفيات الحكومية المرضى يعتقلون ويستجوبون ويعذبون, حتى من الطاقم الطبي

بعض الجرحى ينقلون إلى شمال لبنان, حيث شبكة أخرى تتكفل إدخالهم المستشفيات ودفع التكاليف الناجمة عنها

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

YouTube Preview Image

طرابلس (لبنان) أربعة شباب يحتلون غرفتين في إحدى المستشفيات الرئسية الحكومية في طرابلس, غرف مضيئة ونظيفة, جميع المرضى أصيبوا بجراح خلال القمع السوري وعولجوا في بيوت خاصة من قبل أطباء وممرضات خوفا من الذهاب إلى مستشفى حكومي, متحولة هذه إلى “قواعد عسكرية” حسب النشطاء السوريين والجمعيات الخيرية مثل  AVAAZ أو منظمة العفو الدولية.

واحد منهم أمسكت أمه بيده تعبيرا عن ابتهاجها كما لو أنها تريد بهذا محو هذه الشهور الأخيرة من ذاكرتها. لكن تعبير إبنها محمد 23 سنة مقطب وحزين. يعطي الانطباع أنه ما زال في تلكلح, والذي وصل منها متأثرا بجرح رصاصة في وركه. و ينطبق الشيء نفسه على أبو ياسين 21 سنة مصاب في ساقيه منذ أسبوعين في حمص:هو اجسه لم تهرب بعد من الأخطار التي قاساها في حي باب عمرو, حيث أن ثمانية من أصدقائه تحولوا إلى نفايات إنسانية.

“كنا ثمانية أشخاص المجموعة المكلفة بإدخال ما يلزم إلى الحي. هذا الحي كان محاطا بالدبابات ولهذا فإن الوسيلة الوحيدة كانت الخروج بشكل فردي وتجميع أكبر كمية ممكنة من المواد الغذاية والأدوية من أحياء مجاورة”, يشرح لنا هذا الشاب السوري بجهد. “والمدخل الوحيد الذي نستطيع النفاذ منه كنا نسميه الحدائق, ومن هناك تجري المحاولات. وكان يوجد طائرة مروحية مقاتلة تطلق الرصاص بشكل عشوائي, و بجانبي وقعت قنبلة مسمارية. بعض من أصدقائي تمزقوا على أثر الإنفجار. ستة قتلوا, آخر فقد ساقيه, فقط بقيت أنا على قيد الحياة.”

الإعتناء بأحد جرحى المظاهرات (AP Photo)

حي لكن ثلاثة مسامير دخلت رأسه وساقه وجانبه. الشاب أبو ياسين لم يفكر قط الذهاب إلى مركز طبي عام. “لأن الجرحى هناك يقبض عليهم ويعذبون“, يقول لنا بعجب شديد. “لا يتذكر كيف حملوه إلى مستشفى ميداني, حيث بقيت فقط عشرة دقائق: كان بيت عادي يشرف عليه طبيبان وممرضتان. كان هناك جرحى وجثث ممددة على الأرض, لأن المقابر الإنسانية كانت محتلة من قبل الجيش. الجثث يضعوها في برادات للفواكه: وفي الليل بعض المتطوعين يحملونهم حتى الحدائق ليتم دفنهم في الليل.”

إلى جانبه الدكتور مازن ينصت إليه بإنتباه مكتوف الأيدي. “لا نستطيع الوثوق من المستشفيات العامة لأنهم حولوها إلى قواعد أمنية“, يشرح لنا هذا الشاب وهو طبيب أسنان 23 سنة, أجبرته الظروف ليصبح مساعد جراح. “في بادئ الأمر 90% من المصابين يلاقون حتفهم والباقي يلقى القبض عليهم, وخلال إقامتهم في المستشفى كانوا يعذبون. الآن لا يذهب أحد إلى المستشفيات. الناس يلجؤون إلى عيادات داخل بيوت خاصة في كل مدينة.”

هي شبكة طبية سرية, كما يشرح للصحافة الإنسانية المسؤول عن أحد الجمعيات الخيرية الرئسية السورية, لديها الآن 100 طبيب مخصصون حصريا لهذه العيادات في كل البلد, مع طلاب من كليات الطب الذين هم على وشك التخرج سنة أو سنتين –وخاصة في مدينة حمص- وهي المدينة الأكثر تضررا من قمع النظام حيت أنهم تركوا دراستهم ليكرسوا كل وقتهم لإنقاذ المواطنين. الدكتور مازن أغلق عيادته لطب الأسنان في بانياس –مسقط رأسه- بعد شهر فقط من إفتتاحها وذلك عندما بدأت قوات الأمن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين, غيروا جزريا أو لوياته.

“أنشأنا عيادة موقتة في بيت خاص مؤلف من ثلاثة غرف وصالون. وقد حصلنا على مولد للكهرباء حتى نتجنب القطع المتواصل للتيار الكهربائي وحولنا غرفة نوم إلى غرفة عمليات”, يشرح. “كنا طبيبان وعدة ممرضات. المشكلة كانت عدم حوزتنا على الدم, ولهذا شجعنا الجيران للتبرع به لوقت الحاجة, حيث بلغ عدد الجرحى في الصالون إلى ثمانية إلى جانب ستة جثث, ثلاثة منهم نساء.

العيادة دامت قليلا لأهل بانياس, حيث أن هجوم الجيش في يوم سبعة أيار بحيث أخذ البيت كهدف له واعتقلوا الجميع بمافيهم الجرحى: “اثنين منهم لاقوا حتفهم لقلة العناية الطبية”. طبيب الأسنان الشاب إعتقل لمدة شهرين في السجن, وما أن أطلقوا سراحه غادر إلى لبنان وأصبح المسؤول في بلد الأرز عن القسم الطبي في المجالس المحلية للتنسيقيات الداعية إلى الإحتجاجات السورية.

جنود سوريين في حمص (AP)

مهمة مازن أصبحت الإهتمام باللاجئين الجرحى الذين يصلون إلى لبنان حيث يقوم بإحصائهم فهم أقل من مئة. “بعضهم يموت في الطريق“, يضيف. ليس هذا بالغريب مع العلم بأن الطريق غير شرعي بين سوريا ولبنان, وادي خالد منطقة جبلية وعرة, وعلى مرأى من القناصة السورية المتمركزة على سطوح البيوت الحدودية السورية. البعض منهم الأكثر خطورة ندخلهم مستشفيات عامة, بعد جمع التبرعات لدفع المصاريف, والذين حالتهم أقل خطورة نضعهم في بيوت خاصة وبشكل سري في طرابلس معقل السنة اللبنانيين, وفي منطقة حلبا القريبة من الحدود حيث يوجد عندنا الآن ستة جرحى. وفي بيته الخاص يرعى اثنين منهم: واحد منهم ينهض بعناء ليحيي الزائرين وذراعه مربوط إلى عنقه, الآخر, حسن, في حالة صحية أفضل, لكن الجرح النفسي سوف يتأخر كثيرا بالإلتئام.

حسن 30 سنة, هو الوحيد من الجرحى الستة الذين استطعنا مقابلتهم, نقول هو الوحيد الذي دخل إلى مركز حكومي وهو مستشفى بانياس المركزي, بعد أن أعتقل في اليوم السابع من أيار.”كان جريحا على أثر طلقة دخلت في وركه. دخلت عيادة الجامعة لكن في اليوم التالي اقتحمه الجيش واتهمونا بالهرب من الخدمة الالزامية: فاعتقلونا جميعا بما فيه الخمسة جرحى.” جالس فوق فراش موضوع على الأرض في غرفة باردة في حي أبو سمرة, بدأ يرتعش كلما دخل أكثر في الحديث. “وعند مدخل المستشفى بينما كانوا يخرجوننا من سيارة الإسعاف كانوا ينهالون علينا ضربا: الشبيحة, الأطباء, الممرضات, المخابرات… بعدها قيدونا على سرائرنا من الأيدي والأرجل, وخلال اربعة أيام لم يعطونا أي علاج طبي ولا حتى طعام ولا ماء. لم يدعونا حتى النوم, كانوا  بضربوننا كلما أطبقت أجفاننا. الممرضات يشكوننا بالإبر. مرة طلبت من أحد الجنود قليلا من الماء: لم يكن منه إلا أن أنزل فتحة بنطاله وتبول في وجهي”.

مقتل متظاهرين في سوريا.

إن إتهام الأطباء بسوء المعاملة لم يكن يصدق لو لا التقرير الذي نشرته منظمة العفو الدولية الشهر الماضي أكتوبر. الذي يبين فيه الاتهامات لأطباء من قبل نفس زملائهم. يتهمونهم بسوء معاملة وتعذيب المتظاهرين الجرحى وحسب التقرير, أن المستشفيات الحكومية تحولوا إلى مراكز اعتقال وتعذيب للجرحى. “إن المسؤولين السوريين حولوا المستشفيات والعاملين فيه من الأطباء إلى أداة للقمع عاملين كل جهدهم لسحق الاحتجاجات الهائلة”. ومن بين الاتهامات نستطيع قراءة كل هذه التقارير للمنظمات منها. “الاعتداء الجسدي واللفظي وفي بعض الحالات رفض الإسعاف” في هذا التقرير, يوجد تصريحات تتمزق لها القلوب, مثل الحالة التي جرت في مستشفى عسكري في حمص لأحد الشباب 28 سنة في منتصف شهر أيار, حيث قال له الدكتور: لن أنظف لك الجرح. وسوف أنتظر حتى يتعفن قدمك لأقوم بقطعه.”

حسن نقل إلى مستشفى الباسل في طرطوس, حسب منظمة العفو الدولية تحت إشراف عسكري”. “منذ اليوم الذي أصبت به لم يقم أحد بغسلي, لذلك كانت رائحة الدم الناشف المخلوط مع الطين والعرق والأوساخ”, يذكر لنا مرتعشا. “أحد الأطباء قال لي أن رائحتي تشبه رائحة المجاري الصحية. حتى هو كان يستغرب هذه المعاملة. رفضوا اعطائنا أدويه ولم يكشفوا عن جراحنا بل حملوني إلى الأمن العسكري لأجل استجوابي. لكن كلما حولت الجلوس يغمى علي من جراء ألم جراحي.” وبعد 17 يوما نقلت إلى دمشق وأدخلوني إحدى الزنزانات مع 40 شخصا, عارين بشكل كامل. “كانوا دائما ينهالون علينا ضربا بالهراوات والأسلاك الكهربائية. مرة عندما كانوا يستجوبونن كنت جالسا على ركبتي أمام الشرطي فما كان منه إلا أن وضع إبريق الشاي الذي كان يغلي فوق  رأسي”. بعدما مررت بعدة سجون خلال شهرين. وضعوا اسمي ضمن لائحة عفومن النظام و أطلق سراحي, ولم أتأخر طويلا حتى لذت بالفرار من سوريا.

المستشفيات العامة أصبحت مجازر“, يقول لنا بحقد الدكتور مازن, طبيب الأسنان. إن إسعاف الجرحى خارج المستشفيات العامة غير قانوني و هذا يعقد مهمة الإختصاصيين الذين أقسم أقسموا الإبقراطي حيث يدعو الإهتمام بالمرضى بدون النظر إلى عرقهم أو ميولهم السياسي. وحسب ما قال لنا, أن له صديق طبيب كسروا يداه الإثنان بعد أن علموا أنه يعتني بالمتظاهرين الجرحى في بيوت خاصة.

إن الجرحى الأربعة الذين دخلوا المستشفى في طرابلس مروا بهذا النوع من العيادات السرية.”كنت في إحدى المظاهرات في تلكلح عندما فتح النار علينا الشبيحة وبشكل عشوائي”, يشرح لنا بهدوء محمد مهنته كهربائي, مع والدته التي كانت تستمع إلى كل كلمة يقولها باهتمام. ” حملوني إلى بيت خاص حيث أجروا لي الإسعافات الأولية. كنت أنزف كثيرا, فقدت وعي وعندما إستيقظت وجدت نفسي هنا في هذه الغرفة البسيطة. “مستشفى تلكلح محتل من قبل الشبيحة ولم يخطر ببالنا الذهاب إلى هناك”.

(AP /Amateur vídeo)

أبو ياسين ليس بإستطاعته إحصاء عدد البيوت الخاصة التي دخلها لمعالجة جراحه. “أعتقد أنني مررت على ثمانية بيوت مختلفة, وفي كل يوم كانوا ينقلونني إلى بيت آخر.” والسبب هو البحث الدائم من قبل الجيش عن النشطاء الجرحى و غير الجرحى, مما يسبب تعطيل هذه العيادات السرية السورية وإجبارهم إنشاء بيوت أخرى جديدة لهذا الغرض.

وهناك وراء بضعة غرف يوجد شابان مستلقيان, خالد 21 سنة, أصيب خلال إحتجاجات بمرافقة 15 من أصدقائه, وحسين الذي تلقى تسعة طلقات في جسده. وفي هذه الأثناء دخلتا إمرأتان في القاعة يبحثون عن الإبن والأخ, وصلوا في التو و الدموع ما زالت في اعينهم. المريض يطلب بصوت متقطعة وبصعوبة أن تكون المقابلة قصيرة. “كنت في إحدى المظاهرات في باب عمرو عندما وصلت عدة سيارات مليئة بالشبيحة وهاجمونا. حاولنا الفرار لكن أطلقوا علينا الرصاص” ومن عجائب الصدف كان أبو ياسين الذي تحمل جر جسدي الجريح حتى العيادة السرية: حصل هذا قبل يوم واحد من إصباته جريحا من جراء قنبلة مسمارية. “قضيت ستة أيام في أول مستشفى مؤقت وهو بيت خاص حيث القوني على السرير وقاموا بإخراج بعض الطلقات وقطعوا جزءا من معدتي. قالوا لي أن العملية التي أجروها في غرفة النوم دامت أكثر من أربعة ساعات”, يتابع حسين ويقول أنه لا يعلم كيف وصل إلى لبنان, لكن إلى جانبه كان موجودا الذي تكفل بنقله.

“هو ثقيل جدا”, يقول لنا هذا المسؤول عن نقله بطريقة غير شرعية, رجل في الثلاثين من عمره, يلبس شندل أزرق ووجهه يطفح بالإبتسامة. يصف نفسه بأنه عضو في الجيش السوري الحر, هذه المجموعة الفاريين من الجيش والتي تقاوم نظام بشار الأسد وهو المسؤول عن نقل الجرحى من حمص, حماة وتلكلح, المدن القريبة من الحدود اللبنانية. “أحيانا نجلبهم في دراجة نارية, لكن في النهاية يجب عبور الحدود من خلال الجبال حاملين النقالات بين عدة, أو وسط حقول مزروعة بالالغام, وضعها جيش النظام”, يشرح لنا خالد متنقلا بين الجرحى الذين يكنون له كل تقدير وإحترام.

مظاهرة ضد النظام السوري في ساحة العاصي في مدينة حماة السورية

“منذ أن وصلت إلى لبنان نقلوا إلى هناك ما بين 50 وا 100 جريح”, يعترف مازن. بينما خالد يقول أنه أحصى ما يقارب 22 شخص منذ أن بدأ مهمته: اثنان منهم وافتهم المنية في الطريق. احيانا نحملهم على ظهورنا مربوطين بحزام البنطال, والحالات الخطيرة نقوم بنقلهم بواسطة كراسي متحركة أو بواسطة نقلات. وكانت حالة حسين الأكثر تعقيدا, حيث أنه كان يعاني من تسعة طلقات في جسده ومعظم معدته ممزقة, كانت فعلا حالة صعبة. “وضعناه في سيارة لكن على الأثر تعرضنا للهجوم مرة أخرى”. “فأجبرنا إخراجه بين أربعة أشخاص: والبطانية الذي كانت تضمه تقطر دما”.

“عندما تكون حالة الجرحى غير خطرة, فإن الطريق يستغرق ساعة ونصف, لكن في حالة حسين أو أبو يونس إستغرقت أكثر من ستة ساعات”, الدكتور مازن يعتبر نجاة حسين بالمعجزة, لكن المعجزات هي التي تصنع الصراع وهو يعلم ذلك مع العلم أنه شاب يافع. “لا زلت أتذكر ذلك الجريح الذي كان يعاني بطلقة في الرأس, إستغرق نقله خمسة ساعات عبر الحدود ولا يزال حيا.”


القمع الذي يمارسه النظام السوري ضد المتظاهرين يهيج الطائفية وعلى ما يبدو هو تكتيك من دمشق

“يوجد احساس طائفي وهذا يجب القبول به. الناس في بادئ الأمر كانوا يطلبون هواتف محمولة: الأن يطلبون أسلحة”, قال لنا هذا مدير المنظمة الخيرية إنسان

المحررة: مونيكا بريتو / Mónica G. Prieto (بيروت)

ترجمة: ليلى محرم/Laila Muharram Rey

AP

أوقايا (الحدود السورية اللبنانية) أم خالد تحمل برصانة لفافة رخيصة إلى شفتيها الجافتين. لقد تجمد الوقت في وادي خالد. هذه المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا والتي تحوي آلاف من اللاجئين, هذه المرأة لديها كل اليوم لتفكر مليا في كل جواب. متربعة فوق سجادة مع الوجل الطبيعي الذي يعانيه كل زائر في أرض غريبة, تتأحر في قذف دخان لفافتها الأبيض قبل النطق. “نحن من قبل لم نكن طائفيين”, تبدأ بلطف. “قضينا حياتنا متعايشين مع جيراننا العلويين, كنا لا نميز فهم سوريون مثلنا لكن الآن تغير الوضع. اذا هم قصدونا فنحن سوف نقصدهم.”

أم خالد عمرها 30 سنة تبدو وكأنها في الـ50, هي سنية وكانت تعيش في تلكلخ حتى حدوث القمع من النظام السوري الذي أطلق غيظه ضد المواطنين.منذ ستة أشهر و نصف لجأت هي وبناتها المراهقات إلى لبنان: زوجها اعتقل و سجن وهي خافت على مصير البنات. “البنات تغتصب”, تقول بهدوء وعيناها السودتان تحدق في محاورها. “حصل 14 أو15 هجوم على صبايا منذ أن بدأت الثورة. والجميع يقول:”يجب رعاية الصبايا عندما يدخل الجيش أو الشبيحة إلى بيوتكم”, تؤكد لنا هذا مشيرة إلى الميليشيا المدنية للنظام. “اذا لم يجدوا الأب أو الأخ, يأخذون البنات و تتم إعادتهم إلى المشرحة”, و ملخصة ذلك محركة سبابتها الهزيلة.

AP

والجمع التي تشير إليه أم خالد يتضمن قوات النظام, لكن في كثير من مقاطع الحديث تخلط بين موالين بشار الأسد والمجتمع العلوي والتي تمثله قسم منها يمثل الآن الجمع المطلق, كما حدث في العراق, عندما كانوا مواطنون يتعايشون خلال عقود, استيقظوا خلال كابوس من الاحتلال العسكري وعندما صحوا منه لم يتعرف أحدهم على الأخر. فقط رأوا أعداء. وهكذا بدأت حرب أهلية شرسة, أنزفت بلاد ما بين النهرين القديمة وفي هذه المرآت أراد السوريون النظر خلال الشهور الأولى من الثورة من أجل تجنب هذا المصير. عدد كبير من القتلة, رعب كبير, ولم يحتسبوا أن إستراتيجية النظام كانت هذه بالتحديد: الدكتاتورية أو الفوضى, وبفضل الوفيات فهم يقعون في الفخ.

يقص علينا الاجئين أن في تلكلخ يسود في المظاهرات الشعار: تلكلخ سوف يكون لنا أو لكم. “العلويون سيؤون جدا. يعشون في حي خاص بهم, بحيث أن الجيش لا يدخله. وهم يملكون أسلحة. نحن لا نملك ولا حتى ثمن الطعام, فكيف سنشتري أسلحة؟”, تتابع أم خالد.” العلويون تمتعوا خلال عقود بقوة وحماية من الأسد, والآن هم يحتمون منا. وإذا تابعت الأمور على هذا الشكل, فسوف تكون حرب أهلية. وعلى بشار الأسد يتوقف تحول سوريا من جديد إلى عراق آخر.”

AP

إن استراتجية النظام يبدو أنها ذاهبة إلى تطوير الأحداث كما حصل في العراق بقوة القمع الشاملة وعلى الأرجح جرائم بصبغة طائفية كخطة استراتجية لردع الشعب عن ثورته التي لا يمكن وقفها الآن, لأن وقف الثورة في هذه اللحظة سوف يحكم على عشرات الآلاف بل على المئات بالقبض عليهم والتنكيل بهم.

“هذا مستحيل إيقافه, ليس لنا خيار”, هذا ما يقوله لنا عبر الإنترنت خالد اسم مستعار لشاب سني يعيش في حمص, خلال فترة الإضراب العام يوم الأربعاء. “نعمل ما نستطيع وسوف لن نتراجع. والناس عندهم إيمان بأننا نستطيع قلب الدكتاتورية. ولكن سنرى…” خالد يقطع المحادثة من حين إلى آخر ليعلمنا عن طلقة لمدفعية ثقيلة. يسكن في حي قريب من حي باب عمرو, وهو الأكثر تضررا من جراء القمع, وفي هذا اليوم الأربعاء “بدأوا بالقصف منذ الساعة الخامسة صباحا”.

AP

“هذه المرة الطائفة العلوية انضمت إلى الإضراب العام”, يستعرض الشاب, معنى هذا أنه يوجد تعاون؟ “لا على الإطلاق: العلويين يؤيدون النظام تماما.” مرة أخرى الجزء مقابل الكل. خالد يرى أيضا أن موجات القتل الطائفي يتحكمون بها من دمشق. “هم يحاولون تقسيمنا مئة في المئة. يقتلون علويين من أجل تحول الطائفية إلى شكل حقيقي, يريدون تحويل الثورة إلى شيء سلبي”.

يوجد شعور بالطائفية وهذا شيء يجب القبول به. في البداية لم يكن موجودا, عندما كنت تحاول مساعدة الناس كانوا يطلبون هواتف محمولة: الآن يطلبون أسلحة”, يفكر وسام طريف أمام فنجان قهوة عربية في فندق مركزي لكن متواضع في بيروت. طريف رئيس الجمعية الخيرية إنسان, وهو واحد من المسؤولين لمجموعة من الناشطين عبر إنترنت  Avaaz وواحد من الناشطين السوريين البارزين في المنفى وهو متشائم جدا حول ما تنتظره سوريا. “إذا لم يوجد إرادة عالمية فإن البلد سيذهب إلى حرب أهلية. حتى أن المثقفون السنة بدأوا في عرض البراهين بأن العلويين يعملون على قتلهم. والعلويين الذين هم أكثر ليبرالية وليس عندهم كيان ديني محدد كما هو الحال مع السنة ويرون أنهم مهددون وأيضا بدأوا بالقول أن السنة تقتلهم”.

AP

واحدة من إستراتيجية النظام لتحريك البغض الطائفي هو الإعتداء على الفتيات.” فقط يعتدون على فتيات متحجبات”, يشرح لنا طريف هذا بإقتضاب وهذا إعتداء على السنة. وجمعيته أحصت 25 عملية إختطاف لمراهقات في كل البلد: 13 منهم أغتصبوا. “وهذا الإنحطاط يؤدي إلى رد فعل”, يضيف. هذا الإعتداء يقوم به الشبيحة, هي ميليشيات الأسد مؤلفة من علويين على الأرجح موارد رزقهم ضئيلة –أن تكون علوي في سوريا ليس معنى ذلك أن تكون غني- وهم يربطون حياتهم مع النظام. “الشبيحة تقتل, تخطف, تغتصب, تسرق من جميع الأديان والطوائف ليزرعوا الرعب في الناس والمعارضة من أجل تقويض الدعم للثورة بواسطة الخوف”, هذا ما أضافه المعارض السوري أيمن عبد النور بمكالمة هاتفية من دبي.

عبد النور كان عضو في النظام ولا يزال عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب البعث, ورفيق في الدراسة لبشار الأسد حتى انه وصل لمشتشار سياسي وصديق حميم. سقط من أعين النظام عام 2007 بعد أن أنشأ صفحة في انترنت يطلب خلالها إصلاحات. لجأ إلى الإمارات العربية المتحدة حيث يتابع عن قرب كل ما يحدث في وطنه الأم, وهو يحافظ على صفحته الإعلامية حول ما يجري في سوريا. منذ أن بدأت الثورة وهو يشعر بأن النظام يستخدم الشبح الطائفي. “النظام يلعب ورقة الطائفية: وهو يخوف المسيحيون قائلا لهم يجب أن تتخوفوا من الإخوان المسلمين, بعدها يقول للعلويين أنهم سوف يقتلون على ايدي السنة, وإلى السنة يحذرهم من العلويين… هذا فظيع”, يكرر هذا عبر مكالمة ثانية أجريناها معه منذ خمسة أشهر.

AP

صحيح أنه يوجد أسلحة مع الطرفين, لكن مع فرق شاسع وبدون مستقبل. “يحصل إنشقاقات في الجيش بأعداد كثيرة حيث يلتجؤن إلى تركيا. لبنان أو الأردن, لكن كل ما يحدث إنشقاق يضعون في خطر مئات المدنيين”, موضحا لنا طريف. “يفشلون في حماية المواطن و الحماية الذاتية. ليسو منظمين, والأغلبية يعودون إلى بيوتهم أو يختبؤن في مناطق مدنية وهذا ما يدعو النظام لمهاجمة هذه المناطق المدنية للعثور عليهم ومعاقبتهم”. وتوجد مشكلة الطاقم. “هم جنود لا يملكون حتى شراء حذاء. وهذا ليس حال الفرقة الرابعة والفرقة XVII من الجيش السوري (مأمورين من عائلة الأسد) وهم مجهزون من إيران. وهناك مشكلة السلاح: يهربون بكل ما معهم وعندما تنفذ الذخيرة لا يملكون أكثر لمتابعة القتال. لو كان هناك توازن في القوى, لكان حال آخر.

حسب رأي رئيس إنسان, إن جيش الضباط الأحرار السوريين مؤلفة من منشقين يبلغ عددهم 10.000 رجل, هذا الجيش يكافح ضد الأسد, وليس هو بالقوة اللازمة ليقف وجه النظام. أن العمليات التي يقوم بها المنشقين ضد قوات الأمن السورية تأخذ بالتزايد –“سابفا كان إختراع من النظام, اليوم هم حقيقة”, ينوه طريف- لكن إلى الآن لا يشكلون أي مصدر عقبة للنظام. وكل هذا محتمل أن يكون إستراتيجية من نظام الأسد. “في البداية, في مدن مثل حمص, اللاذقية, بانياس ودرعا تخلوا عن أقسام الشرطة ومنشآت عسكرية مع كل ذخائره في الداخل, كأنهم يدعون المتظاهرين لأخذ السلاح واستعماله وبهذا يبررون القمع: والرسالة كانت واضحة, أن سوريا ليست مصر لكنها العراق”.


AP

ويتفق مع هذا التحليل بيتر هارلنغ, محلل عالمي لمجموعة الأزمات مبعوث إلى دمشق. “إن جواب النظام على المظاهرات عبر القمع والإعتقال الشامل, القتل المتكرر وأساليب إدخال الخوف تأخذ طابعا إرهابيا مريبا تؤخذ بموجيبها تنازلات سياسية”, يشرح من خلال رسالته الإلكترونية. “هذا الحل يسبب ثمنا باهظا على المسرح العالمي والنظام يبدو أنه يفكر في العبور إلى خطوط معمقة تهدف إلى حرب أهلية في وسط سوريا مع الأمل أن يستطيع التحكم بها وتبرير أن القمع هو فقط الجواب على عنف المتظاهرين.”

أتكلم مع صديق لي عراقي, قضى سنوات يعاني من الحرب الأهلية في العراق ومع آخرين من اللاجئين في سوريا حول الوضع السيء الذي يعانون منه جيرانهم. وقالوا أنهم يتذكرون مدينة سامراء, المدينة السنية والتي تحتوي على الجامع الشيعي الأسكاري, حيث يرقد رفات العاشر و الحادي عشر إمام المذهب الشيعي. ففي شباط من عام 2006 حدث إنفجار رهيب محضر من قبل مهنيين و أودى بهذا الجامع إلى الدمار الشامل, وبهذا أطلق العنان لحرب أهلية حيث بدأت العام الفائت, ومؤججة بهجمات وقتل طائفي غذائها الكميات الكبيرة من السلاح. صديقي خبير في المنظمة, يذكرني أن حمص ممكن أن تتحول إلى سامراء سوريا, باحتواء هذه المدينة الجامع الفضي خالد بن الوليد, وهو من صحابة رسول الله محمد وهو الصحابي الوحيد الذي لم يهزم في أي معركة, حتى المعركة التي خاضها ضد الإسلام قبل إعلان إسلامه. وضريحه موجود في هذا المسجد بجانب صحابي آخر أبو عبيدة بن الجراح.

AP

في الوقت الحاضر المساجد لم تهاجم -ما عدا مسجد في درعا-و لكن نعم يحصل مجازر يذكرنا بفرق الموت الطائفية التي كانت فعالة في العراق عام 2005 وهم الذين حركوا الحرب الأهلية. بين شهر أيلول وتشرين الأول عدة من المحترفيين لاقوا حتفهم في حمص من رجال مسلحين يتبعون الخطط على طريقة أولائك المرتزقة. العميد المساعد لكلية العمارة -وهو شيعي-, مدير مدرسة البتروكيماويات -وهو مسيحي-, رئيس قسم الجراحة في المستشفى الوطني -وهو علوي-أحد المخبريين السنة… ثلاثة أساتذة علويين قتلوا في داخل المدرسة الواقعة في حي باب عمرو, وهو أبرز الأحياء في المقاومة ضد النظام.

“النطام يعتقد أن الحل الوحيد ليبقى في الحكم هو التحريض على حرب أهلية, لأن هذا يعطيه تأييد المجتمع العلوي والمسيحي والدرزي, وأيضا هؤلاء السنة الذين يروون في النظام صمام أمان أمام تفكك المجتمع ويفضلون العيش تحت نظام دكتاتوري قبل أن يروا البلد منقسما”, يقدر عبد انور في صفحته ويب الذي نشر فيها أبحاث أجريت على حوادث حمص في نفس المدينة التي هي عالم صغير يمثل جميع سوريا في تركيبه الطائفي- ويدل على يد سوداء وراء تلك الأحداث.

بعد أيام من أحداث حمص قامت عصابة مسلحة بجريمة شنعاء هزت سوريا هذه المرة قتل واحد من أبرز الشخصيات الكردية المعارضة في البلد مشعل تمو, حيث لاقى حتفه في بيته في القامشلي, قلب المعقل الكردي في سوريا. وكان الزعيم الكردي ينتمي إلى المجلس الوطني السوري, وهو يمثل حكومة معارضة في المنفى: السكان الأكراد الذين يعيشون في الشمال خرجوا إلى الشوارع ليتهمون النظام بأنه وراء هذه الجريمة الشنيعة, وقد حطمت عشرات التماثيل لحافظ الأسد والد الرئيس الحالي.

أن اللعب بالطائفية هو اللعب بالنار. إن الإنفجار الطائفي يستطيع أن يشعل كل الشرق الأوسط, وخصوصا بعد الربيع العربي حيث جلب التطرف إلى الشيعة والسنة وهذا يعود لتقسيم القوى على مستوى المنطقة. حزب الله وإيران شركاء مع الأسد, يصرخون بأعلى أصواتهم متهمين العالم بالإزدواجية لعدم شجب القمع في البحرين بينما يحمون النظام السوري العلوي –وهو طائفة منشقة عن الشيعة- ويتهمون “بالمؤامرة الأجنبية” التي تحرض المظاهرات. ناهيك عن التحدث عن القمع الإيراني للشباب المعارض حيث يعذب ويقبض عليه كل من يزعم أن النظام سرق آخر الإنتخابات الرئاسية.

AP

بينما العربية السعودية, قطر وتركيا القوة الرئيسية للسنة, يتطرفون ضد دمشق, كما يذكر بيتر هارلنغ على إختلاف ما سبق. “الآن يوجد عوامل خارجية –قطر, العربية السعودية, تركيا والولايات المتحدة- يبدو أنهم يريدون تغير النظام. إتحذوا بعض التدابير تذهب إلى عقوبات إقتصادية وضغوط في وسائل الإعلام, لكن لا يوجد أي إشارة لدعم هذه القوة فوق الساحة ليلعب دورا هاما في ديناميات الأزمة السورية”, يتوقع المحلل.

في وادي خالد الحدود بين لبنان وسوريا تم التأكد من عدم الدعم السعودي أو القطري بشكل أسلحة. في حين يؤكد دخول بعض المواد الحربية عديمة الأهمية. على الأقل ليس بمقدورها الوقوف أمام الجيش السوري, واحد من الجيوش القوية التي يحسب لها حساب في المنطقة. ومن المحتمل أنهم جميعا على علم بنتائج الحرب الطائفية و يفضلون الحفاظ على الديكتاتور قبل مشاهدة سفك الدماء في الشرق الأوسط.

إذا كيف ستنتهي الثورة السورية؟ هل سنترك النصر لهذا النظام؟ “المجتمع الدولي لا يريد الدفاع عن الحقوق الإنسانية بل الحفاظ على إستقرار المنطقة. وبإستطاعتهم دائما تحويله إلى كوريا الشمالية”, يستند وسام طريف. مرة أخرى الإزدواجية التي طالما ندد بها العرب. “بسرعة كبيرة جميعهم أدانوا القدافي لكن لا أحد يتكلم عن الأسد”, يتابع. العقوبات الإقتصادية حسب بعض المحللين ربما تؤثر على ميزانية النظام حتى عدم إستطاعته دفع الرواتب إلى قواته, لكن هذا لن يحصل, حسب طريف. “سوف يتركهم ينهبون البيوت ولا حاجة للدفع لهم”, يقول هذا بينما ينفي ذلك. هذا بالإضافة لوصول أموال من روسيا و إيران إلى حد أن النظام السوري يعتزم تحويل الروبلو إلى عملة تحل محل الدولار.

أم خالد تتذكر كيف بقي بيت جارها, بعد أن تعرض لعملية تفتيش ونهب من قبل الشبيخة. “دمروا كل البيت ما عدا صورة بشار الأسد.” تركوها معلقة إستعارة مؤرقة كما يمكن أن يبقى في سوريا.